مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

كيف يواكب العرب التقدم العلمي

في مسرحية علي سالم الشهيرة (مدرسة المشاغبين)، يعلن (بهجت الأباصيري) الشاب المشاغب الذي كان يقوم بدوره الفنان عادل إمام، أن (العلم لا يكيَّل بالبتنجان). وهذا هو التعبير الشعبي المصري عن نبات الباذنجان، الذي استحضره الكاتب ساخراً من المثل المعروف بأن (العلم لا يكيل بالمال) الذي لم يتذكره الأباصيري حين باغتته مدرسة الفلسفة بغزارة علمها. وكانت الوزارة قد أرسلتها إليهم لإنقاذ ذاك الفصل المدرسي المغرق في الفشل.

حضرني ذلك المشهد من المسرحية، خلال الأسبوع الماضي، حين زار مستشفى (جونز هوبكنز) العريق حيث أعمل بمدينة بالتيمور، البروفيسور (فردريك لانج) القادم من جامعة (إم دي أندرسون) بولاية تكساس، ليعرض علينا أحدث ما توصل إليه فريق عمله في مجال سرطان المخ المعروف بـ(جلايوبلاستوما) أو باختصار (جلايوما) والذي يمثل ثلث إصابات سرطان المخ. ويعد تشخيص الـ(جلايوبلاستوما) حتى الآن بمثابة شهادة وفاة للمريض، لسرعة انقسامات خلاياه، ولحتمية رجوعه لدماغ المريض حتى لو تم استئصاله بالكامل عبر التدخل الجراحي.
شرح العالم الجراح تجارب فريق العمل الذي يقوده، على التجارب (قبل الإكلينيكية) على فئران التجارب. وهنا أود أن أشير إلى النموذج العلمي المعمول به في ربوع الأرض بخصوص البحث العلمي. ففي البداية ينبغي أن ترصد ملاحظة ما، وهي في حالتنا على سبيل المثال، سرعة انقسام خلايا الجلايوما الفائقة، ومعاودتها للمريض. ثم عليك أن تطرح تساؤلاً بخصوص البحث الذي تود الخوض فيه، وهنا يصير السؤال الملح هو كيف تستغل سلوك الخلايا السرطانية لصالح المريض؟ ثم عليك بعدها أن تطرح نظرية تحاول إثباتها خلال بحثك، ثم تبدأ في إجراء تجاربك على حيوانات لاختبار صحة نظريتك من انعدامها. تلك هي التجارب قبل الإكلينيكية، التي يعقبها حال نجاحها إجراء تجارب على مرضى من البشر عبر التجارب الإكلينيكية.
أعود هنا إلى محاضرة البروفيسور لانج.. لاحظ فريق العمل أن خلايا الجلايوما تتكاثر بسرعة فائقة لأنها تنهك خلايا المناعة الطبيعية للمريض. ولاحظوا أيضاً أن ذات السلوك عينه يعمل خلاله أحد الفيروسات المحددة عند الإصابة بها. وهنا يأتي السؤال: ماذا لو جعلنا هذا الفيروس يحارب خلايا الجلايوما إذا ما وجهناه نحوها؟ وهنا استعرض البروفيسور الزائر نتائج أبحاث فريقه على فئران حقنوها بخلايا الجلايوما السرطانية، ثم قسموها إلى فريقين، حقنوا نصفها بالفيروس وأبقوا النصف الآخر من دون حقن. ثم فحصوا الأنسجة المخيِّة المصابة، فوجدوا أن الفريق الذي حُقن بالفيروس قلت نسبة الإصابة عنده أقل بنسبة ذات دلالة معتبرة، تشير إلى نجاح فريق العمل في إثبات نظريتهم.
إذن فالأمر ليس اعتباطياً، بل يمضي البحث العلمي عبر طريق طويل وشاق، لكنه يؤدي حتماً إلى اختراع أو اكتشاف ما يفيد الإنسانية بصفة عامة. وبالطبع لم يعرض علينا البروفيسور الزائر تجاربه العديدة التي فشل حتماً خلالها في أن يطرح السؤال الصحيح، أو أن يثبت خلالها نظرية ما تفيد تلك التجارب. وهذا بالطبع ليس خجلاً من جانبه، أو تعمد إخفاء فشله أمام علماء من أقرانه. إنما لأن تلك هي طبيعة البحث العلمي. فالمفروض أن تثبت صحة نظرية ما، بينما تعبر فوق عدة تجارب فاشلة ينبغي لك أن تجتاز خلالها.
قبل عشر سنوات، كان متوسط عمر الإنسان يقل حوالي اثني عشر عاماً بالمقارنة بما هو عليه اليوم. وسوف يتزايد عمر الإنسان على الأرض تباعاً بسبب إنجازات البحث العلمي تلك. ليس هذا فحسب، بل أن نمط حياتنا سوف يرتقي كذلك، بموجب الاختراعات والاكتشافات، في المجال الطبي وفي شتى الجوانب التي تمس حيواتنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فسهولة الاتصالات على سبيل المثال أتاحت لأن يعرض عليّ طبيب زميل بمصر حالة متدهورة لمريض لديه، استطعت عبر آلاف الكيلومترات أن أساعده في تشخيص المرض وعلاجه بنجاح، ساهم في إنقاذ المريض وتعافيه، من دون مشقة السفر، الذي كان على العكس سوف يستغرق وقتاً قد لا تتحمله حالة المريض المتردية.
وفي نفس الأسبوع على الجانب الآخر نشرت بعض الصحف المصرية خبراً طالعته، فصدمني. يشيد الخبر بإنجاز علمي فذ لطبيب مصري حقن رحم امرأة بـ(ماء زمزم) لأنها تعاني من إجهاض متكرر. لم أهتم بنتيجة الحقن على المريضة لأن الأمر برمته بدا دجلاً لا يرقى لمستوى التحقق من نتيجته، لكن التبجح الذي آلمني شخصياً، هو الزعم بإشادة الدوائر العلمية بهذا الإنجاز الرائع، بل ونشر بحث الطبيب بإحدى المجلات الطبية. بالطبع سارعت وفتشت عن صحة الخبر، فوجدت البحث منشوراً في مجلة تدعى (المجلة الدولية للأبحاث العلمية والهندسية)، في شهر أغسطس لعام 2017. وفريق العمل بجملته يبدون كأفراد عائلة واحدة من خلال أسمائهم المتشابهة.
تجرأت فقرأت البحث المزعوم عن امرأة في التاسعة والثلاثين عانت من الإجهاض المتكرر 36 مرة بدون سبب واضح. قام فريق العمل بإقناعها وزوجها بحقن ماء زمزم بداخل رحمها، فوافقا، فتحقق لها حملاً مكتملاً وأنجبت طفلاً طبيعياً. فزعني أولاً كم الأخطاء الإملائية في متن الورقة المنشورة في مجلة مجهولة، من المفترض أن تكون علمية. ثم هالني غياب أي نموذج علمي كالذي عرضته من قبل، بل وتجرأ فريق العمل على حقن المريضة بمادة لم يسبق أن فحصوا تأثير حقنها على رحم حيوان قبل أن تخضع هذه المرأة للتجربة، التي كانت تحتمل الخطأ بالطبع.
أدعوكم لتأمل سلوك الباحثين السالفين، لنتوقع معاً ماذا يكون عليه حال العرب إن لم يواكبوا التطور العلمي الهائل الذي نحيا مستمتعين بإنجازاته. وما الذي سيقدمه العرب بدورهم للإنسانية؟، اللهم إلا مواد للضحك والتسلية.

ذو صلة
التعليقات