مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

قراءة في أطروحات معاصرة.. إلى أين يقود العلم الإنسان؟

(اللعبة الأوروبية قد انتهت، ابحثوا عن شيء آخر) le jeu européens est terminé cherchant autre chose، بهذه العبارة الجميلة سيكتب لصاحب كتاب (معذبو الأرض) الطبيب الفرنسي فرانز فانون الخلود ضمن خارطة الفكر الإنساني، كمُفكر استثنائي بكل المقاييس، تمرد في لحظة انتشاء الغرب بفضائله العلمية على مقاسات الإثنومركزية الغربية، لسوف يُدرج ضمن مصنف ما بعد الكولونيالية Post- colonialisme، مُصنف يبتغي إعادة تشكيل الذات الوجدانية والحضارية المتهشمة لدول العالم الثالث تحت قفاز العلم والحداثة والأنوار، إلى جانب هومي بابا وديبيش شاكرابارتي وألبير ميمي وليوبولد سيدار سانغور وآخرين.
طيب، عن أية لعبة نتحدث؟ ببساطة: اللعبة التي يعنيها صاحب (بشرة سوداء أقنعة بيضاء) ههنا لعبة الرسالة الحضارية التي نقلها الغرب نحو المجتمعات المتوحشة بتوصيف الأنثروبولوجيا الوظيفية، لعبة القوة الناعمة Seft power التي يمررها العلم باسم التقدم والحداثة، لعبة جعل العلم في خدمة الاستقواء، لعبة تدمير ما تبقى من مخزون الأخلاق البشري.
 من يقرأ حاضر هذا العالم، بقليل من نباهة عقل ورجاحة فكر؛ لا ينفك يصدح مذكراً بجنون العقل ومكر التقنية والعلم. فثمة أشياء تتغول في غفلة عن الجميع، في غفلة عن الصورة، عن العقل. مهمة المثقف صارت أكثر تعقيداً، إلى من نستكين: هل إلى حريرية التقنية أم إلى نقد العقل؟ سؤال سيظل حارقاً كلما فكر الإنسان في مستقبله، واصطف مدافعاً عن قضايا الإنسانية في عالم متموج من كل براديغمات التفسير العقلي.
 لا وجود لعلم أو بحث علمي موضوعي، محايد، صافٍ.. العلم لا يهدف إلى (فهم) العالم.. العلم يهدف إلى التحكم في العالم.. وضعه تحت المراقبة.. المراقبة اللصيقة.. فرضيتنا أن العلم هو إستراتيجياً التحكم/إلقاء القبضة capture الجديدة على الحي.. العلم يكمل حلم الميتافيزيقا الغربية.. أفلاطون هو أول من منح الفكر مهمة فهم/الاستحواذ على العالم.. وأرسطو فهم جيداً الرغبة الأفلاطونية.. يجب قراءة المنطق الأرسطي باعتباره أداة أريد لها أن تكون (صارمة) للتحكم/ابتلاع العالم داخل الفهم.. آخرون ساروا في نفس التيار.. اللحظات الكبرى: ديكارت، هيغل، ماركس، فرويد.. لا يجب ترك العالم/الطبيعة لحاله، خارج الرؤية، لا معنى للعالم إلا وهو تحت قبضتنا، تحت قبضة مقولاتنا.
نعيش الآن نفس المناخ الأفلاطوني/الديكارتي/الهيغلي.. نفس المناخ الميتافيزيقي.. الأدوات فقط هي التي تختلف.. الأدوات الآن هي أشد علمية، أشد شراسة.. أدوات الرأسمالية -الاسم الجديد للميتافيزيقا- هي العلوم الدقيقة.. لا شيء مثلاً في الجسد يجب أن يترك لإرادة الجسد، لا شيء في الجسد يجب أن يترك خارج الرؤية، خارج (الفهم)، أي في النهاية خارج التحكم/التسخير.. من هنا الثورات الجينية، التي حولت أو حاولت أن تحول الجسد إلى سطح مطلق، إلى سطح بلا عمق، أو قل بعمق هو السطح نفسه، حيث كل شيء يجب أن يكون قابلاً للموضعة، للرؤية، للمراقبة، تحت اليد.. الرأسمالية -البنت البارة للميتافيزيقا- تهاب بشدة من البنيات/التشكيلات (الغابرة)، تهاب أن تبقى الأشياء متوارية في أعماق منفلتة للرؤية، للفهم، للتحكم.. وإذا كانت الرأسمالية أنطولوجياً هي إرادة قوة، فإنها أبستمولوجياً سياسة لاجتثاث السلبي la négativité، الغامض، الهارب، الليلي، المفتوح، المستقل.. كل شيء يجب أن يكون (إيجابياً)، واضحاً، نهارياً، مُموضعاً في خانات علمية، جينية، رقمية، فيزيائية.. هذا هو إرهاب الرأسمالية كميتافيزيقا متقدمة.
