مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

الشائعات وبناء النجومية

مما لا شك فيه، أن الشائعات انتشرت وتنتشر في كل مكان وزمان، بغض النظر عن البيئة التي تحكم حياتنا الاجتماعية، وتعد من أقدم الوسائل الإعلامية في التاريخ، إذ قبل اعتماد الكتابة، كانت المشافهة هي قناة التواصل الوحيدة في المجتمعات، وكانت الشائعة وسيلة لنقل الأخبار وبناء السمعة أو تقويضها، بل تأجيج الفتن أو الحروب. وفي نظرنا المتواضع، نجد أنه قلما تثار هذه القضية، واعتباراً لذلك سوف نتوقف مع جزئية خاصة هي (الشائعات وبناء النجومية)، منطلقين من رؤية الخبير جان-نويل كابفيرير.
يؤكد جان نويل في البداية على أنه لا وجود للنجم من دون شائعات، ومعروف أن للنجم جمهوره من المعجبين الذي يبجلونه ويعشقونه. ويبقى النجم أهم الأشخاص لهذا الجمهور الذي يجد نفسه متورطاً تورطاً كاملاً في حياة النجم. أضف أن المعجبين لا يحيون إلا بالتماهي مع نجمهم المفضل، فهم (يرون في هذا النجم القدوة ومصدر الهيئة. لكن النجم يبقى بعيد المنال، إذ لا يمكن الاقتراب من الشخصية المقدسة. وعليه، يستوفي النجم الشرطين الأساسيين لتكاثر الشائعات. ويتمثل هذان الشرطان بأهمية النجم البالغة والغموض الذي يحيط به).
ونقلا عن B.Shaw حسب ما ذكر جان نويل أن الإنسان البدائي كان يعبد أصناماً من الخشب والحجارة، في حين أن الإنسان المتحضر يهيم بمعبود من لحم ودم. وغني عن القول أن المعجب الذي يعبد النجم يرغب في أن يذوب فيه ويمتلكه ويستحوذ عليه جسداً وفكراً. فالنجم إذن هو محور هويته والهواء الذي يستنشقه وروحه. وهنا يرى جان نويل بأن الرغبة في امتلاك النجم تبقى مكبوتة لأنه يفترض بالنجم أن يكون صعب المنال وبعيداً من متناول البشر. وإذ ذاك، لا بد من إيجاد بدائل من هذا الامتلاك المستحيل بغية الحفاظ على المعجبين المتيّمين. فيبدو إذن (أن الشائعة هي أحد هذه البدائل، ومثلها تعقب الآثار المادية لمرور النجم في مكان ما. فالمعجب يرغب في امتلاك جزء من النجم لعجزه عن الحصول عليه كاملاً).
ومن النقط المهمة فيما يخص النجومية يذكر جان نويل أن النجم لا يملك جمهوره، بل العكس هو الصحيح، فللنجم واجبات تجاه الجمهور، وهذا ما يعني أن الحفاظ على النجومية وظيفة يومية يضطلع بها هذا النجم. أضف أن الجمهور، وتحديداً المعجبين، أي القسم الأكثر تنظيماً وتورطاً، يرغب في مكافأة ما مقابل هيامه بالنجم، واللافت أن المعجب يعتقد بأن له حقوقاً على النجم، وبما أنه يمثل النخبة، يرغب في أن يخصه بمعاملة مميزة. يقول جان نويل: (معلوم أن حياة النجم ملك للعامة. وكثيراً ما يتعمد الملحقون الصحافيون أو مديرو أعمال النجوم الكشف عن بعض جوانب حياتهم الخاصة في الوقت الملائم. ويُضاف إلى هؤلاء مصورو المشاهير الذين يتربصون بالنجوم ويباغتونهم في حياتهم الخاصة. لكن النتيجة هي نفسها في كلتا الحالتين. فالكل يريد إشباع الحاجة بسبر أغوار النجم واكتشاف خفايا حياته).
وهنا تتجلى الشائعة تحديداً، فالحفاظ على النجومية يفترض إدارة الأسرار والتحكم بالتسريبات وفرز ما يمكن البوح به. أما الشفافية، فتقتل النجم لأنه ليس صديقاً، تماماً كما يضعفه السر المطلق إذ يجعل الجمهور والمعجبين ينصرفون عنه بسبب غياب أي معلومات تشبع فضولهم. في المقابل، تضمن الجرعة الصحيحة من الغموض استمرار إيمان المعجبين بنجمهم. فالمعجب يرغب في التعويض عن حبه المستحيل بامتلاك معلومات حصرية تشكل نافذته على الحياة الخاصة للمعبود. والواضح أن هذه الملكية الوهمية هي بديلة على الملكية المستحيلة. وهنا يعلق جان نويل بالقول: (غني عن القول إن النجم الرجل حبيب وبطل من الأبطال في الحين نفسه).
صلة بما سلف، يرى جان نويل أن النجم يربطه عقد ضمني بجمهوره، ويُفترض بالنجم أن يُجسد طوال حياته الأسطورة التي جعلته نجماً.
والواقع أن النجومية ليست وليدة المصادفة، فالنجومية تعكس تلاقي الجسد مع شخصية يتوقعها الجمهور في مرحلة معينة. يقول جان نويل: (لا بد من الإشارة إلى أن النجم يولد من الحاجة إليه. ففي وقت من الأوقات، تتجلى حاجة قسم من الجمهور إلى معبود مثالي يمتلك مزايا محددة. وخلاصة القول إن النجم يسقط شخصه المادي المقدس على الدور الذي يتوقع الجمهور أن يضطلع به هذا النجم). هكذا إذن ما إن يكتمل الانصهار بين الشخص المادي والشخصية حتى يتربع النجم على عرش النجومية. وينبغي له إذ ذاك أن يحافظ على مكانته كي لا يشعر الجمهور بأنه يتعرض للخداع. فالجمهور لم يختر النجم لشخصه وإنما لوظيفته لنفسه.
هكذا نقول أخيراً، إننا لا ندعي أننا قد أحطنا بما يكفي بموضوع الشائعات، وإنما سلطنا الضوء على جزئية واحدة تلك المتصلة بالنجومية، ومن هنا نكون على الأقل قد تأكدنا أن القول بأن الشائعة مجرد ظاهرة غامضة هو قول مرفوض ومردود على أصحابه، وتبقى الشائعة إذن بحاجة إلى التفكيك لارتباطاتها بكثير من المجالات كالسياسة والفن.. وغيرهما.


ذو صلة
التعليقات