مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

العلم..أمل الأمم والشعوب والمستقبل

لا شك أن العلم هو مستقبل الأمم والشعوب وأملها الوحيد في تحقيق نهضة حقيقية تستطيع من خلالها توفير حياة أفضل لشعوبها، فالاهتمام بالعلم يعني لدى الشعوب المتحضرة الاهتمام بالمستقبل، لذا يتم تخصيص الميزانيات المناسبة له والبيئة الحاضنة والمشجعة على الاكتشاف والابتكار. ولقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطوراً وتقدماً غير مسبوق من حيث الاهتمام بالعلم في كافة المجالات الطبية والصناعية والتكنولوجية والزراعية وغيرها، فتطورت عجلة العلم بشكل سريع، وأصبح الإنسان أكثر قدرة على الاستفادة من هذا التطور وتطويعه لخدمة البشرية، فظهرت العديد من الاكتشافات والاختراعات والمشروعات العلمية الحديثة، ما أسهم بشكل كبير في إحداث طفرة هائلة في جميع مناحي الحياة. وإذا كان القرن العشرون قد شهد العديد من الاكتشافات والابتكارات العلمية المذهلة حتى أطلق عليه (قرن الثورات العلمية المتلاحقة)، فقد شهد ثورات الطيران والصواريخ وغزو الفضاء والاتصالات والرادار والتلفزيون والأقمار الصناعية والكمبيوتر والإنترنت، والاستنساخ، وثورة الهندسة الوراثية، والنانو تكنولوجي، والحروب الإلكترونية، ودخلنا في هذا القرن عصري الطاقة النووية والشمسية بعدما كان الإنسان يعتمد على الفحم والنفط.

فإنه من المنتظر أن يشهد القرن الحادي والعشرون ثورة علمية ومعلوماتية غير مسبوقة تجيب على كثير من الأسئلة التي لم تكن لتخطر على البال، يتعاظم فيها دور التكنولوجيا بشكل كبير، من أبرز معالمها الانتقال من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلوماتية والمعرفة، والانتقال من التكنولوجيا الصناعية إلى التكنولوجيا رفيعة المستوى وأبرزها الحواسيب المتقدمة والروبوتات، والانتقال من الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد العالمي، والانتقال من التفكير قصير المدى إلى التخطيط طويل المدى، والانتقال من المركزية إلى اللامركزية، والاهتمام الكبير بالبحث العلمي بمجالاته المختلفة، حيث تحاول كل دولة جاهدة أن تعد أبناءها بشكل جيد للتفاعل بنجاح مع كافة المتغيرات والتحديات التي من المتوقع أن تطرأ على حياتهم الآنية والمستقبلية نتيجة لهذا التطور العلمي المتسارع، وذلك لضمان التكيف الناجح معها بما يسهم في تطور المجتمعات وتقدمها.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن العالم ينفق نحو 2,1 % من مجمل دخله الوطني على مجالات البحث العلمي، أي ما يساوي نحو 536 بليون دولار. ويعمل في مؤسسات البحث العلمي في العالم ما يقارب 3,4 مليون باحث، أي بمعدل 1,3 باحث لكل ألف من القوى العاملة. وقد قدر إنفاق الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير بما يقارب 417 بليون دولار، وهو ما يتجاوز ثلاثة أرباع إجمالي الإنفاق العالمي بأسره على البحث العلمي. والولايات المتحدة وحدها تنفق سنوياً على البحث العلمي أكثر من 168 بليون دولار، أي نحو 32 % من مجمل ما ينفق العالم كله. وتأتي اليابان بعد الولايات المتحدة: 130 بليون دولار، أي ما يوازي أكثر من 24 % من إنفاق دول العالم. ثم يتوالى بعد ذلك ترتيب دول العالم المتقدم: ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، كندا، ليكون مجموع ما تنفقه الدول السبع أكثر من 420 بليون دولار. ففي هذه الدول السبع مليونان و265 ألف باحث، يمثلون أكثر من 66 % من مجموع الباحثين في العالم، ويكلف كل باحث منهم نحو 185 ألف دولار في السنة.
