مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

المرأة في الجوف

تتمايز مناطق المملكة العربية السعودية بمكونها الاجتماعي والجغرافي ونسيجها السكاني، ويتفاوت هذا التمايز بين منطقة وأخرى تبعاً لكثير من المعطيات. ومنطقة الجوف ضلع مهم في مكوننا الوطني، شكلت الجغرافيا كثيراً من عناصره، وأفرزت طبيعة المنطقة مكوناته وشكلت لوحته بألوان متماهية مع طبيعتها وجغرافيتها.
ولا شك أن الإنسان في هذه المنطقة، وبحكم موقعها الجغرافي؛ اكتسب مزيداً من الخصائص التي قد يكون لها حضورها ووجودها في منطقة أخرى. عوامل كثيرة صبغت المجتمع الجوفي بصبغة تكاد تكون متميزة وبشكل جلي وظاهر في منطقة الملح والزيتون.
يقال إن مناطق الأطراف دائماً ما تتأثر بما جاورها وتؤثر بجوارها، والإنسان بطبعه ميال لاكتساب أمور في جوانب عديدة بحكم جوار هذه المنطقة لمناطق حضارات لها أسبقية في مجالات عدة. وبحكم القرب والتواصل الإنساني والاحتكاك البشري والتبادل المعرفي الذي لم ينقطع؛ شكلت هذه المؤثرات صور لحياة مجتمعية متفردة.
والإنسان بطبيعة تكوينه ميال إلى التفاعل والتعامل مع مكونات بيئته وإثراء حياته بنمط معيشي ينسجم مع وضعه وطبيعة منطقته وخلق إبداعات توفر له عيشه وحياته. والجوف منطقة حدودية، تطالع فيها مواطن الحضارات هنا وهناك على مد النظر، إذ قامت بها حضارات قديمة عريقة تركت بصماتها العمرانية وتأثيرها الحضاري. شكل هذا الموقع بيئة خصبة وعنصر تشكيل وَسَمَ نمط الحياة بصور جميلة ولوحات ذات طيف مميز، وصبغ الحياة بتأثيراته وخطوطه الظاهرة في كل أشكال العيش الأسري والمجتمعي.
الرجال شقائق النساء فهم ركيزة الأسرة، وهي بدورها المكون الرئيس للمجتمع، وقد أظهرا مجتمعين ثراء الحياة الاجتماعية بمنطقة الجوف على امتدادها الجغرافي من شمال المنطقة إلى جنوبها بكافة التفاصيل، بدءاً من الأمور الصغيرة وانتقالاً إلى محيطها، وهذه اللوحة الجذابة بنسيجها الاجتماعي المتعدد كانت وما زالت لوحة ذات أبعاد لا تخفي تفاصيل ولا تواري شيئاً ما.
يرى البعض أن دور المرأة هنا لا يتجاوز دور الأم والمربية والمؤتمنة على البيت والأبناء فقط؛ لكن المرأة في الجوف كان وما زال لها حضور في كثير من الأمور الحياتية، ولا يحصر دورها في ذلك الشأن المحدود، بل تجاوزه إلى أبعد الحدود بسبب مساحة الحرية التي منحها إياها الرجل الجوفي في البدو والحاضرة، مما أدى إلى إبداعها وتميزها حتى أصبح هناك عدد ممن يشار إليهن بالبنان، وهن موضع ثقة الجميع، ولهن شهرة فاقت أنحاء مناطق المملكة بكرم وحرية ضمن حدود أعراف القبائل بشرف رفيع وخُلق نبيل أصيل.
فقد كانت المرأة قديماً شريكة للرجل في البناء كما هي شريكة في تربية الأبناء.
