مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

حلوة الجوف ونبتة السمح

 التميز في أي أمر يحتاج إلى الكثير من الجهد والتفاني، بالإضافة إلى الجودة والموهبة وحب الإبداع ولهذا صار تميزاً، وفي الجوف المنطقة التي تفوح أرضها بالعطاء والنماء، تميزت منذ القدم بجودة نخيلها وروعة مزروعاتها الأخرى، لدرجة جعلتها سلة الغذاء في وطننا الغالي.
ولجودة بعض النخيل وبالذات (الحلوة) استطاعت منذ أيام (السني) وذلك بما حباها الله من ثمر مكتمل الصفات أن تفرض قصة عشق أبدية بين ابن الجوف وهذه النخلة وتجلي ذلك العشق شعراً تدفق في كل المناسبات حتى أصبحت (الحلوة) من عناوين أهل الجوف حيث يفتخرون بها في كل مناسبة تقديراً منهم لوفائها معهم.
لهذا اتسمت بعض وصايا ونصائح الرجال الأوائل الذين شهدوا مولد النخيل وكبروا معه.. بالحث على الاهتمام بمزارع النخيل.. باعتبار أن النخلة في أعلى قائمة الممتلكات ويظهر ذلك في قول الشاعر خليف الطراد حين يقول:
 عزي لرجلٍ ما يماري بماله
    المال زينات النما والكرانيف
يومٍ يعزك مقعدٍ في ظلاله
    لو تاكل الجمار وتبيع الليف
 الأبيات لا تحتاج إلى المزيد من الإيضاح فقد أكد الشاعر على أهمية النخيل واعتبرها المال الحقيقي حين قال (المال زينات النما والكرانيف) وزينات النما هي النخيل.
ولم يتوقف عشق أهل الجوف لنخيلهم عند حدود الوصايا بل تعدى ذلك إلى الفخر والاعتزاز كما قال الشاعر بن قادر:
  غرست منها ميتين على بير
    والميه الأخرى لحيقن بثرها
 وهي أن الشاعر يتفاخر بغرس 200 نخلة في زمن لم يكن الفلاح قادراً على ري أكثر من عشر نخلات بسبب صعوبة استخراج المياه، ولكن العشق العجيب المنبثق من مبادئ الكرم جعلت هذا الفلاح يقبل التحدي ويكسب.. ويمتد بنا التأمل في تفاخر المنطقة بنخيلها من خلال أشهر القصائد في الزمن الماضي.
بل إن القصيدة التالية أصبحت من أساسيات الحديث عن منطقة الجوف بفضل ما حققته من صيت رائع للمنطقة اجتماعياً كان أم أدبياً، وهي قصيدة الشاعر غالب بن حطاب السراح في المنطقة والمرتبطة بالكرم، وقد جاء ذلك عن طريق استخدام مفردات وتراكيب تفوح منها رائحة العزة والفخار ونذكر منها:
 يا ما حلا والشمس يبدي شعقها
    من حدر الرزقا على نقرة الجوف
 نسقي من غيدٍ ظليلٍ ورقها
    يقلط نماها للمسايير وضيوف
 فمزارع النخيل التي وصفها ابن سراح بالغيد مصدر عزته باعتبارها من علامات الكرم حيث يتفاخر بتقديم نماها وهو التمر المتميز للمسايير والضيوف ولأن النخلة كما ذكرنا تعد من أساسيات الفخر لدى ابن سراح وكل أهالي المنطقة فقد تباكى شاعرنا عليها ذات مرة بسب إبعاده الإجباري عن الجوف.. وعن نخيلها فقال:
لو البكا ينفع بكينا منيفة
    الغرسة اللي فرعوا به غذابا
واليوم طعم (القسب) عندي طريفة
    من قبل ما ناكل مذانب حلانا
ومذانب الحلا هي تمرة الحلوة التي يشكل التمر جزءاً منها ويطلق عليها بالعامية (المنقد). والملفت للنظر أن النخلة لا تزال المثل الأعلى لأهالي المنطقة، فقد استخدمت تمرة الجوف المعروفة بحلاوتها وعذوبتها في وصف الفتيات الجميلات والمتميزات ويظهر ذلك في:
(يا فلانة) تمرة الجوف
    علي جيله بها نوف
وفلانة هذه أي فتاة جذابة أما تمرة الجوف المقصود بها هنا تمرة الحلوة. وللعشق بين أهالي الجوف ونخيلهم لغة لا يعرفها سواهم فهم يعلمون بأن العشق متبادل وهم وحدهم أيضاً من يستطيع فك رموز التجارب.
