مجلة شهرية - العدد (527)  | أغسطس 2020 م- ذو الحجة 1441 هـ

كيف يمكن أن نوازن بين الروح والمادة؟

تبلور علم الاقتصاد كعلم حديث في القرن الثامن عشر على يد آدم سميث (أبو الاقتصاد) عندما ألف كتابه (ثروة الأمم)، كان هذا الكتاب يدعو إلى نظام اقتصادي جديد وهو نظام الرأسمالية. وكان في بداية فترة الثورة الصناعية ويعدّ أحد معالم تطور الفكر الاقتصادي، والرسالة الأساسية لهذا الكتاب المؤثر هي أن ثروة الأمم لا تقوم على الذهب والفضة ولكن على التبادل التجاري.
إلا أن نشأة الاقتصاد لم تكن جديدة فلقد اهتم بها الفلاسفة الغربيون والعرب على سبيل المثال، أفلاطون، وأرسطو، ابن خلدون، والفارابي. وقد بُني الاقتصاد الحديث على ثلاث أطروحات، وهي: الرأسمالية المتفائلة، والماركسية، والرأسمالية المعتدلة.. هذه الأطروحات كان أبطالها آدم سميث الذي يؤمن بالرأسمالية الحرة بلا تدخل حكومي، ومفجر ثورة العمال كارل ماركس الذي عارض الرأسمالية ويريد إنهاءها، وجون مينارد كينز الذي أشرك الحكومة لكي يصلح ما بين الرأسمالية والماركسية.
والعلاقة بين الاقتصاد والعلوم علاقة وثيقة، ولعلي أذكر هنا دانتي الذي وضع في كتابه الأدبي (الكوميديا الإلهية) الأسس العامة للاقتصاد الأدبي، حيث أصبح هذا الكتاب بمثابة منهجية أدبية يسير عليها اللاحقون ولكن بتفصيلات موسعة ومختلفة وحسب الزمن ومتغيراته، حيث يخاطب الاقتصاد الأدبي الروح الإنسانية محاولاً تنقيتها من الصراعات المادية التي زرعها الاقتصاد السياسي، فهو يدعو إلى روح القناعة والنظر إلى الأشياء بمنظار روحاني إنساني، بينما الاقتصاد السياسي يدعو إلى الجشع والطمع والتعامل مع كل ما يحيط بنا بلغة المادة التي سببت الاضطرابات والنزاعات والخلافات بين أفراد المجتمع.
ومنذ ميداس ما فتئ الأدب يندد بالاقتصاد السياسي، ولميداس حكاية حيث كان ملكاً على بقعة صغيرة، أراد أن يكون له نفوذ بتوسيع سلطان مملكته، ومثل هذا الطموح لا يتحقق إلا بالثروة، وعندما أكرم أحد الناخبين الشيوخ كافأه باخوس بتلبية أي رغبة يتمناها، فتمنى الغبي أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب، فكان أن حتى مياه الشرب ومأكل المائدة تحولت إلى ذهب، فهرع إلى باخوس فوراً ليوقف هذه المهزلة أو هذه المأساة، فنصحه إله الخمرة أن يغتسل بماء نهر يتدفق من ينبوع بين صخرتين، دعاه الانسجام والتكيف مع الطبيعة، واغتسل الرجل فشفي، وقد عرف فعل الندامة وتراجع عن رغبته سريعاً، لكن الأدب بعد ذلك لم يطلعنا على رجل عرف فعل الندامة سريعاً مثل ميداس، فالأغلبية لا يظهر عندها الندم إلا متأخراً. وهذه القصة توضح لنا مقدار الجشع في الإنسان ونظرته المادية المجردة تجاه كل شيء، والاقتصاد السياسي يسلّع كل شيء حولنا، فهو ذو سطوة على الأسواق الاستهلاكية ومتغول وحدّي جداً، لذلك لابد أن يجابه بالاقتصاد الأدبي من أجل خلق توازن، فهو يدعو إلى بث روح الحياة.
وفي رؤى كاسندرا بريام ترى أن الاقتصاد الأدبي: (يوضح أن السلعة المادية تبدأ بالروح قبل أن تخرجها اليد والآلة إلى السوق. وهي تحمل صفات هذه الروح معها فإن كانت روحاً طيبة فإنها سلعة مفيدة وطيبة، وإن كانت روحاً خبيثة فإنها سلعة ضارة ومفسدة.. الروح هي التي تحمّل السلعة رسالتها: تنزل إلى السوق لسد حاجة وتعود بربح الكفاية)، فهو يشترط نظافة الروح لتبقى الأشياء متقدة، مبهجة، ومفرحة، وخالية من أنانية وتوحد الاقتصاد السياسي.
