مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

الفنان أحمد صبري .. رائد فن البورتريه

يعد الفنان أحمد صبري، من أهم فناني البورتريه العرب، خلال النصف الأول من القرن العشرين، فمن ينظر إلى لوحاته في هذا الفن، يجزم بوجود موهبة فنية أصيلة، وأداء عبقري. برهن على عظمته من خلال روائعه الفنية، وأعماله الخالدة في فن البورتريه، إذ اتسمت بالتأمل والعمق والشموخ الإنساني، تأكد لنا عبرها، أنه لم يكن رساماً للوجوه تميز بموهبته وأدائه فقط؛ بل كان أعظم وأهم من ذلك، إنه حالة تستحق الاحترام والتبجيل، تقديراً لحبه وإخلاصه اللامحدود لفنه، ومواجهته لأصعب ظروف الحياة، لكي يثقل موهبته بالدراسة والاطلاع على أحدث ما يموج به الغرب من مدارس فنية.

مسيرته الفنية
ولد الفنان أحمد صبري في 19 أبريل من عام 1889م، بحي المغربلين بالدرب الأحمر، في مدينة القاهرة، لأبوين ينتميان إلى أصول تركية، ماتت أمه وهو في الثانية من عمره، ولحق بها الأب وهو في الثامنة، وتبدد استقراره، بعد أن لحق بهما الجد، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه النشأة البائسة على دراسته، التي تركها لسوء ظروفه، وكان يجد العزاء عنها في عزف الموسيقى، واكتشف في الوقت نفسه الميل للرسم، غير أن مخالطته لموسيقيين جعلته يظن أن الموسيقى هي طريقه، وشاءت الصدفة أن يتعرف على مدرسة للفنون الجميلة، أنشأها الأمير يوسف كمال، فالتحق بها عام 1911 م، وتخرج فيها عام 1916م، وفي هذه المدرسة تفتقت موهبته الفنية، من خلال الإطار المنهجي الذي أحيط به داخل المدرسة، ونال تشجيع أساتذته الذين كانوا من الأجانب في ذلك الوقت، أمثال باولو فورشيلا، وسيمون وبونوه، حيث فاق كل أفراد دفعته، وتفوق في رسم الوجوه، تفوقاً دفع أساتذته إلى ترشيحه في بعثة دراسية إلى فرنسا لدراسة الفن على نفقة الأمير يوسف كمال، غير أن ظروف الحرب العالمية الأولى حالت دون تحقيق هذا الحلم، وإن كان حلمه في السفر أكبر من ذلك، فقرر أن يبعث بنفسه إلى باريس بلد الفن في ذلك الوقت، ولكي يتحقق له ذلك، كان عليه أن يحصل على مال ولوازم ونفقات السفر، وكان لنبوغه في فن البورتريه أثر كبير في توفير نفقات رحلته، حيث أغرت بعض الأثرياء في التعامل معه، واستطاع بالقليل الذي كسبه، أن يسافر إلى باريس في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وهناك التقى بالفنان محمود مختار، الذي ساعده في الالتحاق بأكاديمية (شوميير) ثم أكاديمية (جوليان) إلا أن صبري لم يتمكن من الاستمرار في هذه الرحلة التعليمية، أكثر من ثلاث سنوات، بسبب نفاد القليل من المال الذي كان معه، والقليل الذي كسبه من رسم وجوه السياح في مونمارتراد أو أمام كنيسة (نوتردام). ثم عاد إلى القاهرة، إلا أن الفرصة عاودته هذه المرة لتحقيق ذاته فنياً في السفر إلى فرنسا مرة أخرى، عندما بعثته وزارة الأشغال العمومية في بعثة رسمية إلى باريس لاستكمال دراسته الفنية، وهناك تتلمذ على يد المصور (بول البيرلوران) ثم على يد (إيمانويل فوجيرا) حيث تأثر بهما أشد التأثر في فنه، وتركا بصمة واضحة على عالمه الفني، من حيث اعتبار الرسم هو أساس التصوير، ومن هنا جاءت عنايته بالخط الخارجي، وأهمية البناء في اللوحة، ومن هذا المنطلق اتخذ اللون عنده عمقاً وقيمة في بنية التكوين، لا مجرد طلاء سطحي، مع اختيار الوضع المثالي للنموذج والعناية بالتكوين. وعندما عاد للقاهرة عين رساماً للحشرات بوزارة الزراعة عام 1923م، ثم انتقل إلى وظيفة رسام بوزارة الأشغال، ثم تولى منصب أستاذ بمدرسة الفنون الجميلة العليا بقسم التصوير عام 1929م، حيث سعى لإنشاء القسم الحر، وأسندت إليه رئاسته لاقتناعه بأن هناك أفراداً موهوبين يستحقون التوجيه والدراسة لتنمية مواهبهم بغير تحديد للمؤهل أو السن، ثم أصبح بعد ذلك رئيساً لقسم التصوير النظامي، وظل في هذا المنصب إلى أن تقاعد في عام 1949م.
ولقد نال الفنان أحمد صبري عبر رحلته الفنية الطويلة في محراب الفن، العديد من الجوائز وشهادات التقدير، من أهمها: شهادة تقدير عن لوحة بعد القراءة من صالون باريس الدولي عام 1926م، ثم جائزة الشرف والميدالية الذهبية من جمعية الفنون الفرنسية عن لوحة تأملات أو الراهبة، وذلك في عام 1929م. كما حصل على الميدالية الأولى لفن التصوير من صالون القاهرة عام 1934م. وقد توفي الفنان أحمد صبري في الثامن من مارس عام 1955م.


