مجلة شهرية - العدد (544)  | يناير 2022 م- جمادى الثانية 1443 هـ

شوقي بزيع: المشتغلون بالنقد ليسوا مهنيين بما يكفي

منى حسن : السودان


شاعر يرسم بكلماته مراحل ذاته وتحولاتها وتماسها الحميم مع من وما حولها، بمهارة فنان عاشق للجمال، وانفعالات شاعر شديد الحساسية للكلمة، وحكمة فيلسوف تغرس نخلاتها على أزمنة القصيد على مهل. تنساب عواطفه وتأملاته صوراً حية ناطقة بالدهشة، مبشرة بخلود صاحبها في ذاكرة القصيد. ولد شوقي بزيع في الجنوب اللبناني، حيث تزدهر الطبيعة مهداً يليق بميلاد الشعراء. يعد من أبرز الشعراء المعاصرين في لبنان والعالم العربي. له عشرات المؤلفات في الشعر والنثر، إضافة لكونه ناقداً ومفكراً وكاتباً بعدة صحف عربية. نال في مسيرته الأدبية عدة جوائز وتكريمات أبرزها جائزة شاعر عكاظ في العام 2010، وجائزة العويس الثقافية في العام 2015. كما حاز وسام جنبلاط في 2010، ووسام فلسطين في 2017، وجائزة (الشرف الخاصة) ضمن جائزة محمود درويش للثقافة والإبداع في مارس 2020. التقته المجلة العربية في الحوار أدناه للحديث عن تجربته الشعرية وقضايا ثقافية ذات صلة:
يقول جان كوكتو: (الشاعر لا يخترع، إنه يستمع)، فلمن استمعت في بدايات التشكل المعرفي لديك؟
- أنا لا أرى بأن جان كوكتو يضع الاختراع نقيضاً للاستماع، بل هو يعني على الأرجح أن الشاعر لا يخترع إلا لأنه يعرف كيف يستمع، بهذا المعنى يصبح السماع في حد ذاته نوعاً من الاختراع، وأقصد هنا الاستماع الخلاق للأصوات السابقة على الشاعر أو المحايثة له. إن كل شاعر جيد هو مستمع جيد، بهذا المعنى أنا استمعت لكل الأصوات التي سبقتني، ومدين لها فيما كتبته لاحقاً.
بطبيعة الحال في طفولتي لم تكن هناك من مكتبة في المنزل العائلي لأنني أنتمي إلى أسرة زراعية فقيرة جداً، ولم يكن بالمتناول سوى السير الشعبية للملك سيف بن ذي يزن ولعنترة بن شداد، وسيرة بني هلال، وبعض الكتب الدينية، ورغم ذلك فإنني مدين لتلك الكتب بالكثير مما وصلت إليه مخيلتي لأنها هي التي أثرت تلك المخيلة بعناصر سحرية وأسطورية جعلتني فيما أكتبه أتخطى الواقع إلى حيز مختلف. قراءاتي الأولى كانت القراءات العادية التي تغرف من التراث العربي الممتد من امرئ القيس حتى المتنبي، ولم أتعرف إلى الشعر الحديث إلا في الجامعة اللبنانية، حيث تتلمذت على خليل حاوي وأدونيس، وحيث تسنى لي أن أطلع على تجربة الحداثة الشعرية ابتداء من بدر شاكر السياب، والبياتي والملائكة وأدونيس، ووصولاً إلى الماغوط وأنسي الحاج ومحمود درويش. ولكن أيضاً يجب أن أقول هنا بأنني استمعت برهافة شديدة إلى صوت جدتي وهي تروي لي حكايات غريبة ومؤثرة حول الجنوب اللبناني، وهي حكايات فيها اختراق لكل الأسقف الواقعية وفيها غنى استثنائي في التخييل، واستمعت إلى أصوات الطبيعة التي أحاطت بي في طفولتي الأولى.