 نحن نعيش إذن عصر انتصار بروميطي Prométhée على إبيميطي Epiméthée.. انتصار إنسان القوة على إنسان الضعف.. إنسان التحكم/التقدم على إنسان التروي/التواري.. إنسان الرغبة/الافتراس على إنسان الصمت/الحكمة.. إنسان لم يقبل أبداً التراجع أمام العالم على إنسان لم يرغب أبداً المساس بـ(منطق) العالم، بحق العالم في أن يكون (هو)، خارج رؤيتنا/استعمالنا له.. العلم الحالي هو علم بروميطي: لا يجب أن نتوقف عن حمل الصخرة حتى نهزمها.
 بهذا المعنى، العلم الحالي ممارسة لم تعد تستمد قيمتها من ذاتها، من حركة داخلية، من منطق ذاتي، منطق بحث/تراكم/نفي/تقدم داخلي، العلم الحالي يستمد قيمته من التحامه بالرأسمالية، من تحوله إلى واحد من أنياب الرأسمالية.. إن هذا في رأينا واحد من أكبر تحولات عصرنا التي يجب أن ننتبه إليها بدقة
(القتلة الاقتصاديون): استعمال العلم الاقتصادي في القتل الاقتصادي للشعوب.
 عندما أصدر جون بركنس John Perkins كتابه (اعترافات قاتل اقتصادي) confessions d’un assassin économique سنة 2004 لم يكن ربما يخطر بباله أنه كان يلقي بقنبلة حقيقية في وجه العصابات التي تحكم عالمنا.
جاء الكتاب في سياقات تاريخية خطرة.. نحن نعرف أن الرأسمالية طورت في القرن الأخير طريقتين في التحكم/السطو على العالم: الاحتلال المباشر/غير المباشر (الغزو/ وضع أحد عملائها على رأس البلاد المرغوب فيها)، أو -في حالة وجود مقاومة/مناعة قوية- (تقنية) تحويل الشعب الحذر إلى سوق استهلاكية واسعة مرهونة لعروضها، لمنتوجاتها.. يلجأ لصوص الرأسمالية هنا إلى آلية بقوة ضغط عالية: إغراق البلاد الممانعة بما لا نهاية له من البضائع وبأثمان رخيصة حتى يستأنس الناس بحضورها، ويربطون بالتالي تدريجياً وجودهم حتى لا أقول سعادتهم بوجودها.. ونحن نعلم أنه عندما تربط أمة ما بمنتجات السوق -والتي بالمناسبة تكون في غالبيتها الساحقة تافهة وزائدة ومخربة للصحة البشرية وللكوكب؛ فإنك تكون قد دمرت كل آليات المقاومة لديها.. قد نجحت في إخضاعها بالضربة القاضية. أهمية كتاب جون بركنس أنه يكشف عن آلية تحكم/نهب/تخريب أخرى، تقنية لم يسبقه أحد إلى كشفها: القتل المالي/الاقتصادي.
هكذا يعرف بركنس القاتل الاقتصادي:
...القتلة الاقتصاديون هم ناس محترفون يتلقون أجوراً ضخمة مقابل السطو على مليارات الدولارات في ملك شعوب من مختلف مناطق الكوكب... تتمثل مهمتهم الرئيسة في توجيه أموال البنك العالمي والوكالة الأمريكية للتعاون الدولي ومنظمات أخرى نحو صناديق الشركات الكبرى، وجيوب بعض العائلات شديدة الغنى التي تتحكم في الموارد الطبيعية للكوكب... أما أسلحتهم الرئيسة فهي: العلاقات المالية المشبوهة، الانتخابات المزورة، الرشاوى، الابتزاز، الجنس والقتل... إنهم يلعبون لعبة قديمة قدم العالم، لكنها لعبة أخذت أبعاداً رهيبة في عصر العولمة هذا.
(...إنني أعرف عما أتحدث...فأنا نفسي كنت قاتلاً اقتصادياً) الاعترافات، المقدمة)
 يشرح بركنس كيف أن أمريكا المنتشية بانتصارها الكبير في الحرب الدولية الثانية طورت خطة حقيقية لبناء إمبراطورية شاملة، خطة حدد معالمها الكبرى الرئيسان نكسون وجونسون مع مطلع السبعينات، وضمن إستراتيجية عامة لإلقاء القبض على العالم la capture du monde سوف يشكل نكسون وجونسون كتيبة من المستشارين لهذه المهمة: استعمال المنظمات المالية الدولية لخلق الشروط الكفيلة بإخضاع الدول من خلال إغراقها بالديون الاقتصادية، تمثلت الخطة في تبرير وإقناع الدول بأخذ قروض ضخمة لدعم سياسات تطوير البنية التحتية لهذه الدول تحت ذريعة أن تطوير البنية التحتية هو (الطريق المَلكية لتطوير الناتج الوطني الخام، وبالتالي القفز بالبلاد نحو حالة اقتصادية أخرى)، وبما أن القروض التي يتم/تم أخذها غالباً ما يتم/تم تضخيمها من طرف المستشارين، فإن الغالبية الساحقة للدول المقترضة لم تكن لتستطيع الالتزام بأدائها مما كان يوقعها في ورطة أمام دائنيها، وما إن كانت الدولة تقع في الفخ، حتى يتدخل القاتل الاقتصادي، وهذه المرة من أجل توجيه الضربة القاضية، من أجل دفع السيف إلى عمق الكبد، يأتي القاتل الاقتصادي ويقترح على الدولة العاجزة أن تمنح للدولة المقرضة قواعد عسكرية، أو أن تمكنها من الولوج المباشر إلى مواردها الطبيعية وخصوصاً البترولية منها، يسمي بركنس هذه الوسائل (طرقاً مافيوزية).
