مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

سوسيولوجيا صناعة النخب الثقافية في الخليج.. مقاربة في السياقات الاجتماعية

لا تذهب هذه المقاربة السوسيولوجية نحو إعادة التنقيب والتفكيك في المفاهيم والمصطلحات والتعريفات المتعلقة بالنخبة، سواء في مفهومها العام أم في خصوصية مفهوم النخبة الثقافية. وذلك لاعتبارين أساسيين يتجسد أولهما في أن هذا السياق أخذ مساحته الوافرة من التفكيك وإعادة التفكير والبناء والصك في أطروحات عديدة، سواء على المستوى الفكري والثقافي والمعرفي العام أم على مستوى المشهد الخليجي. أما الاعتبار الآخر الذي نذهب إليه وندعي حكمه فهو نسبية المفهوم الذي يفرض اشتباكات متقاطعة مع فهم السياقات الثقافية والاجتماعية والمعرفية التي يتشكل فيها، ويكتسب منها خصائصه ووظائفه، ويتطبع فيها بسماته العامة، ويكتسب فيها وظيفته المؤداة سواء الوظيفة السوسيولوجية في عموم أنساقها وتكويناتها أم الوظيفة النسقية التي تتخذ اشتغالات متباينة لهذه النخب على الصعيد الثقافي فيما يتعلق بصناعة الأفكار وتحريك مشهد الثقافة ودفع ميكانزمات الوعي، أو على مستوى المعالجات الاجتماعية التي تتقصى الظواهر والتشكلات الاجتماعية السائدة وتبحث في الواقع الاجتماعي وتستشرف مستقبل تحولات البنى الاجتماعية وعلاقتها بالثقافة ومعالجات التغير الاجتماعي والثقافي في المجتمع.
بالمجمل نحن نذهب هنا إلى ما ذهب إلى ذكره محمد الشيمي في دراسته حول (النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر)، حيث يقول: (يعتبر اصطلاح النخبة أكثر الاصطلاحات تداولاً في التخاطب والكتابة، ليس مع ولوجه دائرة الاستعمال الأكاديمي والعلمي في العقد الثالث من القرن التاسع عشر (1832)، كما قدر ذلك بوتومور في قاموس أكسفورد؛ ولكن منذ نشوء الفلسفة السياسية، وتشكل وعي الظواهر مناط اهتمامها، ففي القديم -وكما سبق الإشارة إليه- يؤكد د.مالكي على أن أفلاطون دافع عن ضرورة أن تقود المجتمع ثلة من النابهين حددها في فئة الفلاسفة). وعليه فإن السؤال الذي نتقصاه في هذا التداخل يذهب في اتجاهين رئيسين:
- الأول: إذا سلمنا بالقياس الأفلاطوني للنخبة بوصفها ثلة من النابهين الذين يقودون المجتمع، رغم أن المقاربة التي يضعها أفلاطون مقاربة سياسية متصلة بالحكم وقيادة المجتمع وتحقيق العدالة في مدينته الفاضلة؛ إلا أن السؤال ينسحب هنا على عموم النخبة، وهو: من يصنع هذه النخب؟ أم هي من تصنع ذاتها؟
- الثاني: يتمحور في سؤال سلطة النخب، ويتجلى في استفهامنا عن أي سلطة تمتلكها النخب الثقافية في سياق حضورها الاجتماعي؟ وما متغيرات القوة والنفوذ في هذه السلطة عبر تحولات المجتمع وتبدلات وعيه ومعارفه؟
تلكما مقاربتان نذهب إلى تحليلهما في هذا التداخل بالإسقاط على المشهد الخليجي الذي نفترض فيه أن النخبة الثقافية بقدر الأطروحات التي أنجزت حولها والتي غالباً ما كانت أطروحات مقتضبة موجهة لمناقشة إسهامات شخوصها؛ إلا أنها لم تنل حقها من الدرس والفهم السوسيولوجي الذي يطرح متواليات من الأسئلة -نحسب أن هذا التداخل يثير أسئلة حول مشهد النخبة الثقافية في الخليج أكثر من كونه يقدم إجابات قطعية إزاءها- ومن بين هذه الأسئلة: كيف تصنع النخب الثقافية في الخليج اجتماعياً؟ (أي ما هي المحكات والمعايير الاجتماعية التي تدفع بالمجتمع إلى وسم النخب الثقافية بسمة النخب؟)، وكيف تتعاطى هذه النخب الثقافية مع قضايا المجتمع وتحولاته؟ وما الأدوات الفكرية والعدد المعرفية التي تستخدمها في هذا التعاطي؟ وكيف تعالج النخب الثقافية أزماتها مع السلطة بمختلف تجلياتها وأشكالها السلطة السياسية والسلطة الاجتماعية.. وغيرها من أشكال السلطات؟ ومن الأسئلة أيضاً: ما مدى الاتصال والانفصال بين النخب الثقافية ومساجلات الفضاء العام؟ وكيف تحدد هذه النخب أولويات قضايا النقاش الاجتماعي وما محكّاتها في فعل ذلك؟ والسؤال الأهم وهو السؤال التأطيري: هل لدينا فعلياً نخبة ثقافية في الخليج قادرة على التأثير الاجتماعي ليس فقط في تحريك الرأي العام وإنما في ممارسة حضورها الوظيفي والمعرفي بالأدوار المتعددة والمتسعة لمفهوم النخبة الثقافية ووظائفها؟
