مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

محمد الحمد الشبيلي

 

د. عبدالرحمن الشبيلي: الرياض

 


 على الرغم من مرور سنوات على رحيله، إلا أن اسمه مازال حديث الذكريات، وضيفاً يتصدّر المجالس بعفويّة، والسؤال عن كتاب سيرته لا يتوقف، ورسمه يلمع عند الناس كلما خطر في بالهم، يتعدّى حدود عشيرته ومسقط رأسه «عنيزة» وديوان الوزارة التي ينتمي إليها، إلى أفق أرحب على مستوى المملكة العربية السعودية والدول الخمس التي عمل فيها سفيراً: «العراق وباكستان والهند وأفغانستان وماليزيا».
 إنها ثمرة «دبلوماسية الأخلاق» المدرسة التي أسسها، وتُذكر حيثما يُذكر، فهو لم يتخرج من أكاديمية العلوم السياسية حيث تخرج معظم الساسة والسفراء والدبلوماسيين في العالم، ولم يحصل على الشهادات العليا من الجامعات المرموقة، ولم يُعهد في تنشئته كعادة العرب إلى حكيم في السياسة كما كانت تفعل الأسر الأرستقراطية والأميرية عبر التاريخ.
 فمن أين جاء «أبو سليمان» كما كان يعرف مجتمعياً، «كنية» تكفي للدلالة على اسمه وعنوانه، منذ أن تسيّد مكانه بين السفراء السعوديين في الخارج، بعيداً عن الألقاب التبجيلية الأخرى؟
 وقبل الإجابة على هذا السؤال البسيط، لا بد من القول إن تعبير «دبلوماسية الأخلاق» ليس من ابتكار كاتب هذه السطور، بل كان من قول د. عبدالوهاب أبو سليمان أستاذ الشريعة في جامعة أم القرى، وعضو هيئة كبار العلماء، الذي وقف هو ود. عبدالستار سيرت وزير العدل في أفغانستان «إبان حكم ظاهر شاه» على منبر النادي الأدبي بمكة المكرمة وهما يحلّلان مفاتيح شخصيته إثر صدور الكتاب، ويذكران مناقبه الدبلوماسية والأخلاقية، التي جعلته -بفضل الله- يحتل كل هذه المكانة الأثيرة التلقائية في مجتمعه، وفي المجتمعات الخمسة التي عمل فيها.
 ومنذ أن تشرفت بالعناية بتدوين ملامح من سيرته بعد وفاته، بدأت محاولة العثور على إجابة لهذا التساؤل: من أين جاء أبو سليمان؟ تساؤل كثيراً ما قاد إلى تساؤلات أخرى، من أين اكتسب مؤهلاته؟ ومن أي مدرسة من مدارس الأخلاق تخرّج؟ وهي تساؤلات كثيراً ما تلقّاها أقاربه، ولا يكفي أن يكون الردّ عليها بعدم المعرفة، فكثير من السائلين يريدون جواباً عليها، حاضراً وشافياً وكافياً.
 في تصوّري الذي لا يعدو كونه اجتهاداً شخصيّاً، أن الجواب على هذا السؤال يكمن في ثلاثة عوامل، الأول أن جده لوالدته «سليمان الناصر الشبيلي» قد عُرف في زمنه «بداية القرن الماضي» بخصال قريبة مما عرف عند حفيده وعند عدد آخر من أحفاده، فقد توارثوا صفات متقاربة من مكارم الأخلاق، وكان جده هذا -بالمناسبة- على صلة مع الإمام عبدالرحمن الفيصل، ومع نجله الملك عبدالعزيز، ومع الشيخ مبارك الصباح، وتوجد وثائق تنبئ عن تلك الخصال في سيرته ومكاتباته.


