مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

المستقبل يبدأ الآن لمن يريد

 أفضل الطرق لاستشراف المستقبل هو أن تخترعه بنفسك، هكذا تفكر الدول المتقدمة ومراكز الأبحاث الدولية وشعارها (أي شيء غير مستحيل هو ممكن! إن لم يكن اليوم، فبمزيد من البحث العلمي سيغدو كذلك).
وستمكن العلوم الإنسان من بناء عالم يكون قادراً فيه على فهم المعادلات الكونية وتسخيرها لخدمته، في مقاومة المرض ومحاربة الشيخوخة، والسيطرة على المناخ، وتوليد طاقة نظيفة، والحصول على نقل سريع وتطويع المواد لمهام متقدمة وجديدة، وها هو ستيفن هوكنج (أشهر عالم فيزيائي على قيد الحياة، وأستاذ كرسي للرياضيات في جامعة كامبردج) يصرح باقترابنا من التوصل لنظرية كل شيء، وهي مجموعة من المعادلات الرياضية تشرح البنية الكاملة وراء كل ظواهر الكون مما سيتيح في المستقبل القريب فهماً أكبر لمعادلات الطاقة والفضاء الخارجي والنقل الفوري البعيد ومحركات مضاد المادة والتحكم في التغييرات المناخية.


تطور العلم ومستقبل الطب
في المستقبل القريب ستتطور المعدات الطبية أكثر وبتسارع تقدم البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية وأبحاث الخلايا الجذعية والجينات البشرية، سيصبح من الممكن اكتشاف خلايا السرطان وعلاجها بسهولة متناهية، كذلك التوصل إلى تشخيص ومتابعة الأمراض المزمنة من خلال كاميرات متناهية الصغر تسبح في جسم الإنسان وتقوم بتغذية راجعة عن وضع أجهزة الجسم دون الحاجة للمختبر التقليدي، ومع تقدم العلوم أكثر سيصبح الضرير قادراً على الرؤية بتقنيات حديثة، والأصم قادراً على السمع، والمصاب بالشلل قادراً على الحركة من جديد، ومن خلال أبحاث الجينوم البشري يمكننا حل شيفرة الكثير من الأمراض الخطيرة وسنتمكن من إنتاج أدوية معدلة تناسب كل فرد بذاته، وهكذا ليس من المستبعد أن يرتفع متوسط العمر وتزداد نسبة الأشخاص الذين يبلغون المئة سنة بصحة جيدة.
المباني ستكون ذكية وموفرة للطاقة. وبتنامي ثورة المجسات ستكون هذه الشرائح متناهية الصغر في كل أرجاء المنزل تقيس كل شيء من الحرارة والرطوبة والهواء وكذلك أي تسرب في الملوثات أو الغازات، ستكون قادرة على إدامة جو آمن ومريح ومراقبة الأعمال المنزلية وتدبيرها، وكذلك مراقبة المنزل وزيادة معدلات الأمان، ولمواجهة نقص الغذاء ستخصص الطوابق العليا لتكون بمثابة مزارع للمحاصيل الغذائية الكثيفة.


السيارات المستقبلية
ومن المؤكد أن سيارات المستقبل ستكون ذكية أيضاً وموفرة للطاقة، آمنة وذاتية القيادة، وغالباً ما ستكون قادرة على التحول للطيران، وقد لا يعرف الكثيرون أن هناك شركات أمريكية بدأت بالفعل بصناعة نماذج أولية للسيارات المستقبلية القادرة على الطيران (تيرافيجن)، وقريباً سنعيش ثورة في النقل وحركة الأفراد علاوة على تسارع القدرة على نقل الأشخاص بسرعة فائقة بحيث لن يستغرق السفر بين أبعد نقطتين على هذا الكوكب ساعات محدودة.
 سوف يستمر الإنترنت بالتطور وستتوافر مواد جديدة ذكية تعتمد في بنائها على الغرافين وتكنولوجيا النانو والطباعة ثلاثية الأبعاد مما سيخلق ثورة في مجال التعليم تجعل الطلاب يعيشون التجارب العلمية بصورة مجسدة ومن خلال التقدم الهائل في مجال الاتصالات سنزور أبعد الأماكن ونتجول في المتاحف ونتعرف على الحضارات عبر العصور بشكل غير مسبوق. سيتيح الذكاء الاصطناعي القدرة على تحليل بيانات هائلة وبسرعة ودقة متناهية مما سيسارع معدلات البحث العلمي والابتكار الصناعي.
 تحمل الثورة العلمية وتطبيقاتها أخطاراً أيضاً، فبالرغم من أن تطبيقات التكنولوجيا الحيوية ستقدم الكثير للبشرية إلا أنه إذا أسيء استخدامها فقد تتسبب في وقوع أخطاء حيوية، أو إرهاب حيوي، حيث إن البكتيريا المعدلة وراثياً أو الفيروسات الفتاكة قد تقع في أيدي إرهابيين ما يتسبب في دمار شامل من الصعب تقدير مداه، كما أن الذكاء الاصطناعي الهائل وتقنية الربوت قد تحمل الرفاهية للبشرية، ولكنها في الأيدي الخاطئة قد تؤدي إلى إعادة عصور العبودية والظلام من جديد، وكما قال جيم ماكلير: (في يوم ما في الثلاثين سنة المقبلة، سنتوقف عن كوننا الأذكى على سطح الأرض)، ويجب أن نستعد لذلك بمنظومة جديدة من القوانين.
 التقدم الصحي الهائل قد يؤدي إلى انفجار سكاني عالمي بهرم عمري مقلوب ما يشكل استنزافاً وضغوطاً هائلة على الموارد المادية والطبيعية ويخلق تحديات جديدة تحتاج إلى تعاون عالمي ربما لا يتوفر.