 للإيقاع بالدول ودفعها لتتخذ القرار بالاقتراض، يتم اللجوء إلى خدعة اقتصادية محبوكة جيداً، يروج القتلة الاقتصاديون -بفضل (خبراء) يتم شراؤهم لإنتاج أطروحات تحت الطلب- لنظرية كون الاقتراض/الاستثمار في البنى التحتية سيؤدي آلياً إلى الرفع من الناتج الخام، يتم هنا توظيف نظرية شهيرة معروفة باسم (منهج ماركوف للنمذجة الأيكونومترية Modélisation économétrique)، التي طورها -تحت رعاية بركنس نفسه- رياضي من معهد ماساشوست للتكنولوجيا يدعى نادبرام براساد، بهدف التنبؤ بتأثير الاستثمار في البنية التحتية على الناتج الخام، وعلى النمو الاقتصادي عموماً، إن ميزة الإقناع بالتحليلات/النمذجات الأيكونومترية، يقول بركنس في الاعترافات (...إن وحده إيكونومترياً محترفاً يتوافر على كامل الوقت بإمكانه الكشف عن الخدعة).
 يتجه بركنس إلى جذر الشر ويفضح الطبيعة المخادعة للناتج الخام، الناتج الخام يمكنه أن ينمو بقوة حتى وإن لم يخدم إلا شخصاً أو فئة قليلة، يمكنه أن يكبر، وبقوة أيضاً، حتى وإن استمر الأغنياء في الاغتناء والفقراء في الصعود إلى الهاوية، يمكنه أن ينمو بشدة حتى وإن حرمت الديون الضعفاء من الخدمات الأساسية: التعليم، الصحة، الثقافة لعقود طويلة.
 في البداية إذن يتم تحديد بلد بموارد طبيعية هائلة تكون الشركات الأمريكية في حاجة إليها، يتم ترتيب بعد ذلك قرض من البنك الدولي أو من أية منظمة حليفة، إلا أن المال، يوضح بركنس في تفصيل مفزع جداً، لا يذهب أبداً إلى البلد المقترض، بل إلى الشركات الأمريكية التي تربح صفقات تجهيز البنيات التحتية، مما يعني أن المال لا يعود بالنفع إلا على فئة قليلة من الأغنياء ولا تستفيد منه أبداً الدولة/الأمة المقترضة، وفي النهاية يترك البلد أمام قروض هائلة من المستحيل سدادها، إن عمل القاتل الاقتصادي مثلما ذكرت يبدأ تدقيقاً هنا، مع وقوع البلد في الهاوية، يأتي الخبير/القاتل إلى حكام البلد ويطرح عليهم الحل: (أنتم لا تستطيعون تسديد الديون، طيب، أعطونا شيئاً بديلاً عن المال، قوموا ببيع نفطكم بسعر رخيص لشركاتنا النفطية، صوتوا معنا في الأمم المتحدة خلال انعقاد مجلس الأمن المقبل، اسمحوا لنا ببناء قاعدة عسكرية ببلدكم، أو أي شيء من هذا القبيل).. هذه هي جملة/لازمة القتلة الاقتصاديين في كل مرة كانوا يخططون فيها للقبض على شعب ما، أما إذا فشل القاتل الاقتصادي، يقول بركنس، يدخل الضباع les chacals على الخط لاغتيال من يقف أمام تنفيذ الخطط الإمبريالية: أما إذا فشل الضباع، فيتم إرسال الجيش كما حصل في العراق تحت ذرائع شتى يتم فذلكتها جيداً استناداً إلى التقنيات الشهيرة للتلاعب الإعلامي الأمريكي.
لا يتردد بركنس في رصد ما يعتبره أهم تحولات عالمنا، يشير بركنس إلى أن الغرب وعلى رأسه أمريكا طور شكلاً جديداً للرأسمالية، سماه بالشكل الفيروسي للرأسمالية le capitalisme viral، parasitaire، وهو شكل متقدم جداً من الرأسمالية المفترسة، بالنسبة للرأسمالية لا مجال لأي شيء يبقى خارجاً، خارج فهمها/رؤيتها/أنيابها، لقد انتفخ الرأسماليون حد أنهم بدؤوا يلعبون دور الإله في الديانات السماوية: إذ أصبحوا هم من يقرر من سوف يطحن بين الأنياب الحادة ومن سوف يتم إبقاؤه حياً حتى ابتلاع آخر.
