مجلة شهرية - العدد (529)  | أكتوبر 2020 م- صفر 1442 هـ

50 عاماً من السياسة الأثرية والمتحفية في المملكة العربية السعودية

ما يزال كتاب «بعثة أثرية إلى الجزيرة العربية» الذي نشره الأبوان الدومينيكان أنطونان جوسين Antonin Jaussen ورفائيل سافينياك Raphaël Savignac في عام 1914 مرجعاً للمهتمين بالآثار النبطية خارج الأردن وبدايات الأبحاث الأثرية في جزيرة العرب على حد سواء، يتيح إطلاق برنامج علمي ومتحفي وسياحي واسع في العلا الفرصة للعودة إلى هذا التاريخ الأثري غير المعروف، ولكن الأساسي في تطوير المعارف حول الفترات ما قبل الإسلامية والإسلامية في شبه الجزيرة العربية من جهة، وحول كيفية تبني المملكة العربية السعودية لتراثها الأثري من جهةٍ أخرى.
في شهر تموز/ يوليو من العام 2017، أنشئت الهيئة الملكية لمحافظة العلا في الرياض، ثم الوكالة الفرنسية لتطوير العلا في باريس بعد ذلك بعام، وذلك لتنسيق التنمية السياحية لمنطقة العلا: زيارات بصحبة أدلاء، متاحف، دروب لتسهيل عمليات الاستكشاف، أماكن إقامة تطل على مناظر خلابة، إلخ، وبموازاة ذلك هناك تكثيف للمسوحات الأثرية الموجهة بصورةٍ خاصة نحو البنى ما قبل التاريخية ومعابد دادان، وتهدف إلى توفير فهم أفضل للتاريخ الحضاري للعلا، والحفاظ على هذه الآثار على أفضل وجهٍ من مشاريع البنى التحتية السياحية المستقبلية.
هذا المشروع الكبير الذي يجمع بين المسوحات والتنقيب والتوثيق، ومن ثم عرض القطع في متاحف مشيدة في الموقع أو في معارض مؤقتة في الخارج، هو مشروع غير مسبوق في المملكة العربية السعودية، ويندرج ضمن سياسة أثرية ومتحفية بدأت في ستينات القرن العشرين، وأدت إلى إعادة تعريف الفترة المعروفة بفترة ما قبل الإسلام في جزيرة العرب. يسهم غنى البقايا الأثرية في زيادة عمليات التنقيب والافتتاح المبكر للمتاحف الأولى في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في العلا، بالإضافة إلى التطوير التدريجي للسياحة في المملكة، أصبحت الآثار تدريجيّاً العنوان الرئيسي للانفتاح الإستراتيجي للبلاد أمام الزوار القادمين من جميع أنحاء العالم.