 

العامل الثاني: أن أبا سليمان كان قد أمضى في بداية عمله ما يقرب من خمسة عشر عاماً فيما يمكن تسميته «أجواء ديوان الملك عبدالعزيز» بما فيها من ممارسات «المراجل» والكرم والضيافات و«الأُعطيات» فلا غرابة أن يتطبّع شخص لديه الاستعداد الوراثي ورضع الكرم من جذوره الأسرية بطباع يراها قريبة إلى ميوله.
 والعامل الثالث: أنه عاش في جميع السفارات التي تولاها أعزب وحيداً، دونما أسرة أو أطفال أو أحفاد كان يمكن لو عاشوا حوله وملأوا عليه حياته أن يمتصوا بعضاً من عواطفه ويشاركوا غيرهم فائض مشاعره وحبه للآخرين، جدير بالذكر أن ابنه الوحيد قد توفي بعده بخمسة عشر عاماً «1425هـ/ 2005م» ولم يخلّف ذرية، وبالتالي فإن نسلهما قد انقطع إلا من هذا الرصيد الكبير من الذكر الحسن.
 عُرف أبو سليمان نادراً في خصاله، وذا علاقات وصداقات واسعة كان لها تأثير كبير في سفاراته، وذا شخصية غاية في النبل والإيثار والتواضع ولين الجانب، بالغ الإكرام من غير ما يُسر، وعطوفاً للغريب والقريب والطفل والكبير، آسراً في حديثه، لبقاً في رواياته، يوظّف هذه الخصال -دونما تصنّع أو تكلّف- في دبلوماسيته مع الزعماء والقيادات، ويستثمرها تلقائيّاً في علاقاته مع المناوئين تماماً كما كان يطبّقها مع الأصدقاء، يحتوي أصحاب المواقف المتشدّدة دونما تلقي توجيه بذلك.
 كان أغلب من تحدثوا عنه، يميلون إلى ذكر مناقبه في البذل والكرم مع من يعرف ومن لا يعرف، ويكثرون من رواية المواقف والحالات التي عاشوها معه أو سمعوها عنه في ولائمه وضيافاته، وفي تغطية نفقات الفنادق والمواصلات لكل سعودي يقدم، يطلب من الفنادق إبلاغه عن القادمين، يخرج لاستقبالهم ولتوديعهم، ممارسات لا يصدّقها إلا من حدثت له، لكنه في الواقع كان يقوم بما هو أبلغ من ذلك، فخصلة الكرم لم تكن سوى خصلة من خصاله، كفتحه باب التواصل مع سفراء لا يوجد اعتراف سياسي بدولهم، وعدم غلقه باب الاتصال مع سفراء انقطعت العلاقات الدبلوماسية مع دولهم، واستضافة زعامات سياسية للحج على نفقته حتى لا يكلف ضيافات الحكومة أعباء ذلك، وسعيه للحصول على عضوية لإحدى الدول العربية في منظمة دولية، ومساعدته مئات النجديين المقيمين في جنوب العراق على استعادة جنسيتهم الأصلية، إلى أن صدر تنظيم من الحكومة السعودية بذلك في عهد الملك فيصل، وقد قام بتلك الجهود دون ذكر أو إعلان أو أضواء، حيث لم تذكر له مقابلة صحفية أو تلفزيونية أو إذاعية واحدة.
 وبعد صدور كتاب سيرته عام 1414هـ/ 1994م تسابقت الصالونات الثقافية للاحتفاء بالرجل وبسيرته، ومازلت أذكر الدمعات التي انحدرت على عيني الملك عبدالله وهو يتسلم نسخة من الكتاب عند صدوره، ثم يسرد بعضاً من ذكرياته معه، ويحتفي بتخصيص مجلسه ذلك اليوم لاستذكار عاطر سيرته، ويخصّ مؤلّفه برسالة معبرة، تليق بمكانة المُرسل وبشخصية الكتاب «أبو سليمان».
 أما الملك سلمان، فلقد كانت مشاعره نحوه لا تتوقف وبخاصة عندما كان «أبو سليمان» يتلقى العناية في مستشفيات الرياض، فكانت كلمته ترن في الأذهان عندما قال ما معناه: (إذا أردتموه ينهض من سريره أخبروه بوجود ضيوف في انتظاره) في تعبير عن ناموس أمضى عليه عمره.