***
 المضاربة الغذائية: استعمال العلم الرياضي/المالي العالي la haute finance في تجويع الشعوب:
 تشكل التغذية حسب منظمة التغذية العالمية FAO حوالي 10 إلى 20 في المئة من المصاريف في الدول الصناعية، وما يقارب 60 في المئة في دول الجنوب، مافيات المضاربة واعية جداً بهذا المعطى، لهذا بدأت تصوب في السنوات الأخيرة مدفعيتها نحو الغذاء، والنتيجة الأولى المعروفة لحد الساعة: الارتفاع المهول في أسعار سلة الحبوب لسنوات 2008 - 2010، الارتفاع الذي خلف ما لا يعد ولا يحصى من الضحايا في مجموع دول أصلاً تعاني تورمات كبرى.
 السؤال هو: ما الذي يفسر هذه الارتفاعات غير المسبوقة؟ هناك التفسيرات (الاقتصادية) المتعلقة بنظرية العرض/الطلب.. يتعلق الأمر بارتفاع السكان في العالم الذي ينتج ارتفاعاً عادياً في الطلب، هناك ارتفاع آخر في الاستثمار في الزراعة الموجهة نحو الطاقة (agro carburants) من مثل الصوجا والذرة.. في البلدان الغنية ونقص الاستثمار الزراعي في البلدان الفقيرة، إلى هذه العوامل البنيوية تنضاف عوامل استثنائية: ارتفاع أثمان البترول بفعل أساساً النزاعات/التوترات الجيوسياسية؛ فتكون النتيجة ارتفاع ثمن الأسمدة، البترول من أجل الآلات الزراعية، النقل.. سنوات عجاف بفعل تغيرات مناخية تعمقها تدابير/ردود حمائية (تقييدات/منع للاستيراد/التصدير)، لا يجب أن ننسى أيضاً عاملاً آخر، العامل الأهم: أن المواد الغذائية هي مواد ذات أولوية مطلقة ويجب التوافر عليها بأي ثمن.
 هذا ما يقوله الاقتصاد (العقلاني).. لكن العالم لا تدبره فقط الحسابات/الإرادات العقلانية، الإنسانية، لا يدبره فاعلون بإرادات طيبة، إلى جانب العوامل السابقة يفعل عامل آخر، هو عامل المضاربة/الرغبة المرضية في السرقة الموصوفة للبشرية، بأن الاقتصاد العالمي، وليس فقط الاقتصاد الزراعي، من الممكن جداً أن يقع تحت دائرة تهديد هذا العامل، ولمعرفة ما تعنيه المضاربة لا بد من التوقف أولاً عند مبدأ الأسواق قصيرة الأمد à terme:
 عندما يبدأ فلاح في زراعة منتوج، فإنه يعلم أنه لن يبيعه قبل أشهر أو سنوات، لذلك يتخوف من هبوط محتمل في أسعار المنتوج، وعلى العكس فالصناعي الذي يحتاج إلى المواد الأولية، فإن أكثر ما يخوفه هو ارتفاع الأسعار، في كلتا الحالتين، نقول إن هناك (خطر risque أثمان)، وبما أن شركات التأمين ترفض تحمل هذا الخطر تم خلق الأسواق المؤجلة à terme، بماذا يتعلق الأمر؟ لنأخذ مثالاً من بورصة شيكاغو، وهي الأولى عالمياً في هذا المجال، عندما يتم إبرام عقد قصير الأمد à terme (أو مستقبلي) بين بائع ومشترٍ فهذا يفرض أن (يثبت ثمن المنتوج من أجل توصيل سيتم غدا) (في تاريخ ومكان محددين). نقول إن البائع يحوز على (موقع قصير) فيما يحوز المشتري على (موقع طويل). وعند نهاية الاتفاق، لا بد من (تصفية) هذين الموقعين بإحدى الطريقتين التاليتين: إما عبر التوصيل/الاستلام المادي للسلعة، وإما (وهذا ما يحدث في الغالب) عبر تحقيق تعاقد تعويضي يسمى تعاقد إنهاء العملية (حيث يتحول المشتري بائعاً والعكس صحيح). لنشر إلى أن البورصة تفرض أيضاً أن يؤدي المسجلون ضماناً (هامشاً) أو الأحرى (نداء هامش appel de marge)، حيث يؤدي هذا الأخير وظيفة مخاطرة تقلب الأسعار)، والمضاربة هنا؟ وعلى العكس من المشترين والبائعين التقليديين، فإن المضاربين لا يكونون مربوطين للسوق المادية/الواقعية. إنهم لا يستعملون إذن الأسواق قصيرة الأمد à terme للاحتماء من التقلبات في الأسعار (عمليات التغطية)، ولكن على العكس لتحقيق الأرباح انطلاقاً من هذه التقلبات. وبما أن هناك في الغالب لا توازن بين عدد المشترين والبائعين (الماديين)، فإن عدداً من المضاربين يمكن اعتباره شيئاً ضرورياً (لتيسير المعاملات، نقول إنهم يسهلون عملية (تسييل fluiditer) السوق)، المشكل ليس هنا، المشكل أن مضاربة كثيرة بإمكانها أن تغلي الأسعار.
