مجلة شهرية - العدد (496)  | جمادى الأولى 1439 هـ- فبراير 2018 م

الكتابة الغاضبة

(تبادلت أنا والولد البحري كلمات تشير إلى سعادتنا بهذا اللقاء، وهذا شيء يقتلني، أي أن أقول لشخص ما إنني سعيد بلقائه، بينما أنا لست سعيداً بذلك على الإطلاق. ولكن لابد من قول هذه الأشياء حتى تستطيع أن تواصل الحياة).
عبارة تفوه بها المراهق (هولدن كولفيلد)، وهو من تدور حوله أحداث رواية (الحارس في حقل الشوفان) للكاتب الأمريكي (جيروم ديفيد سالينجر). رواية كانت موجهة للقراء البالغين، ثم نالت شهرتها بين القراء المراهقين بسبب محاورها الرئيسة مثل اليأس والعزلة والهوية والانتماء والخسارة والعلاقات، ومع هذا النص أقف قليلاً عند ازدراء (هولدن كولفيلد) مجتمعه، ورؤيته أن الأفراد جميعاً غارقون في نوع من الزيف والغباء، وهو وضع يضطره لممارسة الشيء نفسه، الشيء أو عدم الصدق، وقول أشياء حتى يستطيع مواصلة الحياة. أشياء مثل الكذب، الوجه المتعدد لانعدام الحقيقة، إذا ما آمنّا أن للحقيقة وجهاً واحداً في مقابل أوجه لا حصر لها للكذب. العلاقات بيننا يمكن أن تكون أحسن مما هي عليه الآن لو سادت الحقيقة وتراجع الكذب، مع ملاحظة أن الكذب حقول متعددة، ولا يمكن معرفة الحقل الذي يعود إليه نقيض الحقيقة، أو نقيض الواقع/الكذب. هذا النقيض لا يلحق الأذى بإنسان واحد إنما بالإنسانية جمعاء، طالما تعمّد إخفاء الحقيقة، وإظهار ضدها أو عكسها أو نقيضها، مع صعوبة تمييز الوجه الذي ينتمي له هذا الضد.
الرواية صُنفت ضمن قائمة أفضل 100 رواية في الأدب الإنجليزي الحديث، وأهم الأعمال في القرن العشرين، ومن أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأمريكي. الشباب الأمريكان المعارضون للحرب على فيتنام في الستينات كانوا يرفعون لافتات تقول (أنا هولدن كولفيلد) الشخصية الرئيسة في الرواية. كاتب الرواية يعد الروائي الأكثر عزلة في العالم، قضى أغلب حياته في مزرعته معتزلاً الحياة الاجتماعية والإعلام والمعجبين. أسس نهجاً للكتابة أطلق عليه (الكتابة الغاضبة). ترك خلفه رواية واحدة فقط هي هذه الرواية رواية (الحارس في حقل الشوفان)، والمفارقة الجميلة أنها مقرر دراسي في أغلب الجامعات والمدارس الثانوية الأمريكية بالرغم من كونها ضمن عشرة كتب خاضعة للمراقبة في المكتبات والتعليم في عقود منصرمة. وبحسب جمعية المكتبات الأمريكية، احتلت هذه الرواية المركز الثالث عشر في قائمة أكثر الروايات المحظورة في المدارس والمكتبات العامة، بل إنه في عام 1960 فُصل أحد المدرسين في ولاية أوكلاهوما لأنه قرّر هذه الرواية على طلابه.
استطاع سالينجر خلق شخصية مضطربة تمكن من رسمها بكل انفعالاتها وتطوراتها. أحداثها تدور في أواخر عام 1950، حيث كان (هولدن كولفيلد) ذو الستة عشر ربيعاً، يقف فوق تل صغير، في جرستاون في ولاية بنسلفانيا، قبل إجازة رأس السنة بأيام قليلة، وكان الفصل الدراسي في نهايته، لكنه كان قد تلقى إشعاراً يفيد بطرده من المدرسة نظراً لرسوبه في أربع مواد من أصل الخمسة التي كان يدرسها. كانت الرواية مجرد ثلاثة أيام قضاها (هولدن) في هروبه من مدرسته وسفره إلى نيويورك، أحداث دفعته للانهيار النفسي والعيش في مصحة نفسية. في الرواية (هولدن كولفيلد) جدار صامد بين براءة الأطفال وزيف البالغين ونفاقهم، وقبح الحياة والكبار المخدوعين بالمظاهر. مراهق مثل أي مراهق آخر نعرفه متمرد، عنيد ينظر للحياة بمثالية متطلع لصحبة الجنس الآخر، لغة كلامه في الرواية لغة المراهقين بكل ما فيها من لعثمة، واضطراب، وسخرية، وتشتت، وبذاءة، وتكرار غير مقصود، قاموس مقنن يتكرر على امتداد الرواية، اعترف هولدن بذلك وبأنه لا يمتلك مصطلحات عديدة. مراهق يحاول نقل نظرته للحياة إلينا لكنه لا يملك مصطلحات كافية يستخدمها للتعبير بدقة ووضوح حيث لا محصلة لغوية ثرية لديه. بيد إن الفقر اللغوي لم يقف حائلاً بينه وبين ارتفاع صوته واشتداد صرخاته بقصد تجريد المجتمع المزيف وحلمه أن يعمل حارساً في حقل الشوفان. حقل الشوفان!! حلم وردي لرواية غاضبة ثائرة على كل زيف وخداع يختلقه ويعيشه ويتنفسه البشر. رواية تكوينية انتقل فيها البطل من حالة الضياع والفوضى إلى حالة الاستقرار والنضج. يرى اللغويون هذا العمل كنزاً ثميناً، فهو يسجِّل بشكل دقيق المفردات والتعابير التي كانت رائجة بين المراهقين في نيويورك إبان الخمسينات من القرن الميلادي.

ذو صلة
التعليقات