تطور عالمي متسارع
هناك تطور عالمي متسارع نحو توحيد الجهود العلمية دولياً فمن عمل الفريق الدولي المعني برسم خرائط التغير المناخي إلى المشروع الدولي للجينوم البشري وتطبيقاته ومحطة الفضاء الدولي وأبحاثها المشتركة وكذلك اكتشاف بوزون هيجز في مصادم الهيدرونات الكبير، وكما يبدو أن المؤسسات البحثية المتقدمة في الدول الكبرى تتجه نحو التكامل والتنافس الإيجابي للدخول في مشروعات كبرى ومكلفة لا تستطيع أمة واحدة أو جامعة بعينها أن تقوم بها مما يخلق إمكانات هائلة لمنفعة البشرية جمعاء وهذا يخلق تحدياً جديداً لكل الدول من خلال المشاركة في صناعة المستقبل أو على الأقل من خلال بحث سبل التأقلم مع المتغيرات والاستفادة منها وتجنب أخطارها.
مع تقدم العلم سيتراجع نصيب المواد الأولية الخام في التجارة العالمية وفي نفس الوقت ستزداد قيمة المنتجات الحديثة الناتجة عن ثورة الإلكترونيات والمعلومات والهندسة الوراثية في التجارة العالمية، كما ستزداد أهمية التطور التقني والعلمي في مجالات الاقتصاد والسياسة والثروة علاوة على الهيبة والمكانة الدولية والقدرة على التأثير والنفوذ.


أين موقع العرب؟
ما هو موقع العرب من هذا التطور العلمي العالمي؟ وما هو دورهم في صنع المستقبل؟
 نعم، هناك نقاط مضيئة فبعض الجامعات تتقدم في طريق البحث العلمي إلا أنه على العموم ليست لدينا حتى الآن منظومة علمية متكاملة وقاعدة صناعية علمية، وما ينفق على البحوث العلمية والتطوير أدنى بكثير من معدلات الإنفاق العالمية والدولية في هذا المجال منسوباً إلى الناتج القومي الإجمالي، وعلى الرغم من أن هناك الكثير من العلماء العرب في المؤسسات البحثية الغربية فإن البيئة العربية مازالت طاردة للعلماء وعاجزة عن استيعابهم ولا توجد جامعات بحثية متخصصة تقوم بتوظيف أساليب البحث العلمي في حل المشكلات بشكل مكثف ومؤسسي، رغم أن هناك محاولات لتوطين التكنولوجيا عربياً إلا أن سوء التخطيط وفشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفشل الذريع في التربية والعلوم جعلنا نعتمد على المؤسسات البحثية الغربية في حل مشكلاتنا ودراستها ولا يزال شعار (اصنع مستقبلك بنفسك قبل أن يصنعه الآخرون) حبراً على ورق في كثير من الحالات.

ذو صلة
التعليقات

   د رلى الدسوقي
   Hidrrula@yahoo.com
   الأردن -الاردن
   الإثنين 22/01/2018

معظم ماورد في المقال يبدو قريبا من التحقق ومستقبل العلم في تطور غير مسبوق ولكن نلاحظ ان الانسان ربما لن ينعم بالعداله عند الحديث عن توزيع نواتج العلم على البشريه فالقوي سيستفيد ويحتكر التقدم اما الشعوب الضعيفه فسيتم اخضاعها واستثنائها من الغنيمه وعن عالمنا العربي حدث ولا حرج نحن في واد والعلم في واد اخر مع ما يتبع ذلك من مزيد من التشرذم والاستعباد وتراجع الدور والهويه