 عندما أنشأت البورصات، وأولها بورصة شيكاغو أواسط القرن التاسع عشر وضعت بعض القواعد التقييدية لمنع المضاربة السامة toxique، وهي قواعد يعرفها التقنيون وليس هنا مجالها (منها مثلاً فرض استعمال العقود المقننة standardisés)، الفضيحة تفجرت مع الثمانينات مع بداية التحرير الشامل للاقتصاد، مع ريغان، تم السماح لعقود أكثر فأكثر تعقيداً، وتم الرفع تدريجياً من القيود على المواقع، وتم تحرير بشكل واسع التعاقدات OTC، استمرت اللعبة حتى 2010 بعدها عادت الولايات المتحدة إلى خيار الضبط، حيث أعيد العمل بتقييدات المواقع.
 يجب البحث عن جذر تفجر قطاع الغذاء في بداية الثمانينات، ومع ذلك ظلت المضاربة هامشية في علاقتها بالاقتصاد الواقعي، لكن المنعطف الأكبر سيقع مع بداية الألفية، العوامل: مع تفجر الإنترنيت، وتفجر قطاع العقار، ستعرف الأسواق الغذائية قدوم مستثمرين كبار جداً جاؤوا للتعويض عن الخسائر في مجالاتهم التقليدية، لقد اتبع المستثمرون الكبار نصيحة اقتصاديَين أمريكيَّين كانا قد كتبا سنة 2004 دراسة وضحا فيها أن قطاع الغذاء هو قطاع الربح المضمون في المستقبل، سنة 2006 سينتقل الاستثمار في مؤشرات المواد الأولية/الغذائية من 15 مليار دولار إلى 200 مليار سنة 2008، إننا لا أقل ولا أكثر أمام إشعال مضارباتي وإنكار للواقع.
 يبين جان زغلر Jean Ziegler، المقرر الأممي السابق لملف الغذاء، أنه في 2012 فقط اثنان بالمئة من العقود المبرمة انتهت بتسليم المنتوج إلى أصحابها، فيما قام المضاربون بإعادة بيع 98 الأخرى قبل انتهاء أجلها. هكذا انفصلت المالية عن الاقتصاد، وأصبحت تعوم في فضائها الخاص ولم تعد تخضع إلا لقوانينها الخاصة.
 الأمر يتعلق، لا أقل ولا أكثر، بإستراتيجيات تجويع/قتل منظم للبشر، فحسب تقرير منظمة الأغذية العالمية (الفاو) حول الأمن الغذائي، في كل خمس ثوانٍ يموت طفل أقل من 10 سنوات جوعاً، وما يقارب المليار نسمة يوجدون على الدوام في حالة نقص غذائي خطير. في التقرير ذاته، وهو التقرير الذي لا ينفيه أي أحد، يمكن للصناعة الغذائية العالمية أن تغذي 12 مليار نسمة، وتوفر لكل واحد منا 2200 كالوري يومياً بحسب معايير المنظمة العالمية للصحة، 12 مليار نسمة، تقريباً ضعف البشرية اليوم، من الممكن جداً اجتثاث مشكل الجوع في العالم (...ليس هناك قدرية، أن طفلاً يموت جوعاً هو طفل مقتول، إن مشكل تدمير ملايين البشر بواسطة الجوع ناتج عن آليات من إنتاج بشر -سادة النظام الكانبالي للعالم- هدفهم الربح عبر تدمير البشر، الأغلبيات الساحقة بلا حماية).. فيما يقول جون زغلر.
 هناك مثال جيد من ضمن أمثلة كثيرة أخرى، في مالي نصف الأمهات عاجزات عن منح حليب كامل لأطفالهن بسبب سوء تغذيتهن، إن طفلاً من سنتين فأقل لا يحصل على غذاء كافٍ لن يمكنه لاحقاً العودة إلى وضع (طبيعي)، لأنه في تلك الفترة تتشكل النورونات، إذا ما عانى طفل من سوء التغذية في هذه الفترة فإنه سيعاق حياته كلها.
 إن واحدة من الآليات المسؤولة عن هذا القتل الجماعي هي المضاربة في الأغذية الأساسية كالذرة والأرز والقمح التي تغطي 75 بالمئة من الاستهلاك العالمي، سنة 2007/2008 خسر المضاربون الكبار 85000 مليار دولار في البورصات المالية، قرروا إذن التوجه نحو بورصة المواد الأولية، ومنها المواد الغذائية، حققوا بهذا أرباحاً خيالية وبطريقة مافيوزية حتى لا أقول علمية تماماً، ارتفعت أسعار السوق العالمية بشكل صاروخي، الكل انتبه واتفق على أن المضاربة الغذائية كانت سبباً رئيساً في المجزرة الجماعية، فثمن الذرة ارتفع 93 بالمئة في 18 شهراً، فيما تضاعف ثمن طن القمح في عام واحد، أما طن القمح الفليبيني فلقد ارتفع 113 بالمئة، التأثير على المدن الصفيحية العالمية كان رهيباً، انهار النمط الغذائي فوق الموائد، (إن المضاربين يجب اقتيادهم بالسلاسل إلى السجون، وليس إلى المحاكم)، يشدد زغلر دائماً.