 أسلوبه الفني
لقد اختار الفنان أحمد صبري بروح الناقد الأسس والمحاور التي بنى عليها أسلوباً خاصاً تفرد به عن باقي الفنانين، دون أن يقطع السبيل مع الأصول المرجعية لهذا الأسلوب. وقد وصف تلميذه وصديقه الفنان حسين بيكار تلك المحاور التي أقام عليها دعائم أسلوبه الفني بقوله: أخذ من التأثرية صفاء لونها، ومن الكلاسيكية جمالياتها، ومن الواقعية صدقها، ومن الفن المصري القديم شموخه. فقد اتسم أسلوبه الفني بكل هذا، وإن رجح المزاج أو المذاق المصري، في لوحاته بما احتوت عليه من رقة وشيء من التقشف، فمعظم لوحاته تتجنب الغنائيات الزخرفية، والتداعيات الروائية، التي حفلت بها لوحات العديد من الفنانين المعاصرين له، أمثال محمد ناجي ومحمود سعيد، وإن كان وجه الإنسان الفرد هو المحور الرئيس في إنتاجه الفني، حيث جاءت أعماله مرئية في بهجة من النور الوضاء المنشغل بهذا الإنسان الفرد، مع احترام ذاتيته سواءً أكان صاحب الشخصية طفلاً أم شيخاً أو مفكراً أو ساذجاً ذكراً أو أنثى، حيث برع في هذا الفن، الذي كان له فيه سمته الخاصة وألوانه المميزة بشفافيتها وتناسقها الجميل، من حيث التاريخ والتكوين والإحساس واختيار الزاوية، والمنظور العام للشخصية، فنرى عنده مساقط الظل تشعرنا بالموديل المرسوم، كأننا نحاوره ويحاورنا، مع براعة شديدة في استخدام خامتي الباستيل والزيت، حيث يعد الرائد الأول في التعامل مع خامة الباستيل، أما في الزيت، فقد كانت له طريقة تحترم إمكانيات الخامة، كما تحترم بنية الوجه، فكما يتكون الوجه من طبقات تحتية وظاهرية، فكذلك اللوحة عنده تتكون من طبقات مسامية متقنة، وقد أثر أسلوب التناول هذا على بعض أبناء الجيل التالي له من الفنانين، الذي مثل وجه الإنسان الركيزة المحورية في إبداعاتهم التشكيلية، مثل حسين بيكار، وصبري راغب، وعزالدين حمودة، وعبدالعزيز درويش، وجمال كامل.. وغيرهم من كبار فناني البورتريه من الأجيال التالية له.