دائرة للآثار والمتاحف منذ عام 1963
«يعتقد معظم الغربيين أن السعودية ليست سوى أرض صحراوية بها آبار نفط، فهم لا يعرفون أن المملكة كانت جسراً بين الشرق والغرب، وقد اضطلعنا بهذا الدور في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وسنواصل لعب هذا الدور في المستقبل، كذلك يتحتم علينا على المستوى الخارجي أن نصحح الصورة الخاطئة عن بلادنا، وفي الداخل علينا أن نعرّف الشعب بتراثه» بهذا التصريح الذي أدلى به في عام 2010 في إطار معرض: طرق التجارة في الجزيرة العربية، روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور (متحف اللوفر، باريس، من 14 تموز/ يوليو إلى 27 أيلول/ سبتمبر 2010) أكد الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم الغبان، نائب رئيس الهيئة السعودية للسياحة والتراث الوطني، ثم المشرف على برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري في المملكة، على إرادة المملكة العربية السعودية تشجيع البحث المتعلق بالمجتمعات الغابرة والاستعانة بعلم الآثار لتثقيف المواطنين.
انطلاقاً من العام 1963 ومع إنشاء أول قسم للآثار والمتاحف في الرياض برعاية وزارة التربية، بدأت المسوحات والتنقيبات الأثرية في كافة أراضي البلاد دون تمييز بين الفترات التاريخية، من عصور ما قبل التاريخ إلى فترة الوجود العثماني، الغاية من ذلك جرد جميع المواقع واختيار بعض منها ليتم تنقيبه جزئيّاً أو كليّاً، لهذه البعثات الأولى التي أدارها علماء آثار سعوديون درسوا في الجامعات الفرنسية والأنجلو ساكسونية - قبل إنشاء جامعات في المملكة العربية السعودية ومناهج جامعية في علم الآثار بعد ذلك ببضع سنوات-.
هدفان رئيسيان: البدء في إعادة كتابة فترة ما قبل الإسلام (الجاهلية) في جزيرة العرب، وحماية المواقع الأثرية والأوابد التاريخية من التدمير المحتمل الناجم عن أعمال التخطيط الحضري والتحديث واسعة النطاق، والتي تم إطلاقها في سبعينات القرن العشرين من قبل الملك فيصل رحمه الله.
في عام 1951 تجلت بوادر اهتمام المملكة العربية السعودية بعلم الآثار من خلال منح موافقة رسمية من قبل الملك عبدالعزيز – رحمه الله – نفسه لمجموعة من العلماء الراغبين بدراسة آثار وسط وجنوب جزيرة العرب (خيبر، أبها، نجران وقرية الفاو) للقيام بأعمال مسح. أحصى الفريق المؤلف من جونزاج ريكمانز Gonzague Ryckmans وفيليب ليبينز Philippe Lippens ويقوده هاري سانت جون فيلبي Harry St. John Philby المبعوث البريطاني آنذاك والقريب من الملك والشغوف بآثار ما قبل الإسلام، أحصى اثني عشر ألف نقش كتابي، تضاف إلى عشرات الآلاف المكتشفة سابقاً من قبل تشارلز داوتي Charles Doughty وشارل أوبير Charles Huber ويوليوس أويتنج Julius Euting والأبوين جوسين Jaussen وسافينياك Savignac، وهاري سانت جون فيلبي نفسه. في عام 1962 حصل عالم الآثار الدنماركي جيفري بيبي  Geoffrey Bibby، الذي انطلق للبحث عن دلمون على الساحل الشرقي لجزيرة العرب على تصريح لدخول الأراضي السعودية يتيح له التعرف على شبكات التبادلات بين بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية على وجه اليقين. في الوقت نفسه، عكف عاملون في الشركة الحديثة الإنشاء الحاصلة على امتياز التنقيب عن النفط أرامكو السعودية على القيام بحفريات أثرية سرية غير احترافية على ساحل المنطقة الشرقية أيضاً، وساهموا بطريقتهم الخاصة في تطوير علم الآثار في المملكة العربية السعودية.

إحصاء ما يقارب الأربعة آلاف موقع أثري
يعد الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري من رواد البحث الأثري السعوديين في المملكة والمسؤول عن المأسسة الأكاديمية لهذا المجال، دافع في عام 1966 عن أطروحة دكتوراه في ليدز بالمملكة المتحدة حول دراسة نقدية ومقارنة للأسماء والكنى اللحيانية، وعاد إلى الرياض حيث تم تعيينه أستاذاً في جامعة الملك سعود، التي كانت حديثة الإنشاء في العاصمة السعودية. أسس الجمعية العربية السعودية للدراسات التاريخية والأثرية، وهي جمعية علمية مقرها كلية الآداب في هذه الجامعة، وهو يكرس سيرته المهنية من أجل معرفة وتعرف أفضل على فترة ما قبل الإسلام في جزيرة العرب.
وفي عام 1966 أيضاً، تزودت جامعة الملك سعود بقسم للآثار يقدم لطلابه تعليماً نظريّاً وعمليّاً يتعين أن تعدهم المحاضرات الجامعية ودورات التدريب الميدانية ليصبحوا علماء آثار المملكة في المستقبل، وليحلوا تدريجيّاً محل علماء الآثار والمؤرخين الأجانب (الأردنيين، السوريين، العراقيين، البريطانيين، والأمريكيين) الذين شاركوا في البعثات الأولى. في العام التالي، حاز القسم على أول متحف للآثار في المملكة لمواكبة تعليم الطلاب و«سرد تاريخ المملكة العربية السعودية منذ أقدم العصور إلى بزوغ فجر الإسلام» كما يشير دليل المتحف على الدوام. يعرض في القاعة الوحيدة للمتحف اليوم قطع أثرية مكتشفة في موقع قرية الفاو (وسط جزيرة العرب) والذي يعود إلى فترة ما قبل الإسلام وفي موقع الربذة (على طريق الحج العراقي القديم) العائد إلى الفترة الإسلامية، وهذا دليل إذا اقتضى الأمر على اعتراف المملكة العربية السعودية بالاستمرارية الزمنية للغنى الأثري والتاريخي لأراضيها.