وقد تصدرت الدول الإسكندنافية قائمة الدول الأوروبية الداعمة للبحث والابتكارات، وذلك بالنسبة إلى نواتجها القومية، فجاءت النسب التي خصصتها تلك الدول للبحث والتطوير على هذا النحو: السويد 4.27 %، فنلندا 3.51 %، الدنمارك 2.6 %. وتأتي بولندا بنسبة 0.59 % في المرتبة الأخيرة بين الدول الأوروبية. كما بلغت ميزانية الاتحاد الأوروبي للبحث العلمي من 2002م إلى 2006م 17.5 بليون يورو، وهي تمثل 3.9 % من الموازنة الإجمالية للاتحاد الأوروبي في العام 2001م. وفي أقل من عقدين من الزمان تضاعف تمويل البرامج المشتركة للبحث العلمي 366 %. وفي مصادر أخرى بلغت ميزانية الاتحاد الأوربي للبحث العلمي خلال الفترة من 2007 إلى 2014م نحو 300 بليون يورو. وتولي دول جنوب وشرق آسيا أهمية متزايدة للبحث والتطوير، فقد رفعت كوريا الجنوبية نسبة إنفاقها على البحث والتطوير، من 0.6 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1980م إلى 2.89 % في العام 1997م، ووجهت اهتمامها نحو الإلكترونيات، وعلوم البحار والمحيطات، وتقنيات البيئة، وتقنيات المعلومات، وأدوات التقييس، والمواد الجديدة، وعلوم الفضاء والطيران. ووفق مصادر أخرى فقد رفعت كوريا الجنوبية ميزانية البحث العلمي إلى ما يقرب من 4 % في العام 2010م لتصل ميزانيتها إلى 11.5 مليار. أما الصين فقد خططت لرفع نسبة إنفاقها على البحث والتطوير من 0.5 % من إجمالي الناتج المحلي في العام 1995م إلى 1.5 % في العام 2000م، ووجهت أيضاً أهداف خطتها الخمسية خلال تلك الفترة نحو تحسين تطبيقات التقنية في قطاع الزراعة، وتطوير البنية الأساس الوطنية للمعلومات، وزيادة التطوير في عمليات التصنيع. وقد ارتفعت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في الصين مؤخراً إلى ما يقرب من 2.5 % من إجمالي الإنفاق القومي، فقد بلغت ميزانية الصين للبحث العلمي ما يقرب من 136 مليار دولار في الوقت الذي لم تتجاوز فيه هذه الميزانية 30 مليار دولار فقط في العام 2005م.
أما باقي دول العالم، ومنها الدول العربية، فلا يتجاوز إنفاقها على البحث العلمي أكثر من 116 بليون دولار. من بينها 535 مليون دولار للدول العربية مجتمعة، أي ما يساوي 11 في الألف من الدخل القومي لتلك البقية من العالم، كما أن جملة الباحثين في الوطن العربي هم أقل من 16 ألف باحث، وتكلفة الباحث الواحد في السنة لا تتعدى 36 ألف دولار. وفي إحصائيات صادرة عن الجامعة العربية في العام 2006م أنه يقابل كل مليون عربي 318 باحثاً، في الوقت الذي تصل فيه النسبة في الغرب إلى 4500 باحث لكل مليون شخص. ويشير تقرير اليونسكو للعلوم حتى 2030 أن كثيراً من دول العالم، حتى النامية منها، أبدت اهتماماً كبيراً بتطوير مجالات العلوم والتكنولوجيا وإنشاء مراكز للابتكارات والاختراعات، وتدريب المهنيين، ورصدت الميزانيات الضخمة لذلك، وعلى سبيل المثال، فإن المملكة العربية السعودية حققت نمواً استثنائياً في حجم النشر العلمي على مدار العقد الماضي فهناك جامعتان سعوديتان ضمن أفضل 500 جامعة على مستوى العالم، وفي عام 2015 أعلنت المملكة العربية السعودية برنامجها لتطوير الطاقة الشمسية، كما تخطط المملكة العربية السعودية لإنشاء 500 مدرسة تدريب مهني لتقليل اعتمادها على العمالة الأجنبية، والتي سيخصص نصفها للفتيات في سن المراهقة. وتشير الإحصائيات إلى أن المملكة العربية السعودية تنفق نحو 6.75 بليون ريال (1.8 بليون دولار) سنوياً على البحث العلمي، في الوقت الذي يقدر فيه حجم إنفاق الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي بنحو 20 بليون ريال (5.31 بليون دولار)، حيث جاءت المملكة في المرتبة الـ37 عالمياً في الإنفاق على البحث العلمي. واحتلت السعودية المرتبة الأولى عربياً في الإنفاق على البحث والتطوير، حيث ارتفعت نسبة الإنفاق على البحث العلمي من 0.4 % عام 2010، إلى نسبة 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، لتصبح المملكة الأولى على المستوى العربي، وتبوأت موقعاً متقدماً في تقرير التعاون البحثي بين الجامعات والصناعة لعام 2010، حيث احتلت المرتبة 33 بين 139 دولة، كما احتلت المرتبة الأولى عربياً بفارق كبير في عدد براءات الاختراع المسجلة عالمياً، حيث سجلت نحو 45 % من مجمل المسجل من العالم العربي، وكذلك ارتفاع أداء المملكة في مؤشر اقتصاد