المطلع على قصائدك يبصر أنه تتجاذبها ثلاث قوى شاعرية وجودية: الحبيبة، اللغة، والوطن؛ فما التي تشعر أنها تختزل الأخريين؟ ولماذا؟
- إذا ما أردت أن أكون ناقداً لهذه التجربة، وعلى مسافة موضوعية منها؛ سأقول: إن ما شغلني في البدايات كان يتراوح بين حدين، حد له علاقة بالمكان الذي أنتمي إليه، وأفضل أن أستخدم الانهمام بالمكان على مسألة الوطن، لأن الشخصية اللبنانية ككيان سياسي لم تظهر كثيراً في شعري، وأعتقد أنها لم تظهر كثيراً عند شعراء الجنوب اللبناني بخلاف ما حدث لدى الشعراء الآخرين الذين كانوا جزءاً من المدرسة اللبنانية في الأساس، بدءاً من جبران خليل جبران وإلياس أبوشبكة وإيليا أبوماضي، وليس انتهاء بالأخطل الصغير وسعيد عقل وصولاً إلى جماعة شعر.. وغيرهم. لقد نمونا خارج هذا السياق، ولذلك أسباب سيسيولوجية سياسية مختلفة. من هنا كان هناك شعور دائم بالانتماء إلى المكان المحدد، إلى القرية، إلى البيت، وإلى ملاعب الصبا، وهذا ما يبدو واضحاً في شعري من خلال اللغة، والتركيز على الطبيعة، على مسرح الكلمات، وأيضاً كون الجنوب تعرض أكثر من سواه لكل أشكال الصلف الإسرائيلي والاجتياحات والتدمير والهجرات المختلفة، وقد تعرضت قريتي في الجنوب إلى الهدم أكثر من مرة، وانعكس هذا في شعري بشكل واضح من خلال قصائد احتفت بالشهداء وبالمقاومة دون أن تقع أسيرة الشعارات الدعوية والأيدولوجية المباشرة، وإذا استطعنا أن نقول إن هذا الجانب من شعري كان يمثل غريزة الموت أو الصراع بين الحياة والموت من خلال الشخصيات التي رثيتها وتحدثت عنها، فغريزة الحياة كانت واضحة من خلال قصائد الحب، حيث بدأ الانتماء إلى المرأة، وحيث كنت شديد الافتتان بالأنوثة، ليس فقط من خلال الحضور المباشر للمرأة ولكن أيضاً من خلال تأنيث العالم، وتأنيث الكتابة بحد ذاتها ورؤيتها بوصفها مادة شفافة ولينة واحتفالية، ومترعة بكل أشكال الرغبة والانتصار للحياة، وطبعاً هذا تعرض أيضاً إلى التعديل لاحقاً بحيث بدت للمرأة صورة أخرى، هي صورة المرأة الباعثة على الغيرة أو المرأة المخاتلة أو المرأة الأفعى، ودائماً كانت تتنازعني بوصلتان في محاولة الكشف عن سر المرأة: إحداها طهرانية جداً تتبدى من خلال صورة مريم العذراء في قصيدة مريم، أو وردية من خلال قصيدة أية امرأة أنت، وبعض قصائد أخرى. وكما ذكرت هناك المرأة المخاتلة أو الفاتنة التي توصل الرجل إلى حافة الخطر وتجعل الحب قطباً آخر للموت في بعض الأحيان.
في عصر الثقافة الافتراضية والثورة المعلوماتية؛ كيف تقيم انعكاسات العولمة على النص الشعري العربي؟
- هذا الموضوع مهم جداً، وحمال أوجه. بمعنى أن له وجهين كما هو حال معظم الأشياء، أحدهما إيجابي يتعلق بأن هذه الوسائل من الديموقراطية بمكان بحيث تتيح المجال لكافة المهتمين باللغة، أو الذين يشعرون أن لديهم ما يقولونه لكي ينشروه على الملأ وكي يكتشفوا من خلاله ما يملكونه من موهبة وحساسية تجاه اللغة، وهي تؤكد المقولة التي كان مفادها بأن في كل إنسان هناك شاعراً مختبئاً وحبيساً، وأنه فقط ينتظر التربة الملائمة كي يظهر للعلن، وإذا شبهنا الشعر بالمياه الجوفية فهناك شعراء محترفون ومتمرسون يكون عادة منسوب الشعر لديهم عالياً وملتصقاً بالأرض، فيما آخرون يحتاجون المزيد من الحفر كي نكتشف ما بداخلهم من كنوز، وما يؤكد ذلك أن الفيسبوك وسواه جعلنا نكتشف مواهب وطاقات لم يسبق لها