النشر السريع للنتائج وأعمال التعاون العلمي
في عام 1981، مكنت الحملة التي قادها على نطاقٍ واسع عالم الآثار السعودي عبدالله المصري، والتي تعتبر «أكبر حملة أثرية منذ حملة نابليون على مصر»، مكنت من إحصاء ما يقرب من 4000 موقع أثري، وأغنت معارفنا كثيراً حول آثار المملكة، وشجعت دائرة الآثار والمتاحف على اتباع سياسة ترميم الأوابد الأثرية والتاريخية، وقدمت كمية كبيرة من القطع الأثرية. مدفوعين برغبة جامحة بتوعية المواطنين والعلماء الأجانب بغنى آثار المملكة، شرع علماء الآثار بالنشر السريع للنتائج في كتب ومجلات ثنائية اللغة عربي/ إنجليزي: مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية (1975، 2001)، قرية الفاو: صورة للحضارة العربية قبل الإسلام في المملكة العربية السعودية (1982)، أطلال: حولية الآثار العربية السعودية (1977) كما فعلوا ذلك من خلال الندوات والمؤتمرات، ومنها «ندوة الدراسات العربية» الشهيرة (Seminar for Arabian Studies)، التي تنظم سنويّاً في المملكة المتحدة منذ العام 1968 من قبل الجمعية البريطانية لدراسة جزيرة العرب British Foundation for the Study of Arabia.
في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، طور علماء الآثار السعوديون شراكات مع علماء آثار أجانب، فرنسيين على وجه الخصوص. ففي عام 2002، بدأت البعثة السعودية-الفرنسية العاملة في مدائن صالح (الحجر)، التي ترأسها الآن ليلى نعمة Laïla Nehmé، تعاوناً علميّاً ودبلوماسيّاً مثمراً وطويل الأمد بين الجمهورية الفرنسية والمملكة العربية السعودية، وتبعتها بعثات بحثية في أرخبيل جزر فرسان برئاسة فرنسوا فيلنوف François Villeneuve، ومن ثم سولين ماريون دو بروسي Soléne Marion de Procé منذ العام 2006، وحول نقوش آبار حمى الكتابية والصخرية بالقرب من نجران من قبل كريستيان روبان Christian Robin، ثم أليسيا بريوليتا Alessia Prioletta منذ العام 2006، ودير كلوة من قبل صبا فارس منذ العام 2008، وموقع دومة الجندل من قبل جيوم شارلو Guillaume Charloux) 2017-2010)، وآثار ثاج الهلنستية من قبل جيروم رومير Jéróme Rohmer منذ العام 2016، وموقع البدع من قبل جيوم شارلو منذ العام 2017.
أولت البعثة السعودية-الفرنسية العاملة في الحِجْر اهتماما جليّاً كذلك الأمر بالآثار النبطية على الأراضي السعودية، وهو يعقب الاهتمام الذي أولاه لها السعوديون أنفسهم. وفي واقع الأمر، قام علماء الآثار في قسم الآثار والمتاحف بإجراء أول مسح بدءاً من عام 1966، تلاه إنشاء منتزه أثري مسيج ومحمي من قبل حراس في عام 1972، تم بالإضافة إلى ذلك تسجيل الموقع على قائمة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2008.
يعد قسم الآثار في جامعة الملك سعود من جانبه الجهة الرئيسية الفاعلة، منذ عام 2004، في تنقيبات المعبد اللحياني في دادان، ومدينة المابيات الإسلامية، والواقعة حالياً تحت مسؤولية كل من الدكتور عبدالرحمن السحيباني والدكتور أحمد العبودي، وبموازاة ذلك. وفي العام 2005 نشرت صبا فارس كتاباً بالفرنسية بعنوان «دادان ولحيان تاريخ عرب على تخوم القوى الفارسية والهيلينستية»، ويتضمن معظم النقوش الدادانية المعروفة آنذاك، تزودنا الأبحاث التي