 إن مشكل العالم ليس فقط وجود مافيات تضارب في الغذاء العالمي، المشكل الأخطر أن تلك المافيات تتحكم في من ينتج القرار العالمي بما فيه القرار الذي يخص ملف تدبير الغذاء في العالم، قد نتذكر كيف أن نيكولا ساركوزي كان قد وعد عن حق أو عن باطل لا يهم أياماً قبل اجتماع مجموعة العشرين G20 باتخاذ إجراءات صارمة في حق كل من سولت له نفسه التلاعب بأرواح الناس، أسابيع بعد الاجتماع لم يكن من الممكن العثور على سطر واحد في الصحافة حول الموضوع، لماذا؟ ببساطة شديدة لأن كبار صناع الغذاء في العالم- كارجيل Cargill الذين يسيطرون على 85 بالمئة من الغذاء المسوق تدخلوا في البيت الأبيض، في باريس، في لندن، إن لهم السلطة السياسية والمالية. آخر دراسة تشير إلى أن أكبر 500 شركة عابرة للقارات تتحكم في 52 بالمئة في الناتج الخام الدولي، إن هذه الأوليغارشيا المالية التي تهيمن على العالم لها سلطة لم تتوافر لأي ملك أو إمبراطور عبر التاريخ، وأمام هؤلاء يظهر كل رؤساء الدول، بما فيهم الرؤساء الأقوياء، عاجزين تماماً، إن هذا هو المشكل الأكبر للقرن الحالي.. يقول زغلر متألماً.
 مشكل الجوع في العالم هو مشكل مركب، وواحد من الأسباب الكبرى الأخرى هو المديونية، كل الدول التي تعاني هشاشات غذائية كبرى مدينة بشكل قوي للبنك الدولي، وهذه حكاية أخرى ليس الجفاف إذن من يقتل، هناك مشكل آخر هو ما يسمى بالطاقة الحيوية Les biocarburants، تقول الشركات الدولية العابرة للقارات إن واحدة من الإجابات الجيدة على مشكل التلوث العالمي هو تعويض الطاقات الأحفورية المخربة بالطاقات الحيوية، السنة الفارطة حرقت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 138 مليون طن من الذرة ومئات ملايين القمح لإنتاج الطاقة من أجل السيارات، ما المشكل؟ المشكل أن أفريقيا التي تموت فئات واسعة من ساكنتها من نقص غذائي حاد هي التي يطلب منها إنتاج الغذاء الموجه لإنتاج الطاقة.
 يجب أن ننتبه إلى الخدعة المروج لها بشكل واسع من طرف إعلام الدول/المافيات الديموقراطية الكبرى والتي تقول بأن الناس يموتون جوعاً بسب الجفاف الرهيب الذي يضرب مناطقهم، وهذا صحيح، لكن وراء الجفاف تختفي الأسباب الحقيقية: عجز الدول المعنية عن شراء حاجياتها من الغذاء.
 حل مشكل الغذاء مستحيل دون منع المضاربة وحذف المديونية، مؤخراً قام البنك الدولي بدراسة جدوى حول تمويل مشروع سقي 44 ألف هكتار بالري الاصطناعي بالنيجر، المشروع يكلف حوالي 800 مليون دولار، المشكل أن النيجر ليس لها فلس واحد وهي الدولة التي تعتبر ثاني منتج لليورانيوم في العالم- المورد الذي تسيطر عليه كلية أريفا Areva لصاحبتها دولة الأنوار والاشتراكية فرنسا.
 يجب أيضاً منع تحويل المنتوجات الغذائية إلى طاقات حيوية، لابد كذلك من منع الشركات العالمية من الاستحواذ على الأراضي لتوجيهها نحو خدمة أهداف تتعارض مع أهداف الأغلبيات الجائعة، هو إذن نضال مركب وصعب لكنه ليس بالمستحيل.
مونسونتو: إمكانات العلم الكيميائي في خدمة تخريب الإنسان/الأرض
 يوم الإثنين 31 من شهر فبراير من سنة 2013، سيتم الحكم بالإدانة على مونسونتو Monsanto، الشركة العملاقة المتخصصة في الصناعة الكيميائية، أما صاحب الدعوى فهو فلاح فرنسي اتهم الشركة بتسببها له في سرطان ناتج عن استعماله لمبيد حشري من إنتاجها. الإدانة الفرنسية، في الواقع، ليست إلا حلقة صغيرة ضمن ملف إجرامي طويل.