 ولد أبو سليمان في عنيزة في حدود عام 1330هـ/ 1910م ودرس في كتاتيبها، ثم رحل إلى البصرة ليدرس في مدرسة الرجاء العالي، ثم عاد إلى المملكة فالتحق بالديوان الملكي في حدود عام 1347هـ/ 1928م معاصراً لعدد من المسؤولين العاملين فيه أمثال إبراهيم بن معمر، وعبدالله بن عثمان، ومحمد بن دغيثر، وقريبيه عبدالعزيز الناصر الشبيلي، ومحمد عبدالرحمن الشبيلي، وعلي النفيسي، وعبدالله التويجري، وعبدالله السليمان، وشلهوب، وغيرهم، تلك الفترة الذهبية التي ظهر فيها كثير من المستشارين السياسيين السعوديين والعرب، ممن سبق أن تناولت أسماءهم وسيرهم في عدد من المقالات والمحاضرات، وبرز فيها دور الشعبة السياسية، وكان أبو سليمان يراقب حركة الأمور الإدارية والسياسية تتم بتناغم عجيب بتصريف الملك المؤسس عبدالعزيز، ويدور هو -أي أبو سليمان- في فلكها مستفيداً من الخبرة الفريدة المتاحة له ولغيره.
 في مطلع الستينات الهجرية «الأربعينات الميلادية» انتقل من الديوان الملكي ليبدأ أبو سليمان مسيرة حياته الدبلوماسية بالقنصلية السعودية بالبصرة نائباً لفخري شيخ الأرض، ثم استقل بها، وفي منتصف السبعينات الهجرية عيّن سفيراً في باكستان، ثم في الهند، فالعراق، وأفغانستان، وانتهاءً بماليزيا التي أقام فيها سفيراً مدة تربو على خمسة عشر عاماً حتى أعياه المرض وانتقل إلى الرياض وتوفي فيها بعد فترة استشفاء في الرياض وفي ألمانيا دامت نحو عامين، ومن المعروف أنه كان قد عُيِّن في بداية الثمانينات الهجرية وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية، لكنه أبدى رغبة في الاعتذار عن قبول التعيين تعفّفاً عن المنصب.
 عندما اتصل بي رئيس تحرير هذه المجلة، يستكتب مقالاً بإلحاح عن موجز سيرته كما تضمّنها الكتاب، كنت أثق بأن حيّز المقال المطلوب لن يوجز سيرته، بل لن يستوعب الروايات التي وردت بعد صدورها، وسينظر عارفوه إلى المقال نظرة تقليل من مستواه مقارنة بمكانته الرفيعة في الأذهان، إلا أنه ما كان بالوسع الاعتذار مع التأكيد على مسألتين:
 الأولى: أن المدرسة النموذجية الفريدة لهذه الشخصية وغيره من الشخصيّات النادرة التي سبقته أو أتت من بعده، جديرة بأن تُضمّن في صلب المناهج في أقسام العلوم السياسية والدراسات الدبلوماسية، وهو ما يطالب به من كتب عنه بعد رحيله.
 الثانية: أن سمعة المآثر الاجتماعية الفاضلة التي خلّفها أبو سليمان في مجتمعه، قد ألقت مسؤولية كبيرة على ذويه، وعلى نظرائه من الدبلوماسيين السعوديين، على أمل أن يحتذوا ما يستطيعون من ملامح سيرته ومن خصال من يشابهه من جيله أو من جاء قبله أو بعده، وقد درج الكثيرون على التشبيه والمقارنة بينهم والتذكير بمواقفهم مع المواطنين في الخارج، وإن كانت بعض الطباع يصعب تقليدها أو التطبّع بها، أو نيلها إلا أن يشاء الله، فأبو سليمان دام عليها منذ أن ترعرع في حضن أبويه وفي محيط أسرته، ثم داوم عليها -دونما تكلّف كما سبق- طيلة عمره الإداري والدبلوماسي الذي استمر ستين عاماً «توفي عام 1409هـ/ 1988م» ما يدل دلالة واضحة على أنها كانت جزءاً من جيناته، التي وهبها الله له وخُلق معها.

 

ذو صلة