أشهر أعماله الفنية
لقد ترك الفنان أحمد صبري العشرات من اللوحات الفنية في فن البورتريه، استطاع عبرها الخروج بهذا الفن من الواقع الفوتوغرافي إلى الواقع الفني، بما حملت أعماله من عمق فني وألوان دافئة ورقيقة، ذات طابع جمالي رفيع. ونتوقف هنا مع أشهر أعماله في هذا الفن:
فنبدأ مع لوحة تأملات أو الراهبة، هذه اللوحة التي تعد رائعة فنية، إذا ما قورنت بأعمال فناني عصر النهضة دافنشي ومايكل أنجلو، بشهادة أهل الفن ولجان التحكيم في باريس عام 1929م، حيث فازت بالميدالية الذهبية، والمركز الأول على فناني أوروبا وفرنسا بالتحديد، حيث تجلت في هذه اللوحة براعته وحساسيته وثقافته كأحسن ما يكون، ومن يتأمل هذه اللوحة يكتشف أنها حصاد لجهد طويل مع كلاسيكيات اللوفر تأملاً واستنساخاً ودراسة، ففيها استقرار كلاسيكي مألوف، وإن اتسم بالصرحية، وهي إحدى سمات أسلوبه الفني، مع إلغاء كل ما من شأنه أن يزاحم جوهر الموضوع، فوجهها يجمع بين السماحة والجدية والجمال المتعفف، وعيناها متألقتان تنظران إلى ما لا نهاية، وكل هذا محاط بغطاء الراهبة الأبيض.
وتأتي في المرتبة الثانية من حيث الشهرة، لوحة ما بعد القراءة، وهي لوحة تتناقض إلى حد ملحوظ، في أسلوب الأداء وزاوية التعبير مع لوحة الراهبة، ففي اللوحة الأولى أخلى الفنان الساحة بأكملها من كل ما يتناقض مع التقشف، من أجل إبراز التعبير المكثف لوجه الراهبة، بينما في اللوحة الثانية قد أغرق كل جزئية من جزئياتها في جو مخملي، يدعو إلى التأمل المسترخي، فظهرت الزهور البيضاء راقصة خلف السيدة، وانتشرت الزهور المرسومة على غطاء مسند تتكئ عليه، وامتدت أصداء هذا في شكل زخارف أخرى تتراقص على سطح الخلفية، حيث يسترخي الجسد واليدين، وتميل العين لا تنظر إلى شيء محدد، وتدعونا إلى نفس الشيء الذي يدعونا إليه ذلك الجو المخملي، حيث تشترك اللمسات البارعة المتنوعة في تشكيل نسيج ملمسي وضوئي ممتع. جمع في اللوحة بين موضوعين حبيبين إلى نفسه موضوع الوجه الإنساني، وموضوع الطبيعة الصامتة، في تكوين بالغ الإتقان.
هذا إلى جانب العديد من البورتريهات، التي رسمها لعلماء الدين وأعلام الأدب في عصره، والتي وثق عبرها مفردات ذاك الزمان من لباس وقيافة ونظام اجتماعي، وشهدت له كمصور فاقت لمساته قدرات الآلة وأجهزة التصوير، ومن أبرزها: بورتريه شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، حيث جلس أمامه، وأبدع في توثيق صورته للتاريخ بعمامة الأزهر وجبة المشيخة، موثقاً للعامة أن الرسم كان مباحاً بشهادة أهل العلم والدين. وأيضاً في رسوماته الشهيرة لأصدقائه من الأدباء، والذي كان في مقدمتهم عباس محمود العقاد الذي رسمه عدة مرات، حيث كان معذباً (للموديل)، فهو يعيد رسم اللوحة مرات ومرات، حتى يحصل على أجمل وضعية، وأدق تعبير، ولا يستطيع أن يتحمل هذا إلا صديق عزيز، لهذا يحتل الأصدقاء الموقع الأول والأخير في لوحاته في فن البورتريه.


 المرأة في فنه
لقد احتلت المرأة مكانة سامية في إبداعه الفني، ونجح في تصويرها كأيقونة جميلة، فهي الأم والابنة والزوجة، حيث أظهرها في أجمل أوضاعها وأكثرها عمقاً. وإن لم يخفِ دلالها وجاذبيتها، في بعض اللوحات؛ فإنه يظهره بشكل لا يخدش الحياء، فهو دلال عفيف، لا خوف منه أو عليه، فنساؤه وديعات يكسو وجوههن سمو وإباء، وقد ظهر لنا ذلك جلياً في العديد من لوحاته الفنية، التي تناول فيها عالم المرأة كلوحة ذات العقد، والسيدة والمروحة، وعازفة العود، وذات الرداء الأزرق، وهي اللوحة التي لم يكملها.
أخيراً
وفي النهاية نقول: بالرغم من تركيز أعمال الفنان أحمد صبري على الصورة الشخصية للإنسان؛ فإن تناوله لها جاء مختلفاً تمام الاختلاف، فلوحاته نراها كما لم نرها عند غيره من الفنانين الذين تخصصوا في فن البورتريه، بما خلق فيها من تحول يكاد يكون جذرياً، وبما اتسمت به من دفء لوني وحيوية المعالجة، ففي كل أعماله يتأكد لنا الملمح الدائم لفنه، ألا وهو الصرحية ومثالية التعبير، وتماسك التكوين، والدعوة إلى التواصل مع الحقائق الجميلة والبسيطة.

ذو صلة
التعليقات