مجلة شهرية - العدد (503)  | ذو القعدة 1439 هـ- سبتمبر 2018 م

طاهر زمخشري في رباعياته الشعرية

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي كان يقيم في تونس عدد من الأشقاء الشعراء والأدباء من مختلف البلدان العربية، من الجزائر، وليبيا، والعراق، وفلسطين، والكويت، والمملكة العربية السعودية. ومن هذه الأخيرة جاء إلى تونس ليقيم فيها وبين أفراد شعبها (بابا طاهر) كما يلقب في السعودية، أعني الشاعر الكبير (طاهر زمخشري) -رحمه الله-، ذلك المحبّ المتيّم بتونس: طبيعة وناساً، والذين كانوا مصدراً لإلهاماته وشاعريّته، فقد كان هو وإخوانه الأدباء القادمون من المشرق والمغرب يجدون في تونس الملاذ الآمن، إن صحّ التعبير، سماحة وأريحية وسعة صدر، ويجدون من أهل تونس، لا سيما أدبائها ومفكريها وشعرائها: كرم الضيافة لا لغاية ومصلحة شخصية ظرفيّة وإنما هي السجيّة والتلقائيّة والأخوة الحقيقية التي لا تشوبها شائبة.
كان الشاعر طاهر زمخشري يتنقل بين تونس العاصمة وأحوازها وسوسة ومختلف مدن السّاحل، حيث له العديد من الأصدقاء الحميمين. وفي أحواز العاصمة اختار زمخشري الإقامة بمدينة أريانة حيث يضع على ذمته صديقه القاضي الفاضل التهامي شنينه -رحمه الله- منزله (فيلا جميلة تقع في الشارع الرئيسي) عندما يغادرها لقضاء عطلته الصيفية السنوية في مسقط رأسه بمدينة تطاوين التي ظلّ متعلقاً بها وبأهلها خصوصاً ذوي أرحامه إلى آخر أيّام حياته. وقد عمّر -رحمه الله- حيث عاش قرابة مئة سنة في صحّة وعافية.
خلال تلك الفترة عرفت الشاعر طاهر زمخشري -رحمه الله-، وكنت ألتقي به في مقر شركة فنون الرسم للطباعة والنشر بمقرّها بنهج المنجي سليم بتونس العاصمة، وكانت هذه المطبعة تجتمع فيها نخبة المثقفين والأدباء والشعراء من مختلف الأجيال: (محمد مزالي، والعروسي المطوي، والميداني بن صالح، والبشير بن سلامة، ونور الدين صمود، وجعفر ماجد، ويحيى محمد، والبشير العريبي، والحبيب المستاوي... وغيرهم)، فقد كانت هذه الشركة تطبع محلات الفكر وجوهر الإسلام والقصص والإذاعة والتلفزة، وكثيراً مما صدر في تلك الفترة من كتب.
كان زمخشري يلتقي تلك الصفوة في المطبعة وفي النوادي والفضاءات الخاصة في مجالس أدب وثقافة مليئة بالفوائد والملح والتي لو وثقت لاستفادت منها الأجيال التالية، ولكن هكذا يموت مع هؤلاء الأعلام الكبار من الأدباء والشعراء والفقهاء رصيد حضاري وثقافي ثريّ ويتكرّر ذلك مع الأسف الشديد!.
أصدر الشاعر زمخشري عدداً من الدواوين الشعريّة. البعض منها أصدره في تونس. وإذا كان يغلب على أمثال زمخشري من الشعراء الكبار ما تميّزوا به قديماً وحديثاً من غزل ومديح وهجاء وترويح وتغنّ بمجالس الطرب؛ فإن لـ(طاهر زمخشري) نفحات روحيّة وتوهجات إيمانيّة، وآمالاً وتطلعات قومية عروبية وإسلامية، وتغنياً بالقيم الإنسانيّة الخالدة التي ظلت إلى عالم المثال والخيال أقرب منها إلى عالم الواقع المرير المليء بالظلم والعدوان والامتهان لكرامة وحقوق الإنسان الذي تغتصب أرضه وتنتهك حرماته ومقدّساته، ويمثّل اغتصاب فلسطين وتهجير شعبها وتدنيس أقدس مقدّساتها أجلى مظاهرها.