أجريت على هذه المواقع الثلاثة، مدائن صالح ودادان والمابيات، بالمعلومات الرئيسية حول البقايا الأثرية في العلا، والتي يقدمها معهد العالم العربي والهيئة الملكية لمحافظة العلا ضمن معرض «العلا، واحة العجائب في الجزيرة العربية». معظم القطع سيتم عرضها لأول مرة ضمن معرض كبير، وكان قد عرض جزء منها فقط في أول متاحف الآثار في المملكة العربية السعودية. كانت السلطات ترغب في واقع الأمر، وانطلاقًا من بداية سبعينات القرن العشرين أن تعرض علناً الآثار المكتشفة تدريجيّاً على يد علماء الآثار السعوديين. ولهذه الغاية تم في الرياض افتتاح أول «متحف للآثار والتراث الشعبي» خارج الجامعة في عام 1978 (حل محله المتحف الوطني الحالي في عام 1999). وفي نفس العام، أعلنت دائرة الآثار والمتاحف نيتها تصميم ستة متاحف أخرى تحمل نفس الاسم في العلا وتيماء (في الشمال الغربي)، ودومة الجندل (في الشمال)، وجازان (في الجنوب الغربي)، ونجران (في الجنوب)، والهفوف (في الشرق). أتبعت هذه المتاحف الستة المفتتحة في عام 1987، والتي صممها مكتب الهندسة المعمارية البريطاني مايكل رايس وشركاه Michael Rice and Company ، بسبعة متاحف أخرى، وبذلك يصل إلى 13 عدد المتاحف المنشأة في مناطق البلاد الـ13.
معرفة أفضل بالمنطقة
يقترح متحف العلا للآثار والتراث الشعبي إعادة تصور متحفية لتاريخ المنطقة، منذ تشكلها الجيولوجي حتى ضمها إلى المملكة العربية السعودية، وهكذا فإن شعوب ما قبل التاريخ، والدادانيين، واللحيانيين، والأنباط، والمسلمين، والعثمانيين والسعوديين الذين سكنوا أو عبروا العلا مسجلون في التاريخ العظيم للمملكة العربية السعودية. تروي القطع الأثرية والأثنوغرافية التي استعملت حتى ثمانينات القرن العشرين ثراء الابتكارات الحرفية والفنية، وكذلك تكيف السكان مع بيئة شمال الحجاز الخاصة منذ آلاف السنين. ستغني المتاحف المخطط لإقامتها في العلا هذه المواضيع وغيرها الكثير.
يعد استيطان جزيرة العرب على مدى آلاف السنين أحد العناصر الرئيسية للإعلام عن إمكانات المملكة العربية السعودية السياحية. تقوم الهيئة السعودية للسياحة والتراث الوطني منذ عام 2008 بوضع تصور للتنمية السياحية المستدامة في جميع أرجاء المملكة (متاحف، فنادق، وسائل نقل، وأنشطة ثقافية ورياضية) يعود بفوائد اجتماعية وثقافية وبيئية واقتصادية على المواطنين السعوديين. من جانبها، تعمل الهيئة الملكية لمحافظة العلا بصورةٍ أساسية من أجل التطوير السريع لهذه المنطقة بالذات. يعد علم الآثار بالنسبة لكلتا الهيئتين المحرك الحاسم الذي يساهم بجذب الزوار والمستثمرين، لا سيما الأجانب منهم، وبإعادة تأكيد الموقع التاريخي والحضاري للمملكة العربية السعودية في العالم. تعتبر هذه المشاريع الحديثة نتيجة منطقية للأعمال العلمية والمتحفية التي تقودها المملكة العربية السعودية منذ ستينات القرن العشرين، مع فارق وحيد وهو أنها تتمتع هذه المرة بتغطية إعلامية غير مسبوقة، خصوصاً على شبكات التواصل الاجتماعي، واضعة المملكة العربية السعودية قطعيّاً في خانة الدول ذات الإمكانات التراثية والسياحية العالية.


*باحثة مشاركة، المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية  في صنعاء

ذو صلة
التعليقات