ولطالما كان الأدب مرآة، وشبيهاً بالكاميرا التي تتطلب مزيجاً من عدسات التصوير المقربة والمكبرة. وهو نمط لا يتحقق إلا عندما تتقاطع العلوم والمعارف، وعلاقة الأدب بالتاريخ، وعلم الاجتماع علاقة حميمية، إلا أن علاقته بالاقتصاد يشوبها نوع من البعد الجاف، ولكن عندما ندير عدسة التصوير نقربها ونكبرها سيتضح لنا أن هناك علاقة مليئة بالحياة بينهما، وبالرغم مما يحمله الاقتصاد من نظريات وأرقام وعلاقات مادية، إلا أنه كان شاسع الحضور في الأدب بجميع فنونه سواء، القصة، المقالة، الشعر، الرواية، وكذلك له دور في تحديد مستوى المؤلفين الاجتماعي، وكيفية إنتاجهم، وأيضاً محتوى العمل الأدبي، فهو مؤشر على الوضع الاقتصادي في تلك الفترة، ففي الروايات مثلاً نجد المؤلف يعبر عن طبقات معينة في المجتمع من خلال الوصف الدقيق للشخصية ماذا تلبس، كيف تتحدث، وأين تسكن، وماذا تأكل، ومن هنا نستنتج نوع الشخصية ومستواها الاقتصادي هل هي ثرية، أو من الطبقات المسحوقة، أو المتوسطة، كذلك كان الأدب أداة في مواجهة الأزمات الاقتصادية والدفاع عن الطبقات الفقيرة في عام 1929م أثناء (الكساد العظيم)، حيث توجه الأدباء نحو موجة المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية بدفاعهم عن الفقراء ضد الطبقة الرأسمالية، وهذا يتماشى مع النظرة الماركسية للمعرفة، على أنها تابعة للأوضاع المادية.
وحالياً يعكس الأدب ثقافة الاستهلاك والشخصية الكونية المسلوبة الهوية والخاضعة لقوانين عالمية تجبرك على التماشي معها، حيث أصبح التعامل مع الأدب الآن كـ(سلعة) ينتجها الأديب، ويوزعها الناشر، وتسوقها شركات التسويق، ويستهلكها القراء، ومن خلال هذا المنظور أصبحت الأعمال الأدبية (مشروعات اقتصادية) تخضع لقانون العرض والطلب في السوق، وقانون الربح والخسارة مع أنه في الأدب لا يوجد رابح أو خاسر، والأكيد أن الوضع الاقتصادي العالمي الذي أصبح يئن الآن سيلقي بظلاله على إنتاجنا الأدبي مستقبلاً.
ونحن الآن نعيش مجتمع ما بعد الحداثة Postmodern society الذي يلزم الأفراد في المجتمع أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية، الأدبية، والاجتماعية، من أجل التصدي لأي مشاكل يواجهونها، في حياتهم اقتصادياً، واجتماعياً، ولكن هذا لا يأتي بمعزل عن المشاركة الاجتماعية بين الأفراد، والتناغم الاقتصادي والأخلاقي.
إن تعقد تركيبة النفس البشرية تمثل مصفوفة من التحديات والصعاب التي يواجهها كل فرد يومياً داخل نفسه، ومن أجل إعداد نفس سوية متوازنة، يتطلب نسف كل الصور التي رسمناها عن أنفسنا وعن غيرنا، والعمل بشكل جاد ومتساوٍ مع العلوم الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وكل تقدم اقتصادي يتبعه موجات كثيرة وكبيرة ويؤكد زيجمونت باومان ذلك عندما تحدث عن (الحداثة السائلة) وما تفرضه علينا من معطيات مختلفة تؤثر على السلوك البشري بشكل مباشر وغير مباشر، ولكن يجب أن لا نغفل الطبيعة البشرية في اختياراتها أو طريقتها الاستهلاكية في التعامل مع الماديات وكذلك التأثر بما حولها، وقد ذكر عالم الاجتماع (روبرت سياليديني) بأن الإنسان لديه شعور بالالتزام للقيام بما تعود على فعله بشكل كبير ويسمى هذا (الالتزام والاتساق) حيث يرجح أننا نضطر إلى الاستمرار في تكرار قراراتنا وأفعالنا الماضية، حتى عندما يكون من الواضح خطؤها، وأحد العوامل المؤثرة هو (العقل الجمعي) الذي يشير إلى الشعور بالأمان عند التواجد ضمن مجموعة، لذلك لابد من الوعي الاقتصادي والأخلاقي في المجتمع، فكلما زادت نسبة الوعي المجتمعي كلما تجنبنا الخسائر المادية والأخلاقية، فنحن كبشر لابد أن نداوي مواضع العجز فينا، فلا يوجد فرد يرغب أن يكون عديم الطعم، ولا توجد أفكار ساذجة، وليس هناك خرائط تفصيلية نتبعها في طريقة عيشنا وتعاملاتنا مع الآخر، إذن لماذا نعجز عن التواصل مع بشريتنا بمفهومها الجديد؟ فالاقتصاد الآن هو روح الحياة وهو بمثابة الرأس للجسد في هذا العالم الضاج بكل التنوع والاختلاف، السؤال كيف يمكن أن نوازن بين الروح والمادة؟ وكيف يمكن أن نوقف مد تسليع الإنسان وتشييئه؟

ذو صلة
التعليقات