 لبيسيبي PCB، العامل الليموني Agent orange، الديوكسين، المنتوجات المعدلة جينياً، هورمونات النمو، مبيدات حشرية نباتية (لاسو Lasso وراونداب Roundup)؛ كلها منتوجات ارتبطت بجرائم صحية وبيئية على درجة عالية من الخطورة، وعلى الرغم من كل الخسائر التي يحدثها العملاق الأمريكي في البشر/الأرض، لم تستطع أية محكمة في العالم وقف الوحش، السبب؟ مونسونتو ليست فقط عملاقاً صناعياً، إنها أيضاً عملاق في فن شراء النخب المؤثرة في صناعة القرار العالمي، منذ أن تأسست سنة 1901 ومونسونتو تراكم الفضائح/الجرائم البيئية/الصحية، أول كارثة تاريخية كانت سنة 1947 عندما اصطدمت شاحنة بوحدة تابعة لمونسونتو بتكساس، النتيجة: 500 قتيل، السبب حريق ضخم في خزانات مواد كيمياوية خطيرة، سنتان بعد ذلك، وفي معمل آخر بفرجينيا سيندلع حريق مهول، النتيجة: تدمير كلي للوحدة الصناعية وإصابة 200 عامل بمرض جلدي خطير ونادر، سيكشف الحادث عن واحد من أسرار مونسونتو: إنتاج مبيد نباتي يحتوي كميات كبرى من الديوكسين، وهو مادة سامة جداً، بدأ إنتاج هذا المبيد أواخر العشرينات، لكن المنع لم يتم إلا مع السبعينات، سنة 2007 ستوضع شكاية ضد الشركة بمدينة فرجينيا من طرف ساكنة متضررة بقوة اتهمت الشركة بنشر الديوكسين بشكل (سري) في محيط المدينة، سنة 2001، سيقوم 3600 من ساكنة مدينة إنيستون بألاباما بوضع شكاية ضد الشركة متهمين إياها بكونها ألقت ولعشرات السنين بأطنان من النفايات السامة الخطيرة في قلب مزبلة غير محمية في قلب حي يقطنه السود، لقد كشف تقرير نشرته (الواشنطن بوسط) كيف أن العصابة أخفت ولعقود طويلة ما كانت تفعله والأخطر ما كانت تعلمه. مثلاً، سنة 1966 سيكتشف مسؤولون بالشركة أن أسماكاً في النهر كانت تتقلب على ظهورها في أقل من عشر ثوانٍ، وهي تتبول الدم وتفقد جلدها كما لو أنه يتم قليها فوق زيت حارق، طبعاً احتفظ المسؤولون لأنفسهم بالكارثة، وسنة 1975 ستكشف دراسة قامت بها مونسونتو أن PCB يحدث أوراماً لدى الفأر، ستحول الشركة من نتائج التقرير وستكتب (مواد غير مسرطنة) مكان (مواد بمفعول سرطاني خفيف).. (لا يمكن لنا أن نخسر دولاراً واحداً)، بهذا اختتمت الشركة إحدى مذكراتها السرية كما كشفت الواشنطن بوسط.
 سنة 2002 ستتم إدانة مونسونتو على جرائم تلويث مجال مدينة إنيستون ودماء سكانها، ستلزم المحكمة مونسونتو بدفع 700 مليون دولار وتنظيف المدينة، بعدها لم يصدر أي حكم بالسجن على أي من مسؤولي الشركة.
 في فبراير سنة 2007 ستكشف جريدة (الكواردين) guardian كيف أن العملاق الكيميائي طبق نفس الميكانزمات في مناطق أخرى في بريطانيا بين 1965 و1972، ستستند الكواردين على تقرير حكومي كشف أن مونسونتو استعملت في بلاد الغال 67 منتوجاً مخرباً من بينها الفاعل الليموني والديوكسين والبيسيبي في مقالع ببلاد الغال، أما فرنسا فلقد منعت صناعة واستعمال البيسيبي منذ 1987، ستكشف تقارير أن مونسونتو استمرت في إنتاج العامل الليموني بين سنوات 61/71، وهو المشكل من نوع خطير من قاتل الحشرات herbicide هو القاتل الحشري 2,4، 5-T، للتاريخ ستستعمل القوات الأمريكية هذا المبيد الحشري بكثافة في الفيتنام مع كل النتائج الكارثية التي نعرفها في كلا الطرفين: سرطانات، تشوهات خلقية.
 سيتم اقتياد مونسونتو مرات كثيرة أخرى إلى المحاكم بتهمة الترويج لمواد مسرطنة، في أحسن الحالات كانت تتم إدانة المافيا بدفع مبالغ تعويضية، لكن لم يتم أبداً فرض الإنهاء التام لإغلاق معامل إنتاج العامل الليموني أو أي منتوج قاتل آخر.
 بداية سنوات التسعينات، ستبدأ مونسونتو في الترويج لباكورة منتوجاتها المنحدرة من البيوتكنولوجا.. يتعلق الأمر بالبوزيلاك posilac، وهو هرمون نمو حيواني موجه للرفع من المقدرات الحليبية، يؤدي الهرمون إلى التهابات في الأثداء، وهو ما يدفع المنتجين إلى علاج الأبقار بالمضادات الحيوية التي تتسرب إلى الحليب لاحقاً، إن هذا المنتوج المعجزة تم منعه في كل بقاع العالم إلا في الولايات المتحدة الأمريكية.
 قوة مونسونتو أنها تتوافر على أوراق ضغط كبيرة جداً، سيحكي وثائقي كندي بعنوان The corporation، كيف أن مونسونتو قامت بالضغط على قناة فوكس نيوز لمنعها من نشر بحث يكشف عن أخطار البوزيلاك سنة 1997، ما حصل بعدها دال جداً هنا: ليس فقط لم يتم نشر نتائج البحث ولكن تم تسريح أصحابه.