نحن نفترض أن متوالية هذه الأسئلة وغيرها من الاستفهامات السوسيولوجية لم تنل حقها من التحليل والدرس بما يقدم صورة واضحة حول الأوضاع الاجتماعية للنخب الثقافية في الخليج. خصوصاً في ظل سياق مجتمعي تشكل فيه موجات التغير الاجتماعي والاقتصادي مثاراً خصباً للإنتاج والمعالجات والمقاربات الثقافية، ويشكل فيه وعي الأفراد على أنماط الاتصال المختلفة فرصاً سانحة للنخب الثقافية للتدخل في الشأن العام بالنتاج والمراجعات وإعادة الإنتاج للأفكار والمعارف والقيم وأنماط التصورات والرؤى، إذا ما أحسنت هذه النخب امتلاك الأدوات الفكرية والوسائط الاتصالية المناسبة لخلق خطاب ثقافي مجتمعي فاعل، يؤدي بالمجتمع وأفراده إلى رجع الصدى بالتفاعل معه اتساقاً ونقداً وتغذية وإنتاجاً.
وإذا كان عبدالله الغذامي في أطروحته الناجزة (الثقافة التلفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبي)، قد أعلى مجد الثقافات التي تنتج الصورة عبر التلفاز بقوله: (إن الثقافات البشرية كلها تواجه اليوم تحولاً ثقافياً واجتماعياً متسارعاً ومليئاً بالتحديات. وتلعب الصورة المنتجة عن هذه الثقافة أو تلك دوراً مهماً، والثقافة التي تنتج صوراً جديدة هي التي سيكون بمقدورها تحقيق موقع آمن لها. ولا سبيل إلى التفاعل الحي والإيجابي إلا عبر دخول العالم بشروطه ومنطقه الجديد. إذ لم يعد المنطق القديم ولا الأساليب القديمة كافية لتمثيل الذات ولا قادرة على المواجهة. ولم يعد، خاصة منطق التحصن والدفاع عن الهوية؛ كافياً لأداء دور حضاري وتحقيق موقع متقدم في الحضارة. وهذه المواقع لا يمكن الحصول عليها إلا بإنتاج ثقافة جديدة مدعومة بإنتاج معرفي وفكري ينتج صورة قادرة على الخروج ومواجهة العالم). فإن مقاربة الغذامي، وإن كانت متصلة بالثورة التي أحدثتها الصورة التلفزيونية في حضورها وإبرازها للشعبوي على حساب النخبوي وتجسيدها لثقافة المستوى الأدنى داخل السياق الاجتماعي على حساب ثقافات وتصورات وبراديغمات النخب التي كانت تملك زمام الوسائط التعبيرية وتسيطر على منابر الرأي العام ومساحات الفضاء العمومي؛ فإن هذا الأمر ينسحب اليوم بشكل أكبر على عصر (الوجود الافتراضي). حيث يمكننا أن نؤكد أن وجود المجتمعات المعاصرة بتجسداتها الثقافية وبالتخلقات التي تريد خلقها وتصدريها عن ذاتها، وبخطاب دبلوماسيتها السياسية، وبخطابها الاجتماعي العام الذي يعكس القيم المرادة؛ إنما هو مرتهن اليوم بحضورها الافتراضي ووجود سلطتها العابرة للحدود على المنصات الافتراضية. وهذا يعيدنا إلى دور المثقف أو النخبة الثقافية في سياق هذه المعادلة وهو متصل بسياق حديث الغذامي حول مسألة (إنتاج ثقافة جديدة مدعومة بإنتاج معرفي وفكري). وهذه المسألة تدفعنا للقول إن الأفراد في المجتمعات الخليجية، وإن كانوا قد تمكنوا من خلق حضورهم الافتراضي وتشكيل مجتمعات افتراضية لها سمات الحضور والتمثل والتأثير والتواصل واللاحدود؛ إلا أن هذا الحضور لا يزال غير متأسس على ثقافة مدعومة بمقومات معرفية وفكرية تستطيع أن تثبت أركان هذا الحضور وتجسد فاعليته وتأثيره خارج سياقه. فنحن موجودون للتواصل ولكن لسنا قادرين على التلاقح الثقافي أو على تصدير منتجات ثقافية عابرة للحدود وعابرة للزمن معبرة عن الطبيعة الثقافية للمنطقة