فالنخلة التي أحبتهم وعشقوها تفرح لفرحهم وتتألم لحزنهم وهذا ما نراه في أحد أبيات مرثية الشاعر إبراهيم الغضبان في والده حين قال:
والحلا حزنها أكثر صوب جدادها
    العسيب ايتواما في فروع النخيل
تمرها للمسير سابق زادها
نوب من موسمه والنوب الآخر حويل
وفي موقف آخر اضطر أحد الشعراء إلى الاستعانة بالتمر حينما أراد وصف محبوبته وذلك لعلمه بأن جمال وعذوبة التمر المتفق عليه أبلغ من يؤدي هذا الدور وبالتالي إيجاد صدى عاجل وفعال لدى المتلقي فقال:
له حبة أحلى من الماء على الظما
    وأحلى من الدنيا وكل معاش
وأحلى من اللي ينقر الطير راسه
    ينوشه من بين الجريد نواش
ولم يكن ابن الجوف على مدى التاريخ الطويل يرضى بالتنازل عن نخلته بل إن مبدأ الكرم الذي عاشوا من أجله دفعهم بتخصيص إنتاج نخيلهم لضيوفهم وكانوا يتحرجون من بيع التمر إكراماً لهذا المبدأ وهذا ما جعل سوق التمر في الجوف بلد النخيل يفتقد للنشاط بفضل قلة التداول وكتأكيد لهذا المبدأ يقول ابن قادر:
مادام ما صفوا على الحفافير
    يحرم عليه بيعة من ثمرها
ويضيف ابن قادر في موقع آخر من القصيدة:
نبي نعشي ونغدي بتسخير
    وخطو الرفيق نزهبه من ثمرها
والجميل في أهالي الجوف أنهم ورثوا عشق النخيل لأبنائهم حتى ظل العشق يتنامى ويكبر مع مرور الوقت ولهذا ترجم الشاعر عابد الجلال السرحاني - يرحمه الله - صدق هذا العشق فقال:
الله على الفنجال ثلثينه الهيل
    والناس نومى وانت نجرك تصوعه
حلوة هل الجوبة نماها هو الكيف
    يطرب نماها في عوالي فروعه
لياجالك اللي يشتهون التعاليل
    من حلوة أهل الجوف تقلط قدوعه
أحلى من الشهد المصفى محاليل
    لياذاقها الجيعان يضيع جوعه
عاشوا عليها الناس جيلٍ بعد جيل
    حلوة وهي حلوة ولاشفت نوعه
هكذا في الحلوة أعطيت الكثير من الاحتفالية والجهد فأعطت الكثير حتى فازت بعشق أهل الجوف وتجلى ذلك شعراً مترعاً بالفخر والكرم. وبالتأكيد فإن إبداعات شعراء المنطقة في وصف الحلوة بشكل خاص والنخيل بشكل عام أكثر بكثير مما تقدم ذكره.
ومن أشهر النباتات في منطقة الجوف السمح وهو نبات معروف قديماً لدى العرب وذلك لفصاحة المفردات التي تطلق على بعض مشتقاته ففي اللغة السمح المتسع فيقال سمح العود أي استوى وتجرد من العقد.
والسمح من النباتات التي تنمو في الجزيرة العربية ويستفيد منه الناس ثمراً برياً يأكلونه. وقد ميز الله منطقة الجوف وخصوصاً أرض (بسيطا – وادي السرحان) والتي تنبت هذا النبات وتتميز بخصوبة أرضها وانبساطها وسهولة التضاريس. والسمح نبات ذو حب مثل حب البر ويطحن مثل طحن حب البر ثم يؤكل وينبت السمح في الوقت الذي تنبت فيه الكمأة المعروف بـ (الفقع) في أوائل فصل الشتاء مع دخول الوسم ويعتمد على الأمطار ويتم حصده في فصل الصيف.
