مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

العلم يتعشق بالفهم

في العنوان إشارة لطيفة توسط فيها العشق العلم والفهم، فكان النواة التي ربطتهما بإحكام، ولا يكون هذان إلا بالقراءة المتعمقة الرصينة والهادئة، التي تحتاج إلى طالب علم مجتهد، يتعب عينه وجسده، ويضحي بوقته وعمره من أجل استمداد مزيد من النور ليحارب به ظلمة الجهل، ويرتقي إلى مقام العلماء في صمت وإخبات.

يوقظنا سفر الإنجيل بقرعه على باب المعرفة بعبارة غاية في الدقة، فيقول: (في البدء كانت الكلمة)، ويعلق المجاهد المجتهد علي عزت بيغوفتش في كتابه (هروبي إلى الحرية) على هذه العبارة بقوله: (في البدء كان الوعي). ولا يتحقق هذا الأخير إلا بالسعي في الطلب بمنتهى الأدب، حتى نقبس من أنوار المعرفة، وننال الرضا ببركة القراءة.
فكانت هذه الإشارات تذكيراً بالأصل الذي وجدنا من أجله، قال الله تبارك وتعالى في سورة الذاريات: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). قال الإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ليعبدون، أي ليعرفون، فالعبادة هي المعرفة.
الطريق إلى رحاب العلم طويل، وترسيخ القدم فيه يحتاج إلى زاد ودليل، ومن رام العلا شمر للوصول إلى نيل أنواره الكبرى بالصبر الجميل. فالقابض على جمر العلم في زمن الجهل حقيق بالتوفيق والاستئناس، ودفعه من قبل الله إلى مواطن الالتماس، ليغترف من فيوض الحكمة والاقتباس، ويكون من أهل المعرفة الدال على الخير، والمنتشل من الانحراف والضير، دليلاً مؤلفاً للقلوب، ومؤمناً بالغيوب، ومصححاً للعيوب، وشافياً لكل الكروب.
وطريق العلم محفوف بالأشواك، أشواك النفس العصية التي لا تحب المعاناة والتعب، وأشواك الملاهي التي تفسد كل من رفع همته وسعى في الطلب. ولذلك كان على طالب العلم المقتحم لهذا السبيل أن يستعد لكل المتاعب، وأن يصبر على ما سيلاقيه من مصائب ومصاعب.
يجب على المتعلم الصادق الذي وهب حياته للطلب، أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب، وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل، فإنها كقواطع الطريق. ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن، لأن الفكرة إذا تورعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، ولذلك يقال: (العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك).
ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا ببرنامج قاس وشديد، يتناسب وقدرة النفس على الاستجابة إلى ما فيه فلاحها، فالنفوس تختلف، واختلافها بحسب استجابتها إلى ما تراه صالحاً لها، والنفس دائماً تميل إلى كل هوى خفيف، فاختر يا صاح ما تقدر أنه مناسب لتربيتها وتزكيتها لتنال شرف الطلب وتكون أريبة صالحة!
قيل لبعضهم: بم أدركت العلم؟ فقال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وفي بعض الحكم: لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ولا يكد نفسه. ومن لزم الرقاد حرم المراد، قد فاز بالدر غائصه، وبالصيد قانصه. فكيف ستنال يا طالب العلم هذه المطامح ونفسك مائلة إلى الدعة والكسل؟، فالنفس إن أغريت بالكسل فإنها ترى النعاس أحلى من العسل، فهل ستجد أيها المريد في النوم أمنيتك التي كنت تحلم بها؟
يقول الناظم في أرجوزة وجيزة مفيدة ينبهك فيها إلى ترك الكسل والعجلة بالصبر إلى حيث تنال بركة العسل:
يا طالب العلم لا تركن إلى كسل
          واعجل، لقد خلق الإنسان من عجل
واستشعر الصبر في نيل العلوم، وقل
                أعوذ بالله من قول بلا عمل
العلم أوله مر مذاقته
                 لكن آخره أحلى من عسل
