مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الحراك الثقافي في ظل التجديد

 كان لإرهاصات النهضة الثقافية في المملكة بوادر واعدة حتى أواخر السبعينات الميلادية من القرن الماضي، عندما بدأت تتراجع بشكل ملحوظ متأثرة بالتحولات الأيديولوجية التي حلت تزامناً مع الثورة الخمينية أو بعدها بقليل، حين تمدد ما سمي بالصحوة الإسلامية كحركة أصولية براغماتية لها أهدافها ومبتغياتها يتقدمها إلغاء أي ثقافة تنافسها أو تحفز الوعي الجماهيري بقبولها أو رفضها -أي الصحوة. فباتت الحركة الثقافية رهينة حرب تيارات استنزفت أهدافها السامية فانزلق بعض روادها من مثقفين ومفكرين وأدباء في هذه الحروب، بينما تنازل البعض الآخر عن إرثه الثقافي إما استسلاماً أو مغازلةً للتيار الأقوى والأكثر تأثيراً حينها وهو التيار الأصولي (الصحوة)، مما استغلق تكوين حركة ثقافية فاعلة ومنسجمة مع المجتمع آنذاك.
لا شك أن (الدور السياسي) هو الحاسم الفاعل لحركة التجديد والتحولات التي نمر بها الآن، مما يجعلني أثق تماماً بأن مجتمعنا وبحكم سنوات من التعبئة والتجييش ضد أي تغيير لم يكن من السهل عليه تقبل (خصمه) التاريخي وعلى مدى عقود -وأعني المثقف- في نقله من التشدد إلى الانفتاح الفكري وهو الخصم الذي طالما تم تشويهه من أقطاب نافذة في هذا التيار أو مريديهم وأتباعهم، وهنا لنا وقفة مع هذا التشويه الذي تجاوز المنابر والكاسيت والمطويات إلى الإيذاء الفعلي كسحب شهادة الدكتوراه من أحد الأكاديميين بسبب خطه الحداثي الذي يخالف خط الصحوة ويربكها، أو تأليف الكتب التي تشوه الحداثة من نقد أو شعر وأدب، كل ذلك بقصد التعبئة ضد أي حراك يعرقل هذه الأيديولوجيا، فجاء القرار السياسي بما يحمله من (صدمات) على مستويات عدة سواء ثقافية أم اجتماعية أو اقتصادية، جاء ليختصر علينا الطريق كثيراً، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل دور بعض المثقفين المحوري من كتاب ومفكرين وما واجهوه من رفض وإقصاء، وجهودهم إزاء كل ذلك من تفكيك التكلس وتذويب الجمود الفكري، وقد كان دورهم رائداً في الإعداد لهذه التحولات -وإن رفضها البعض- فتوقع الشيء خير من مباغتته، ففي نهاية المطاف لن نجد بداً من التحول لمواكبة الحاضر وولوج المستقبل بكل ثقة، كما لا ننكر أيضاً أنها قد ظهرت محاولات (شجاعة) سواء من كتاب صحف أو من مثقفي برامج التواصل الاجتماعي هدفها نشر الوعي والتنوير والتمهيد لهذه المرحلة غير عابئة بكل ما يواجهها من تشويه وعراقيل فأثبتوا صمودهم حتى يومنا هذا.
الدور الذي يضطلع به المثقف في المرحلة القادمة دور كبير وفاعل في خلق قاعدة شعبية واجتماعية لهذه التحولات وعرابها سمو ولي العهد، وتبديد ما يسود الفضاء الاجتماعي والثقافي من ضبابية الأيديولوجيات ومعتركاتها التي تجافي السلم وتنزع إلى صراع التيارات متى سنحت الفرصة، كذلك يكمن دوره في تهيئة البيئة للمتغيرات المصاحبة للرؤية المنبثقة من الإصرار والسباق نحو المستقبل كي تعطيها الزخم الملائم للاستمرار في التجديد والتغيير والانطلاق دون معوقات، فالفضاءات المناسبة للحضور الثقافي مفتوحة ومتاحة أكثر من ذي قبل وبدعم لافت من الدولة ووزارة الثقافة.

ذو صلة
التعليقات