مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

جِلّق.. عندما يُدمَّر التأريخ

قلت من قبل وعندما كتبت عن (صنعاء) إن تاريخنا يُدمَّر بأيدي أبنائه، وكأنَّ الشقاء قد كُتب عليه؛ فها هي دمشق عدا (حارات بسيطة) تعيش العبث في التاريخ (المكان والناس). تحولت بعد أنهارها إلى يباس، وبعد عمرانها إلى تراب، وبعد مكتباتها وعلمائها وناسها إلى فراغ، ولا شكوى إلا على المتصرّف في الكون.
جِلّق هي دمشق، وهي نسبة إلى: (دمشق بن نمروذ)، بناها لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، واشتق اسمها من اسمه، وقال:
بدينه الخليلُ فرّ بعدما
من نار نمروذ نجا وأشأما
ومعه خرج لوط ابن أخيه
وابنة نمروذ وصنوها النبيه
باني دمشق للخليل وبه
دمشق تعرف لدى المنتبه
كانت دمشق إلى عهد قريب من أحسن مدن الشام مناخاً وأغزرها مياهاً وأكثرها فواكه، ولها جبال ومزارع تعرف بالغوطة، نهرها الأعظم يسمى (بردى)، وهو ذاك الذي قال عنه شوقي:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
وأما (جلق)، فكان شاعر الرسول صـلى الله عليه وسلم (حسان بن ثابت) قد قال فيها:
لله در عصابة نادمتهم
              يوماً بجلّق في الزمان الأول
يمشون في الحلل المضاعف نسجها
             مشي الجمال إلى الجمال البزل
الضاربون الكبش يبرق بيضه
                ضرباً يطيح له بنان المفصل
والخالطون فقيرهم بغنيهم
           والمنعمون على الضعيف المرمل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم
               قبر ابن مارية الكريم المفضل
يُغشون حتى ما تهرّ كلابهم
                  لا يسألون عن اليواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم
               بردى يصفق بالرحيق السَّلسل
يسقون درياق الرحيق ولم تكن
                تدعى ولائدهم لنقف الحنظل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
               شم الأنوف من الطراز الأول
فلبثت أزماناً طوالاً فيهم
                    ثم ادّكرت كأنني لم أفعل
إما ترى رأسي تغيّر لونه
              شمطاً فأصبح كالثغام المحول

وهذه القصيدة لها مقدمة، ولها مؤخرة.



___________________
انظر: كتاب قطوف الريحان من زهر الأفنان، ص54 وما بعدها، وانظر ديوان الشاعر بتحقيق د.حسن حنفي

ذو صلة
التعليقات