أن كتبت الشعر أو احترفته أو تجرأت على نشره، بينما تخرج اليوم إلى الضوء بأعداد هائلة وغير مسبوقة، وتتنافس بشكل متكافئ في الساحات والصفحات نفسها، وأحياناً يظهر بأن أناساً مغمورين لديهم من قوة المخيلة والعلاقة باللغة ما يفوق المكرسين بأشواط، لذلك نحصل الآن على آلاف الأسماء الشعرية التي لم تكن تجرؤ قبل مواقع التواصل على ادعاء الشعر، وتتنافس هذه الأسماء على ساحة اللغة، لذلك فهي تعزز دور اللغة بكل ما تحمله من دلالات، فالمباهلة باللغة هي الأساس في هذا السياق. الجانب السلبي هو طبعاً أنه أزال الفواصل بين الموهوبين وغير الموهوبين، بين الحقيقة والوهم، وسمح للكثير من الكائنات اللغوية الطفيلية أن تطفو على سطح هذه المرحلة، وأن تدعي لنفسها ما لا تملكه، وهذا يعيدنا إلى القول بأن الحقيقة حمالة أوجه، وبأن ما يبقى في نهاية المطاف هو العميق والمتميز والمتفرد. أيضاً من السلبيات أن البعض لا يعرفون قدر أنفسهم، بمعنى أن هذا النص الذي ينشرونه على فيسبوك لو اكتفوا بنشره في هذا المكان لهان الأمر وبدا جزءاً من حركة التواصل الاجتماعي والتعبير عن الذات ومما سميته ذات يوم نجومية المهمشين أو أولئك الناس الغفل الذين لم يكن لديهم صوت وتحولت هذه المواقع إلى أصوات رمزية بديلة لهم؛ ولكن المشكلة تتمثل في أن صلفهم الشخصي وفقدان المعايير يدفعهم إلى نشر ما يكتبونه في كتب، وثمة دور نشر تتلقف هذه الأعمال وتنشرها دون عذر ودون مسوغ ودون تمييز بين ما هو غث وما هو سمين فيما يكتب.
هل تثق في أن النقد مكمّل للإبداع، أم أن العلاقة بينهما تظل قلقة وغير ودية دوماً؟
- أظن أن هناك علاقة ملتبسة على المستويين التاريخي والتعبيري بين النقد والشعر، المستوى الأول التاريخي، أعتقد أن الشعراء كانوا دوماً ينظرون بتوجس للنقاد، ويرون بأن هؤلاء يريدون أن يزاحموهم على مكانتهم المتقدمة جداً عند العرب، وبما أنهم يعجزون عن كتابة نص موازٍ لنص الشاعر، على قاعدة القول بأن الناقد هو شاعر فاشل أو مبدع فاشل بشكل من الأشكال؛ فهو لذلك يعوض عن هذا الفشل عن طريق احتراف النقد للنيل ممن يحوزون على ما يفتقده هو بالذات. أمر طبيعي أن يكون هنالك سوء فهم مشترك بين الطرفين. وفيما يخصني بالواقع علاقتي بالنقد لم تكن إيجابية بالكامل ولا سلبية بالكامل، بمعنى أنني لم أشعر بأنني قد تم تناولي نقدياً بشكل كافٍ، وبما يوازي التجربة التي خضتها على الصعيد الشعري. لأن النقد لم يقم بدوره التام، وربما دفعني ذلك لأن أكون ناقداً بالإضافة لكوني شاعراً، تعرفين بأن هنالك من يعتقد بأن أفضل ناقد للشعر هو الشاعر بحد ذاته، وذلك لأنه يعرف باطن العملية الشعرية وخصائصها من الداخل ويستطيع أن يتلمس كل خفاياها، خلافاً للناقد الذي يدرسها مادةً جامعية، وتصبح جزءاً من عمل أو وظيفة، بما يختلف تماماً عما لدى الشاعر من موهبة فطرية واختبار داخلي. لا أريد أن أبخس النقاد حقهم، فأنا أرى بأن النقد الحقيقي هو أيضاً عمل إبداعي موازٍ للعمل الأصلي، وهو إعادة قراءة له وإعادة تركيب له من جديد، ولذلك فإن كل ناقد حقيقي يخلق القصيدة مرة أخرى. لكن الالتباس حاصل من أن معظم المشتغلين بالنقد ليسوا مهنيين بما يكفي، وليست لديهم العدة الكافية لتناول الأعمال الإبداعية، وبخاصة في مجال الشعر، بل معظمهم يقدم مادة صحفية سريعة للاستهلاك العابر، إضافة للنقد المزاجي الذي لا يعتمد على الكفاءة والخبرة.