صرخة هانس جوناس
 كتاب (مبدأ المسؤولية) Le principe de responsabilité كتاب مهم جداً في فهم الخطر الجذري الذي بدأ يشكله (العلم) على مستقبل البشرية والأرض.
 شكلت قنبلتا اليابان نقطة انطلاق جوناس Jonas نحو مساءلة أخطار التقنية على العالم، شكلت القنبلتان نقطة تحول في تاريخ الإنسان، لأول مرة تنقلب الأمور ويتحول الإنسان من وضع السيد إلى وضع المتأثر بمنتوجاته، المشكل بالنسبة لجوناس ليس عسكرياً فقط. إن تكاثر الخيرات المادية/التقنية مع غياب أية سياسة للتحكم فيها من شأنه أن يحضر غداً كارثياً. إن تراكم التقدمات الكثيرة جداً سينتهي، ينبه جوناس، بتشكيل تهديدات اعتبرها جوناس في بداية الثمانينات (لحظة نشر الكتاب) أخطر بكثير من القنبلة النووية نفسها.
 خطر اختفاء الإنسان من فوق الأرض هو الذي دفع جوناس للبحث عن فلسفة جديدة، لفترة طويلة عاش الإنسان على إيقاعات الاستقرار- في علاقته مع نفسه، في علاقته مع الطبيعة، لكن التحولات التقنية المتعاظمة هزت كل شيء، لقد تحول كثيراً نمط عيش الإنسان، وهذا ما يستوجب مساءلة من نوع آخر، بعبارة أخرى، يقول جوناس، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الإنسان، ولكن أيضاً وخصوصاً مجموع مصير النوع الإنساني، مما يفرض توسيع النظرية الفلسفية/الأخلاقية نحو التأمل في العلاقة بالأرض، بالمحيط البيئي. لقد انتصر الإنسان على الطبيعة، لكن إلى متى سيمكنه الاستمرار في هلوساته؟ إلى أي حد سيمكنه الاستمرار في السير الأعمى؟ ما دام ما كان يفعله الإنسان لم يكن يمس توازنه، فإنه كان يعيش في وئام، أما الآن فلقد هز الإنسان الطبيعة، التوازنات، الأنساق، وبدأ يخلق ما بدأ يرتد عليه مهدداً وجوده العام.
 بالنسبة لجوناس، وقع التحول في القرن 17 بعدما تحول العلم إلى منظومة أكثر فأكثر تجريبية وتحليلية، أكثر فأكثر تشريحاً للعالم، أكثر فأكثر عنفاً تجاه الأرض. مع القرن 17 بدأ الإنسان يستعمل العلم فقط في خدمة أهدافه، ضارباً عرض الحائط الأرض وتوازناتها.. منذ القرن 17 انقلبت العلوم على أهدافها وتحولت لأدوات لنهب الطبيعة/الساكنة وتشويهها، وهنا بدأ جوناس يتساءل عما إذا لم يكن من المستعجل الثورة على المركزية/الشوفينية البشرية، ورد الاعتبار للطبيعة، باعتبارها صاحبة حقوق علينا.
سيتوجه جوناس بالنقد الجذري لغرور الإنسان المعاصر، سيستند هانس هنا إلى المباحث البيولوجية، سيعتبر أن (كل حياة ترجو الحياة ولها كامل الحق في ذلك).. والإنسان في هذا المستوى لا يختلف عن أي كائن حي آخر إلا في درجة المسؤولية. إن هذا مهم جداً لفهم فلسفة جوناس، إن وضع الإنسان يمنحه مسؤولية أكبر، مسؤولية الحفاظ على الأنساق الطبيعية التي لها كامل الحق في أن ينظر إليها في حد ذاتها، لا فقط باعتبارها (خلقت) لخدمتنا.. يقول جوناس: (بهذا المعنى أنا أؤمن بفلسفة للطبيعة، في هذه الفلسفة أؤمن بقوة بحضور الإرادة البشرية مكان الإله.. أنا أعتقد أن شيئاً ما منح لنا، ولنا واجب الحفاظ عليه..).
 أهمية جوناس لا تكمن فقط في أنه ينظر أو نظر إلى الطبيعة باعتبارها أكبر من مجرد خزان للموارد الطبيعية، أهمية جوناس أنه أعاد دمج الإنسان داخل كل عضوي tout organique ومنحه شرف الإشراف على هذا الكل.
 إن المهمة، يقول هانس في انتقاد حاد لليوتوبيات التقدمية، ليست هي فقط الانتباه إلى حقوق أجيال الغد، إنها أيضاً العمل لمنع حصول الكارثة من خلال الانتباه/صيانة الحاضر، ولهذا الغرض لا يؤمن هانس أبداً بالديموقراطية، التي لم تطرح أية حلول جذرية لأنها لم تكن أبداً صارمة مع التدميرات.. دعا جوناس إلى نوع من (الأخلاق الصوفية للحشود)، إلى نوع (من الانعزالات الجماعية عن الاستهلاك).. وهذه الحشود يلزمها نظام دكتاتوري.

ذو صلة
التعليقات