وقد ترغب النفس في الترويح والتخفيف من تعب الطلب، وقد كان العلماء يروحون عن أنفسهم بسماع الأشعار، لكنهم لا يغفلون عن شغلهم الأكبر. فما أكثر الفسح التي بسطناها لأنفسنا فتهنا ولم نستطع الرجوع لمواصلة الطريق، فضاع منا الفضل. وإن المرء ليتأسف اليوم، أن أغلب الأوقات تضيع بهذه الراحة التي لا تتقيد بوقت القيلولة، وتتمادى في غيها فتكون غيبوبة، فلا نحسن الاستغلال ونيل الكمال، ونتناسى أن فضيلة العلم لا تنال إلا بالتعب، وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب، ولا تنال الغرر إلا بارتكاب الغرر، وطلب الراحة في قلة الاستراحة.
وطالبنا المجد الذي نتحدث عنه، تلزمه شروط وواجبات، اختلف العلماء في تحديدها، ولكنها تتزين بأحرف اسمه طالباً في معانيها، فالطاء أن يكون طاهر القلب صفياً نقياً، واللام أن يكون لبيباً ليناً، والباء أن يكون باكياً على ذنوبه، يتخشع ويتقي مولاه. ومن حاز كل هذا فقد جمع الخير كله، وكان متجهاً إلى نيل شرف الربانية تربية، وتزكية، وتعليماً.
وعلماؤنا الأجلاء حين نقرأ في سيرهم عما لاقوا وعانوا في سبيل طلب العلم، وكم قطعوا من المسافات وتعرضوا للمصائب والأهوال ليبلغوا مراتب الكمالات، نجدهم قد صبروا على أمور حين نذكرها بيننا قد لا نصدقها، وإني لألح عليكم مطالعة كتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) للمحقق عبد الفتاح أبو غدة، فقد جمع فيه ما تفرق في غيره، للاقتراب أكثر ولو بالحكاية لمشاهدة أحوالهم الشديدة والغريبة.
لقد جعل العلماء المساجد بيوتهم، وأساطينها تكاياهم، وبواريها فرشهم، نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، واصطلاءهم الضياء، وتوسدهم الحصى. فكانوا إذا أرادوا تخليد علومهم في الكتب لم يتيسر لهم تدوينها على ضفاف الأنهار، وتحت ظلال الأشجار والأثمار، بل تجدهم يدونونها باللحم والدم وظمأ الهواجر، وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه، وفي ظل العري والجوع وبيع الثياب، وانقطاع النفقة في بلاد الاغتراب، والرحل المتواصلة المتلاحقة، والمشاق الناصبة المتعانقة، والصبر على أهوال الأسفار، وملاقاة الخطوب والأخطار، والتيه في البيد والغرق في البحار، وفقد الكتب العزيزة الغالية والأسفار، وحلول الأمراض والأسقام، مع البعد عن الأهل والزوجة والأولاد والدار، ومفارقة الأقارب والأحباب والأصحاب ونقد الاستقرار، فلسان حال كثير منهم يقول:
بالشام أهلي وبغداد الهوى أنا
          بالرقمتين وبالفسطاط خلاني
وقد يرتفع مقام الطالب إلى منزلة لا يصل إليها إلا الكبار فيتخلص من المتع المباحة الحلال، والملذات المشروعة المحببة، وينهمك في العلم تحصيلاً وتعليماً وتدويناً وتلقيناً، فلا يؤثر على العلم لذة، ولا أنساً، ولا طعاماً، ولا شراباً، ولا زوجة، ولا تسرياً، ولا قريباً، ولا حبيباً، ولا راحة بدن، ولا ضجعة فراش إلا لماماً.
يوقظ ليله، ويدأب نهاره، ونفسه لا تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث والتعمق، ينام على العلم إذا نام، ويستيقظ على العلم إذا قام، فكان العلم سمير قلبه، ولزيم لبه على الدوام، وأول شيء عنده في اليقظة، وآخر شيء عنده في المنام.
وذلك كما قال الشاعر الحماسي في محبوبته التي اغترقته جناناً وزماناً وشعوراً ووجداناً، فلم يكن في قلبه سواها، ولا يمر بخاطره سواها، وإنما هي منه في الظاهر والباطن، واليقظة والمنام.
أآخر شيء أنت في كل هجعة
           وأول شيء أنت عند هبوبي!
ومن كان العلم عنده بهذه المنزلة، جاء بالعجائب، وحظي بالرغائب، وغدا في الناس إماماً، وخلد له الذكر الحسن في الآخرين، والمآثر الباقيات الصالحات في الغابرين.
فالتمس العلم يا صاح وأجمل في الطلب، ولا تفرغ علمك من الأدب، فهو ملحه الذي يلذ به مطعمه، وفي هذا يقول الناظم:
فالتمس العلم وأجمل في الطلب
         والعلم لا يحصل إلا في الأدب
والأدب النافع حسن الصمت
            وفي كثير القول بعد المقت
فكن بحسن الصمت ما حييت
                مقارباً تحمد ما بقيت

ذو صلة
التعليقات