وقد تضمن هذه المشاعر الرقيقة الصادقة والمؤثرة النابعة من أعماق أعماق الشاعر  زمخشري -رحمه الله- ديوانه الصادر بتونس سنة 1985 والذي يحمل عنوان (من الخيام)، إشارة إلى خيام اللاجئين الفلسطنيين التي انطلقت منها شرارة الثورة الفلسطينية التي لا تزال ماضية إلى هدفها في صمود ودفاع مستميت عن الأرض المباركة.
ديوان (من الخيام) هو واحد من دواوين زمخشري التي تحمل عناوين: أحلام الربيع، همسات، أصداء، أنفاس الربيع، على الضفاف، أغاريد الصحراء، عودة الغريب، ألحان مغترب، لبيك، وغيرها من الدواوين الشعرية الراقية والرائعة.
ديوان (من الخيام) في أغلبه رباعيات قصيرة جاءت تحت عناوين: في ظلال الإسلام، من صعيد عرفات، عروبة وإسلام، سلاح الصمت، دعاء، مع ضمير الإنسان صوت الجهاد، هدية الوطن، دعاء السلام... مع ضمير الإنسان، هدايا الدمار، صوت الجهاد، دم الثأر، دعاة السلام... من الخيام انتصار الحق... يا بني الضاد الشهيد، يوم الكرامة إلى غير ذلك من عناوين الرباعيّات التي هي من وحي محنة العرب في فلسطين التي لا تزال قائمة تستصرخ الضمير الإنساني وليس الضمير العربي والإسلامي فقط، ولكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي.
لا أريد أن أنهي هذه التحية للشاعر المخضرم  دون أن أورد نتفاً من رباعيات ديوان (من الخيام) الذي كان في تونس إصداره سنة 1405هـ / 1985م.
يقول في مقطوعة تحمل عنوان في ظلال الإسلام:
المواثيق سطور في دمانا
والبراهين حقول في حمانا
أخصبت من يده وازدهرت
ثم أعطتنا فجاشت بحمانا
وانطلقنا نحصد الخير وقد
هتف الراعي ونادى فشجانا
ويقول زمخشري في مقطوعة أخرى تحمل عنوان من صعيد عرفات:
يا روابي الهدى ذنوب جسام
كبلتنا وعرقلت مسعانا
وإلى الله مذنبين التجأنا
واعترفنا بما اقترفنا وكانا
فلقد مزّق التصدّع شملاً
ولقينا من الغد عدوانا...
وتحت عنوان عروبة وإسلام آخر جاء ما يلي:
عروبتنا تنادي بالسلام
وتدعو الظامئين إلى الوئام
تلملمهم على ورد التآخي
وتجمع شملهم بعد انقسام
وتسكب من عذوبتها رحيقاً
وتروى بالمحبّة كل ظامي
وتحت عنوان سلاح الصمت نقرأ الأبيات التالية:
يا ضمير الإنسان حتّام
تغفو في خضم مزمجر التيار
واللظى في مداه يعبث بالسلـ
ـم وتلهو الخطوب بالنظار
ويتوجه زمخشري إلى ربّه بمناجاة تعبر عن شفافية روحية قوية:
لجأت إليك يا ربّي لأنّي
إلى رحمات فيضك مطمئن
ولم أجزع ولم أضجر لعلمي
بأنّ جميل لطفك بي أحنّ
وتعطى كل من يرجوك سؤلاً
بجود لا يحدّ ولا يضنّ
وتحت عنوان مع ضمير الإنسان نقرأ تأملات يعبر بها الشاعر عمّا تنطوي عليه روحه من رضا وحبّ وتفويض وتسليم. يقول:
يا صميم الحياة إنّ فؤادي
لم يزل بالرضا يرفّ سعيدا
أحمل الحب في الحنايا وأهفو
وأصوغ الحبّات مني نشيدا
فإذا أجدبت صحارى حياتي
فسأعطي بيض الأماني جهودا
وبها أعبر الدروب وأمضي
نحو ما أبتغي معدّاً حليدا
وأختم بإيراد رباعية صوت الجهاد، يقول فيها:
يا دموع الأيتام في كلّ شبر
من ثرانا والثّأر فينا ينوح
والأيامى بين الخيام نثار
بعثرتها على الأديم الجروح
المروءات في حياء توارت
والضحايا من الرموس تصيح
وهي تدعو إلى الجهاد نفوساً
تتنادى وصوتها مبحوح

ذو صلة
التعليقات