ومنطلقة من تجسداتها وتشكلاتها الثقافية والمعرفية ومن طبيعة هويتها المعرفية والثقافية، وهذا ما يشكل الجدلية الثنائية حول (الثقافي- التفاهي) التي تحدث عنها الغذامي أيضاً في ذات أطروحته والتي تمايز بين النخب القادرة على امتلاك لغة ووسائط التعبير وأدوات الإفصاح، وبالتالي فإن الثقافة ظلت تتمحور حول هذه النخب التي تفرز ذاتها عبر تميزها سياسياً أو اجتماعياً أو علمياً وبين جماهير لا تمتلك هذه الأدوات أو الوسائط وبالتالي ظلت في حساب الملتقي الذي توصف ثقافته بالهامشي أو التفاهي. ومع دخول عصر فضاءات التواصل الاجتماعي لا زال قطاع كبير من النخب الثقافية التقليدية تنظر للمسألة بذات الصورة، واسمةً خطاب التواصل الاجتماعي الميديائي وما يتأسس عليه من مفردات ثقافية ومعطيات في التفكير والرؤية؛ بأنه خطاب تفاهي سطحي. ومعتدة بخطابها التقليدي الذي أخذ يشق طريقه نحو التلاشي والنضوب وضعف القدرة على التأثير والفاعلية في محيطه الشعبي والاجتماعي. وهذا يقودنا إلى التفكير في إجابة مقاربتنا الأولى حول من يصنع النخب الثقافية اليوم؟ وكيف تعيد النخب الثقافية التقليدية تخليق ذاتها في المشهد الثقافي الراهن بمتغيراته ومعطياته وتحولاته التقانية والأداتية والمعرفية؟
الواقع أن أولى مقتضيات إجابة التساؤل هي في توسيع منظورنا لأدوار النخب الثقافية، أو إذا شئنا أدوار المثقف على وجه التحديد. إنني هنا أنشد مقاربة المفكر اللبناني علي حرب التي طرحها حول (أوهام النخبة أو نقد المثقف)، وهي التي حاول فيها مقاربة دور وظائفي للمثقف في عالم يشهد (انهيار القيم والنظم وانكسار نماذج التفكير والعمل). حيث يذكر علي حرب بالقول: (إن المثقف فقد فاعليته لأنه لم يعمل بخصوصيته. وأعني بالخصوصية، هنا، اضطلاع المثقف بدوره الخلاق في إنتاج الفكر وصناعة المعرفة. فهذا هو رهانه: خلق واقع فكري جديد، بإنتاج أفكار جديدة، أو بتغيير نماذج التفكير، أو بابتكار ممارسات فكرية جديدة، أو بإعادة ابتكار الأفكار القديمة على أرض الممارسة وفي أتون التجربة). وإن كانت المقاربة التي يقدمها حرب هنا مقاربة عربية في مشهد الثقافة العربية وإسهامات وأدوار مثقفيها المرتجاة فإن الأمر أيضاً ينسحب على المشهد الخليجي ويتطابق أيضاً في توصيف علة المثقف أو أزمته بذات السياق وهي في (الترويج والاستهلاك للمقولات والدعوة إلى التبني والتطبيق، دون الخلق والتوليد). إن أزمة النخبة الثقافية في الخليج هي في خطوط الاتصال والانفصال التي تعيشها مع مجتمعاتها وفي غياب الخط الواصل في الفهم والتفهم والخطاب بين ما يطرحه المثقف الخليجي كمعالجات محمولة في خطاب ثقافي وبين ما يريد الفضاء العام في الخليج من المثقف أن يقوم به من مهام أو ينتهجه من مسارات في المعالجات الثقافية أو يمتلكه من أدوات في سبيل الطرح الثقافي أو يباشره من صدامات وتصادمات مع السلطات المختلفة في سياقات المجتمعات الخليجية. إضافة إلى أن جزء من الأزمة أن هذه النخب الثقافية لم تستطع إلى اليوم خلق حضور فاعل لها في وسط العالم الجديد. العالم الذي تحركه منصات التواصل الاجتماعي وتتأسس على ضوئه أنساق الخطاب الاجتماعية السريعة والمتفاعلة في التعاطي مع القضايا ومعالجتها وتغيير نماذج التفكير إزاءها وإكساب المجتمع الافتراضي أدوات رؤية ومناظير جديدة في تعاطيه مع قضاياه الوجودية وقضاياه الاجتماعية. إننا أحوج ما نكون اليوم إلى نخبة ثقافية تأسس المعطى الفكري والمعرفي الواضح لمجتمعاتنا والذي يمكن على ضوئه تأكيد حضورنا في مشهد الثقافة العالمية بالتأثير والتغذية والإكساب والإمداد والتلاقح. فبدون هذا المعطى الراسخ لا يمكن أن نوجد لأنفسنا هوية افتراضية مؤثرة ووجود فاعل في مشهد الثقافات العالمية عموماً.