وقد ذكر العلامة حمد الجاسر السمح بقوله: (لما قاربنا الجوف شاهدنا أرضاً مكسوة بنوع من النبات قريبة الشبه بما نسميه عندنا في نجد الصمعا وهو نوع من النصي..).
التركيب الغذائي والقيمة الغذائية لحبوب السمح
أفاد تقرير أعده الدكتور أ.ن. بهاتاشاريا خبير منظمة الأغذية والزراعة التابع لهيئة الأمم المتحدة أن حبوب السمح هي تلك الموجودة في الثمرة القرنية للنبات الحولي المسمى علمياً (MESEMBRYANTHEMUM FORSSKALEI)
(مسمبريانثمم فورسكالي) والذي ينمو في أرض (بسيطا) الجيرية التركيب وأن حبوب السمح تحتوي على 21% من البروتينات وهذه النسبة تمثل ضعف ما تحتويه الحبوب الشائعة كالأرز والقمح والذرة… إلخ كما أن هذه النسبة تقريباً مساوية لما تحتويه بذور البقوليات والقرنيات مثل الحمص والعدس… إلخ أما الطاقة الناتجة من عملية الهضم لحبوب السمح فقد أفاد التقرير أنها تساوي تلك التي تنتج من الحبوب الأخرى المعروفة. لذلك فإن السمح يعتبر غذاء مثالياً متوازناً ويشبه السمح من الناحية الغذائية أكل الخبز المخلوط مع الحمص أو الفول إلا أن السمح يحتوي على الألياف العالية (9.5 %) والرماد (6 %) حيث تحافظ الألياف على صحة الأمعاء السفلى بينما يزود الرماد الجسم بالأنواع المختلفة من الأملاح.
وعن كيفية تحصيل وحصاد السمح يقول أحد المهتمين بالسمح والباعة له: للسمح أماكن معروفة فنقوم بجمع السمح في (حلل صغيرة كأحواض) والحلة: هي ما يجنى به السمح وهي حفرة مستديرة وعندما تمتلئ تلك الحلل بالسمح نقوم بدراسته بواسطة حجر مربوط على جمل وهي حجر مخروقة لدراسة السمح بهدف فصل الكعبر عن باقي الأوراق ونقوم بضربه بالأعمدة وهو ما يسمى بالدياسة والكعبر الذي هو عبارة عن كبسولات صغيرة مملوءة بحبيبات سمراء هي حبيبات السمح يوضع الكعبر المدروس في (أكياس) ثم تأتي عملية التصويل لاستخراج الصبيب وهي المرحلة النهائية لجني السمح وطريقة عملية التصويل تتمثل في عمل حفرة تسمى مصولاً وتبطن عادة بجلد ناقة ويتم تنزيل حمل الكعبر فيها ثم يوضع كمية كبيرة من الماء عليها ويتم تحريك الماء حيث تتفتح تلك الكبسولات لتنثر حبوب السمح الصغير حيث يطفو (عرش الكعبر) ليتم بعد ذلك تصريف الماء ويبقى السمح.
ويطحن السمح بواسطة (رحى) خاصة به وتستخدم آلة ومحش لحصاد السمح.
أكلات السمح عند أهل الجوف
للسمح أكلات مختلفة عند أهالي الجوف خاصة منها:
- البكيلة: وهو مزج تمرة حلوة الجوف بالسمن بحيث يتساوى امتصاص التمر لسائل السمن ثم يدعك بمزيج من السمح يعطيه طعماً لذيذاً.
- البسيسة: اسم عربي هي نوع من الأكلات المتعددة التي تعمل من نبات السمح من خلال وضع مقدار قليل جداً من السمن أو الدبس مع السمح بحيث تكون كمية السمح المحمص والمطحون جيداً أكبر من المزيج المخلوط به حيث يشعر المتذوق بنكهة لذيذة جداً.
- البثوليلة: وهي السمح المحمص والمطحون وغير مدقق بين الصبيب والطحين.
- عصيدة السمح: هي غلي الماء ووضع كمية من السمح مع خفقها دائماً حتى يثقل السائل ولونها أسمر وتمتاز بطعمها اللذيذ خصوصاً إذا مزجت باللبن أو وضع عليها قليل من السمن.
خبز السمح: خليط طحين السمح غير المحمص بالماء ثم يوضع على النار ليخرج خبز أسمر بحمرة داكنة.

ذو صلة
التعليقات