المعرفة، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر التنافسية العالمي من المرتبة 35 عام 2007 إلى المرتبة 17 خلال عام 2011م من بين 142 دولة. كذلك فإن المملكة العربية السعودية رصدت خلال السنوات الأخيرة ميزانيات ضخمة لمشروع الابتعاث للخارج الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود -يرحمه الله- في عام 1426هـ بواقع ثلاث مراحل مدة كل واحدة منها خمس سنوات، حيث كان من بين أبرز أهداف البرنامج ابتعاث الكفاءات السعودية المؤهلة للدراسة في أفضل الجامعات في مختلف دول العالم، والعمل على إيجاد مستوى عال من المعايير الأكاديمية والمهنية من خلال برنامج الابتعاث، وتبادل الخبرات العلمية والتربوية والثقافية مع مختلف دول العالم، وبناء كوادر سعودية مؤهلة ومحترفة في بيئة العمل، والرفع من مستوى الاحترافية المهنية وتطويرها لدى الكوادر السعودية. وقد خضع البرنامج خلال مشواره ومسيرته المباركة للعديد من الخطوات والإجراءات بهدف التحسين والتطوير من الأداء، وقد شمل تخصصات عديدة من بينها الطب وطب الأسنان، والعلوم الطبية، والهندسة، والحاسب الآلي بجميع تخصصاته، إضافة إلى العلوم الأساسية (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الأحياء)، بالإضافة إلى الإعلام الرقمي، والاقتصاد، وجيولوجيا التعدين، حيث جاء هذا البرنامج في المرتبة الثالثة لبرامج الابتعاث عالمياً بعد الصين والهند، ما أحدث أثراً كبيراً وطفرة غير مسبوقة تشهدها الجامعات ومراكز البحث في المملكة العربية السعودية الآن، فلقد أسهم الكثير من المستفيدين من هذا البرنامج في تطبيق ما استفادوه من خبرات أثقلوا بها من خلال ما حصلوه من علوم واكتسبوه من معارف وتجارب امتد مداها إلى 34 دولة، فقد أتاح هذا البرنامج للشباب السعودي أن يعرف العالم ويعرفه العالم. ولا يزال هذا البرنامج الذي تمتد مرحلته الثالثة حتى عام 1440، وبلغ عدد المستفيدين منه 150 ألف مبتعث ومبتعثة تخرج منهم أكثر من 55 ألف طالب وطالبة، يحظى باهتمام ورعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود. ولم تكتف المملكة بهذه الخطورة بل تلتها خطوات أخرى في سبيل تطويع التطور التكنولوجي والاستفادة من تقنيات العصر لتحقيق التقدم العلمي بما يعود بالخير على الشعب السعودي والإنسانية جمعاء، وفي هذا الإطار جاء إعلان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، في الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي، عن مشروع نيوم: المستقبل الجديد، والتاريخ الجديد، والوجهة الأكثر ملاءمة للعيش في العالم والتي تليق بمواهب المستقبل، وذلك بهدف خلق محور يجمع أفضل العقول البشرية والشركات لتخطي حدود الابتكار إلى أعلى مستويات الحضارة الإنسانية، وذلك في منطقة غنية بالرياح والطاقة الشمسية، إذ يشكل بيئة مثالية لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، وقد تم تصميم المنطقة الخاصة لتتفوق على المدن العالمية الكبرى من حيث القدرة التنافسية ونمط المعيشة، إلى جانب الفرص الاقتصادية المتميزة، إذ من المتوقع أن تصبح مركزاً رائداً للعالم بأسره.
ويأتي هذا المشروع في إطار التطلعات الطموحة لرؤية 2030، حيث تبلغ قيمة المدينة التي ستمتد حتى خارج حدود المملكة 500 مليار دولار، والتي من المقرر أن تكون أول مدينة في العالم يكون فيها عدد الروبوتات أكثر من عدد الأشخاص، كما أن منح المملكة العربية السعودية الجنسية للروبوت (صوفيا) كأول ربوت في العالم يحصل على جنسية، في خطوة رمزية، يؤكد بقوة عزم المملكة العربية السعودية على المضي قدماً في مواكبة التطورات التكنولوجية، بل والإسهام في الثورة العلمية والتقنية والتكنولوجية التي من المتوقع أن يشهدها القرن الحادي والعشرون برؤية شابة وطموحة تستهدف توظيف كافة الإمكانيات والقدرات والموارد علمياً وتقنياً والتطورات التكنولوجية من أجل حياة أفضل ليس للسعوديين فقط بل تخدم البشرية لعقود وعقود.
العلم هو الحياة، وهو الذي ينير للبشرية الطريق، ودون العلم سيعيش العالم في ظلام، فلا مستقبل لأمة أو شعب إلا بالعلم، فهو الدافع الحقيقي للأمم نحو التقدم والبناء، فالعلم نور وهو الطريق الوحيد نحو مستقبل مشرق لنا ولأبنائنا وأحفادنا ووطننا وأمتنا، والبديل له هو التخلف والجهل والظلام والعنف والإرهاب. فلتحيا أمتنا بالعلم والقيم، ولتقضي على منابع الجهل والتخلف والظلام

ذو صلة
التعليقات