فتحت المرأة في الجوف بيتها لاحتضان نساء المجتمع بمساهمات مادية ومعنوية، وعلى رأسهن السيدة الكبيرة -يرحمها الله-الجوهرة بنت سعود السديري زوجة الأمير عبدالعزيز السديري في القريات، حيث عُرفت بالكرم ومجالسها التي تضم معظم نساء المنطقة من مختلف الطبقات، وتقدم لهن خدمات جليلة، كانت تفتح مجلسها يومياً بعد صلاة العشاء وتقدم الموائد المتنوعة للزائرات، حيث تميزت المرأة في الجوف بصنع الأطعمة اللذيذة التي لا تقاوم كالجريش والقرصان والمرقوق والكبسة والعصيدة والمصالي والشراك والمقشوش.. وغيرها من المأكولات الشعبية المعروفة لدى جميع طبقات المجتمع. وقد فعّلت دور بناتها لخدمة المجتمع ومنهن البندري وسلطانة ولولوة ونوف بمتابعة المنجزات الاجتماعية لنساء الجوف وتقديم الرعاية لهن، فاهتمت الجوهرة بتعليم بناتها وبنات المنطقة ممن يسمح لهن أهلن بالتعليم، وجلبت المعلمات من مناطق عربية لتدريسهن القراءة والكتابة والحساب والقرآن، فقد كان تعليم المرأة في الجوف بجهود شخصية حتى عام 1360هجرية بفتح أول مدرسة للبنات.
وكان للمرأة في الجوف دور في بناء البيت الذي يضم الأسرة من تجهيز اللبن والطين وإحضار سعف النخل، وقد التقيت ببعض النساء الكبيرات اللواتي قمن بتعمير البيوت وكيفية هندستها الجذابة بنسق مختلف، ومنهن خزنة الدهام التي عملت أيضاً بالطب الشعبي، وكانت شاعرة مجيدة، وعملت نساء الجوف بالاحتطاب ونقل الماء من الآبار ورعاية الأغنام والإبل، وبعضهن ما زلن يمارسن هذه المهنة، وضربن مثلاً للشجاعة والقوة، بالإضافة إلى موهبة قرض الشعر التي رافقتهن في الحاضرة والبادية، فتناولن بها الأغراض الشعرية المتنوعة، فكانت بعداد الونس الذي يخفف أعباء الحياة وشغفها، والتقيت ببعضهن أيضاً والبعض الآخر منهن قد قضى نحبه رحمهن الله، وقد استقيت معلوماتي من الخلف أو من المجتمع لشهرتهن الاجتماعية لكتابة سيرهن.
وساهمت المرأة في الجوف بالغزو إلى جوار الرجل وأبدعت في حماية الأهل والولد والديار في البادية والحاضرة.
وعملن أيضاً بالغزل والنسيج وخياطة وسدو الصوف بعمل الفراش واللحف والمخدات والتطريز وتصنيع بيوت الشعر. والتقيت بعدد منهن، وهذه المهنة ما زالت متوارثة للحفاظ على التراث والموروث، وقد عرضنها في كثير من المحافل كمهرجان الزيتون في أرض الملح والزيتون ومهرجان التمور الذي يعقد كل عام، فيعرضن بها تحت مسمى الأسر المنتجة المدعومة من الأميرة سارة ورجال أعمال المنطقة الذين بذلوا قصارى جهودهم لإحياء المنطقة المعروفة بالكرم وحسن الضيافة والاستقبال المنمق بشكل حضاري مذهل أدهش كل من زار في الجوف بعراقة مختلفة ونسق رائع، والسبب الرئيس بهذا التميز تعدد القبائل والعوائل وتمازجهم مع بعضهم البعض لإظهار طابع مجتمعي مختلف بلوحة جذابة ومعانٍ سامية، وقد فاز البعض من الأسر المنتجة بجوائز متميزة على مستوى المملكة نظراً لإنتاجهن المميز.
وعملت النساء باستخراج الملح من المطوخ، وبيعه على المناطق المجاورة والحدودية.
وحكاية المرأة في الجوف مع النخيل قصة تحاكي العراقة والأصالة لتقدم مع القهوة العربية المحوجة بجاذبية (حلوة الجوف) التي تعد من أروع التمور، حيث أبدعت النساء بجدها وتجهيزها بطرق متنوعة لتقديمها للضيوف وللأسرة بطرق مغرية للرائي.