على ثلاثية الإيقاع والصورة واللغة ترتكز قصيدتك؛ فكيف تصف هذا التماهي بينك وبين هذه الثلاثية، وهل تؤيد أنه ما زال للشعر دوره المهم كونه حارساً للغة ومجدداً فيها؟
- فيما يخص السؤال المتعلق بما سميته بالثلاثية الأساسية للكتابة الشعرية؛ أنا أعتقد أن هذه الثلاثية ماسية بالفعل، أي أكثر من ذهبية، لأنه من دونها لا يمكن أن يكون الشعر قادراً على انتزاع هويته الخاصة به. سأبدأ من الإيقاع لأنني من الذين يرون أن الشعر يبدأ قبل أن يتشكل في اللغة والصورة على شكل إيقاعات ذات نسيج خاص أو تراتبية زمنية مميزة، ثم يكتسي هذا الإيقاع لاحقاً بالعنصرين الآخرين، وهو ما يجعل الإيقاع عنصراً عضوياً في الكتابة وليس شكلاً خارجياً، وبالنهاية طبعاً إيقاع قصيدة النثر أمر مختلف عما أتحدث عنه، ولكن على الأقل في قصيدتي الخليل والتفعيلة الإيقاع يحدد البنية النفسية للكتابة الشعرية، ويحدد أيضاً القاموس والمعجم والمفردات، حيث أن الشاعر عندما يختار البحر الطويل على سبيل المثال فهو يختار من خلاله تموجات نفسية معينة، ويحدد أيضاً حقلاً معجمياً ودلالياً لكتابته. لذلك إيقاع الطويل يفرض مناخات على الكتابة تختلف عن إيقاع البسيط أو المتقارب، وما سوى ذلك. بالنسبة لي أنا شديد الاهتمام بالإيقاع، ولكن حاولت بقدر ما أستطيع أن أكسر الغنائية ببعدها الرومانسي التطريبي لمصلحة البعد الدرامي في الكتابة الشعرية. لأن الاستسلام للإيقاع يوقعنا في محاذير تطريبية وإنشائية، بحيث أنها تطغى على مضمون الكتابة. ولا تنسي بأن الشعراء الذين يفرضون على أنفسهم -ضمن الإيقاع يمكن التحدث عن القافية أيضاً- قوافي متماثلة وذات مساحات صوتية متقاربة ومتشابهة؛ يقتربون إلى حد كبير من السجع. هذا من جهة، من جهة ثانية هم يكسرون النمو الدرامي في الكتابة لمصلحة القافية، فكلما هم القارئ بأن يتابعهم ويكون مشحوناً بمعاناتهم يشعر بأنهم دفعوا بهذه المعاناة نحو نهايتها فقط من أجل مراعاة التناظر في التقفية. ولذلك حاولت ما استطعت في معظم ما كتبته من شعر أن أتجنب هذه الآفة، وحاولت التنويع في إيقاعاتي مستفيداً أيضاً من إيقاعات الحياة اليومية، والفلكلور والأغاني الشعبية عندنا في الجنوب اللبناني.. وما سوى ذلك. بالنسبة للصورة فأنا أزعم بأني شاعر صورة بالدرجة الأولى؛ لأنه -وعلى سبيل التوصيف لا المدح- عندما تقرئين قصائدي، تجدين أنه يندر أن يكون هناك سطر شعري واحد من دون أن يحمل صورة معينة، وهذه الصورة هي ذات بعد مشهدي، يبعد شعري عن الذهنية وأنا من الذين يحاولون ما أمكن تجنب الذهنية والتجريد في الكتابة. وأعتقد بأن هذا العصر هو عصر الصورة بامتياز، لذلك أعمل على مواءمة ما بين الصوت والصورة، طبعاً لا يعني ذلك أن تقحم الصورة في الشعر بشكل متعسف، لأن الشاعر كما يقول نوفاليس ليس مجرد صياد للصور يكمن لهذه الصورة أو تلك ليقحمها إقحاماً في قصيدته. بالنسبة للغة طبعاً نحن جميعاً نشتغل على مادة لغوية، ولذلك على هذه اللغة أن تجدد نفسها باستمرار، وهذا عمل يومي، كما أن الهوية لا تكون ناجزة بل هي مسألة تحتاج إلى تحقق دائم، وهي قيد الإنجاز بشكل مستمر، فأيضاً اللغة، لذلك على الشعراء ألا يكفوا عن اجتراح لغاتهم الخاصة بهم وتوسيع مفرداتهم ومعجمهم اللغوي والتعبيري دون أن يكون لذلك صلة فقط بغنى المفردات لأن المهم هو تزويج المفردات بعضها من بعض، ولذلك هناك شعراء كبار استطاعوا أن يتميزوا بتجاربهم وتفردهم من خلال حقل دلالي محدود نسبياً، ولكن استطاعوا أن يغنوه من خلال الصياغات والزواجات التعبيرية المفتوحة على كم كبير من السياقات.