إذن نخلص في خاتمة هذا التداخل إلى التطرق إلى بعض الرهانات الماثلة أمام النخبة الثقافية في الخليج اليوم والتي تستطيع من خلالها إعادة الاعتبار لذاتها وتشكيل سلطتها الثقافية في مشهد الثقافة والمجتمع في الخليج. وأولى هذه الاعتبارات يتمثل في تجديد عدتها الفكرية أي تجديد الأدوات والوسائل وطرق المعالجة وزوايا النظر إلى القضايا والتحولات والظواهر والتأشكلات الماثلة في المجتمعات الخليجية على كافة الأصعدة. وثاني هذه الاعتبارات هي مسألة الخروج من ثنائية (الثقافي والتفاهي) بعدم ادعاء اليقينيات إزاء ما يطرح المثقف الخليجي ثقافياً، وأنه المالك الأوحد للحقيقة المطلقة والفهم المتوسع والرؤية الأدق في معالجة القضايا والنظر إلى المشكلات أو استشراف المستقبل في شأن التحديات ومسار السياقات. والاعتبار الثالث هو الاعتبار بأن يستشعر المثقف الخليجي أنه جزء من التكوين المجتمعي والثقافي للمجتمع لا كائن منعزل عنه يمارس سلطته الثقافية والاستبداد الفكري إزاءه أو الإقصاء الثقافي والمعرفي في معالجة قضاياه وتكويناته الثقافية الصغرى. وإنما يحاول عبر نتاجه خلق حوار ثقافي فاعل يستوعب كل المستويات الثقافية ويتخاطب مع كل الانتماءات والشرائح والفئات. ومن الاعتبارات الأساسية كذلك أن تتجاوز النخب الثقافية في الخليج حصر ذاتها في سجن الثنائيات التقليدية (المثقف والسلطة). (الثقافة والسياسة). (النتاج والرقيب)..إلخ من الثنائيات التي كبلت ووجهت الكثير من النتاج الثقافي ومن المعالجات الثقافية ووجهتها في اتجاهات أيديولوجية تكرر ذاتها وتكرر مقولاتها دون فاعلية حقيقية لوجودها وتأثيرها الاجتماعي والمعرفي. ومن الرهانات أيضاً أن تتخلى النخب الثقافية في الخليج عن أبراجها التقليدية العاجية وتستثمر في مكونات الاتصال الحديثة لاستنبات الأفكار وخلق الحوار وتوليد المعارف وجس نبض قضايا المجتمع وتأسيس خطاب فاعل متفاعل مع الحياة المعاشة لا منفصل عنها ومغرداً في إطارات طوباوية بعيدة عن تفاصيلها. تلك خطوط عريضة تحتمل في تقديرنا الكثير من التفصيلات مما لا يتسع السياق لتفصيله في شأن وجود النخبة الثقافية في الخليج في لحظة تاريخية هي لحظة الخليج بمتغيراته وتحولاته وبمحاولاته ليكون محوراً مركزياً في العالم على مستوى السياسة والاقتصاد. وعليه فإن الثقافة أساس لا يمكن التخلي عنه في هذا الطريق، وداعم فاعل للمحورين السابقين ومؤسس لحضورها بشكل أقوى وأكثر عمقاً وثباتاً.

ذو صلة
التعليقات