ولبعض نساء الجوف حضور أدبي متفوق، وشاعرات مجيدات، منهن الشيخة نورة الطيار -يرحمها الله - والشاعرة مغيضة الدليمان والشاعرة ظاهرة الشرارية. والشاعرة شومة ساكر العنزي التي ضربت مثلاً للمرأة المكافحة والجريئة، فقد ربت أبناءها الأيتام، تقود سيارتها لتوصيل أبنائها لمدارسهم ثم تنام في الصحراء لمتابعة إبلها التي هي مصدر رزقها بلا خوف ولا وجل. والشاعرة لهابة مهل الرويلي فقد منحها الله موهبة مميزه في قرض الشعر.والشاعرة غترة سعيد الشراري -يرحمها الله- التي مثلت دور الولد لأبيها منذ ولادتها، لتقوم على رعاية أسرتها وتخفف أعباء الحياة عن والدها، حتى شاء الله واستقرت أموره ثم خلعت ثوب الرجل وعادت إلى طبيعتها الأنثوية التي جبلت عليها. والشاعرة الأميرة سلطانة السديري لها عدد من الدواوين الشعرية وهي من مواليد القريات وكاتبة (سويعات الأصيل) التي غناها طلال مداح. والشاعرة شنية العنزي -يرحمها الله -التي بدت شاعرة وطبيبة شعبية يأتي إليها الجميع للعلاج من كل مكان، وغيرهن الكثيرات.
ونساء الجوف مبدعات في تنسيق البيوت والنظام والترتيب، سواء على أنفسهن أو منازلهن، فقد عرفن سابقاً الحنا والاكتحال والهندام الجميل بشتى أنواعه، حسب أعراف وعادات القبائل، فلكل قبيلة زي مختلف نوعاً ما عن الأخرى، برونق جذاب: كالثوب المخصر والمِسرح المزين بالقصب والسفعة والشرش المدرقة والملفع والعصابة والجبة والشوال والمرودن والمحوثل والمقرونة والعباءة والمفرج والقرضة والمنجم، وهذه الألبسة مصنوعة من الأقمشة وفق قدرات المجتمع: كالمخمل والكتان والحرير.. وغيرها. ولبست المرأة المجوهرات، مثل: الذهب والفضة والنحاس والخرز والخيوط والبلاستيك.. بمسميات مختلفة: كالعرجة تلبس على الرأس، والشطان توضع في مقدمة الرأس، والأساور (البناجر أو المجاول)، والرشمة توضع في مفرق الشعر، والدروع والخواتم والأقراط، والزمام في الأنف، والشناف المعروف عند بعض القبايل يوضع بالأنف ويعلق بالأذن، والدلعة.. وغيرها. وعرفن العطور وأتقنّ وتفننّ بصناعتها وبيعها، وقد التقيت بإحدى المصنعات للعطور سارة علي، ولديها عدد من الزبائن لشراء تلك العطور بروائح متعددة وتراكيب متنوعة وخلطات وكريمات مركبة حتى أصبحت منتجاتهن تواكب العصر.
وعملت المرأة في الجوف بتعليم النساء القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ومنهن من انتقلن رحمهن الله إلى الرفيق الأعلى، فقد التقيت بأبنائهن وبعض المعمرين الذين استفدت منهم لجمع المعلومات لكتابة سيرهن لتخليدها في تاريخ المنطقة أمثال رقية مزيد القرشي في قرية كاف إحدى قرى القريات، قبل أن تتأسس القريات وخزنة عيد الضميري تلك الواعظة والمرشدة لنساء المجتمع، تحضر إليها النساء من كل قرى الجوف للاستفادة، وعملت بالرقية الشرعية وإصلاح ذات البين، وقد علمت النساء شؤون حياتهن وتعاليم الدين الحنيف، وأخذت السيدة هذه العلوم عن والدها رحمهم الله جميعاً.  وسعدى الدهام أجادت القرآن وعلمته لنساء القرية، وحصة سيد العنزي -رحمهما الله. كما مارست النساء أيضاً مهنة الطب الشعبي، وقد التقيت ببعضهن والبعض الآخر رحمهن الله تعرفت على سيرهن ممن سمع عنهن أو التقى بهن أو تعالج على أيديهن، وقد استخدمن الأعشاب بتجهيزها للعلاج، وكذلك الكي والفصد والجبائر والتوليد وعلاج الحمل وأمراض الأطفال.. وغيرها مما لا يزال يستخدم إلى يومنا هذا، ومنهن المعالجة زهوة مزيد القرشي -رحمها الله- وقد وصلت الثقة بها بالاعتقاد أن قوة إيمانها سبباً في الشفاء، ولا ننسى أن العامل النفسي له دور فعال في تحسن الوضع الصحي، ومنهن أيضاً الطبيبة حصة ضرمان والسيدة حُسن السردية والتي عُرفت بالفروسية ومشاركتها إلى جانب الرجل.

ذو صلة
التعليقات