لحظة الكتابة لديك لها طقوسٌ مكانية خاصّة يعرفها محبوك ومتابعوك، والتي ارتبطت بـ(مقهى دبيبو)؛ فهل هنالك قصائد ولدت بعيداً عن هذا الطقس المقدس، وهل ثمة طقوس أخرى لا نعرفها؟
- بالتأكيد لكل كاتب، شاعراً كان أم فناناً أم موسيقياً أو غير ذلك؛ طقوسه الخاصة به التي تساعده على أن يكتب في لحظة دون سواها، وفي مكان دون سواه. ومن سوء حظي أن هذه الطقوس عندي هي أكثر إرهاقاً و(مدعاة للأسى) من أي شاعر آخر، ليس في المجال المتعلق بالزمان ولكن في المجال المتعلق بالمكان. نحن نعلم بأن لحظة الشعر لا تأتي في الوقت الذي يريده الشاعر، وعلينا أن نظل متربصين بها، أن نظل بانتظارها حتى ولو لم تأتِ، لأنها تشبه بشكل من الأشكال ليلة القدر، تمر بشكل خاطف، إذا لم نقطفها أثناء مرورها ستذهب ولن تعود إلا بعد وقت طويل، وهذا ما يحدث لي، فأنا أكتب بشكل متقطع، أحياناً أمكث سنتين وثلاث سنوات بدون أي قصيدة جديدة لكن فجأة عندما تبدأ الحالة الشعرية في التدفق وأشعر بأن هنالك طوفاناً من الأخيلة والصور تنتابني فأبدأ بالكتابة لمدة أشهر، ستة أو سبعة أشهر وأنتهي بمجموعة جديدة، هذه آليات الكتابة عندي. على المستوى الزمني أنا كائن نهاري أكتب في النهار حيث أكون متيقظاً بالكامل بفعل الحصول على ما يلزمني من الراحة والنوم، ولذلك أكتب في النهار، في الليل لا أستطيع الكتابة أبداً، أكون قد فقدت طاقتي تماماً، وأكون بحاجة للراحة أو القراءة أو أي شيء آخر. ولكن المشكلة الصعبة جداً هي المتعلقة بالمكان لأنني منذ مجموعتي الثالثة وحتى اليوم، أي منذ عام 1982، لا أكتب إلا في مكان واحد هو مقهى دبيبو في بيروت كما ذكرت. قبل ذلك كنت أدرس في صور في الجنوب، وأيضاً كنت قد اعتدت على الكتابة في المقهى، اخترت أحد مقاهي المدينة مقهى شعبي يلعب الناس فيه الورق ويتصايحون ويتشامتون ويتضاحكون ولكنني أنسى كل شيء من حولي وأعيش في لحظة الكتابة محاطاً بدفء الوجود الإنساني الذي يحيط بي دون أن أميز صوتاً عن صوت. وقد تكون الأسطورة المؤسسة لهذه العادة متصلة بكلية التربية في الجامعة اللبنانية، حيث كانت بداية كتاباتي في كافتيريا الكلية. وكنت أنتحي جانباً وأجلس إلى زاوية معينة وأكتب وسط محيط من الطلاب لكن دون أن أتبين أصواتهم أو أصغي إلى أي واحد منهم على وجه التحديد، وظلت هذه العادة معي حتى في مقهي دبيبو حيث ظللت أكتب هناك منذ عام 1982، حتى ما قبل عام، حين أقفل المقهى. لا أستطيع أن أكتب إلا في المكان ذاته، على الطاولة ذاتها والكرسي ذاته، وإذا وجدت المكان مشغولاً من قبل أي زائر أنتظر ريثما يذهب شاغلو الطاولة لكي أعود إليها.

ذو صلة