مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الاستشراق الإيطالي بين الإنصاف والإجحاف

كانت إيطاليا أسبق الأمم الغربية أخذاً بالاستشراق بحكم قربها نسبياً من دنيا العرب في شمال أفريقيا، والشرق الأدنى، وقد توطدت الاتصالات منذ أن احتل العرب جزيرة صقلية، وقسماً من جنوب إيطاليا في القرن العاشر وحتى القرن الثالث عشر للميلاد. وتميزت السيادة العربية على هذه المناطق بالتسامح الديني، والارتقاء الحضاري، والنشاط التجاري. وشكلت إلى جانب الأندلس جسراً لانتقال التراث الفكري والعلمي والفلسفي إلى بقية بلدان أوروبا، فقد كانت اللغة العربية لغة العلم دون سواها في العصر الوسيط، وكان لعلماء صقلية والأندلس مكانة مرموقة في تاريخ العلوم الأوروبية.
الكتاب العربي في إيطاليا
وبرز أول كتاب عربي مطبوع في إيطاليا سنة 1514م، ذلك في فانو (مدينة صغيرة تقع جنوب البندقية) يحمل اسم (كتاب صلاة السواعي) تحتفظ المكتبة الوطنية بباريس بنسخة من هذا الكتاب تحت رقم B3597، وكانت الترجمة العربية من عمل عبد الله بن الفضل الأنطاكي. والكتاب العربي الثاني نشر في جنوة سنة 1516م وعنوانه «مزامير عبراني يوناني عربي قصداني بترجمة لاتيني وتفسيرهم» (تحتفظ المكتبة الوطنية بباريس بنسخة منه تحت رقم A 490) وهو إذن مكتوب في خمس لغات وهي من عمل القس أغسطينوس جيستيانوس (-1470 1536م) من مواليد جنوة، كان متضلعاً في اللغات الشرقية.
أما القرآن الكريم، فقد طبع لأول مرة في البندقية سنة 1518م من طرف بافاناني وهو مطبعي من مدينة براسيا، ولكنه كان يعمل في البندقية، ولا توجد اليوم أي نسخة منه في المكتبات العالمية الكبرى، ولكن لا مجال للشك في وجوده بعد ما بين ذلك الكاتب دي روسي الذي ذكر في دراسته أولاً شهادة لأحد الكتاب في ذلك العصر الذي أورد مقتطفات مما جاء في طبعة كتاب القرآن، وهذا الكتاب هو:
AMBROSIO TESEO, INTRODUCTIO IN LINGUAN CHALDAICAM, PAPIAE.
لقد اهتمت روما منذ القرن السادس عشر بالنشر في مختلف اللغات الشرقية خصوصاً اللغة العربية، وقد أسست الكنيسة عدة مطابع لتعمل تحت إشرافها، وحرص البابا PIE الرابع على توفير الحروف الشرقية لمطبعة معهد روما، قصد نشر الكتب باللغة العربية. ونشرت تسعة كتب ما بين سنتي 1590 و 1610 م، وكانت المواضيع متنوعة، منها: الإنجيل المقدس (كتابان) وكتاب (الأجرومية) لابن آجروم، وكتاب (الكافية) لابن الحاجب، وكتاب (القانون الثاني في الطب) لابن سينا، وهو من أبرز معالم الطباعة العربية في أوروبا من حيث إخراجه وتقديمه، وكتاب (نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والآفاق) للإدريسي، وكتاب في الهندسة (كتاب تحرير أصول الأوقليدس) ترجمة نصر الدين الطوسي. ومن أهم المطبوعات التي أشرف عليها المعهد الماروني بروما أربعة كتب نحوية وكتاب في الفلسفة نذكر منها (مبادئ اللغة العربية) سنة 1622 م من تأليف الماروني نصر الله شالاق، وآخر لنفس المؤلف فيه تقديم للحروف الهجائية العربية، ثم كتاب ثالث من عمل تلميذ ماروني هو بطرس المطوشي 1624م. أما كتاب الفلسفة فعنوانه (مدخل لعلم المنطق) سنة 1625م.
وأظهر العالم الإيطالي أنطونيو جيجاني اهتماماً بتأليف المعجمات، فقد نشر سنة 1632م في مدينة ميلانو معجماً باللغة العربية واللاتينية في أربعة أجزاء ضخمة، واعتمد فيه على القاموس المحيط للفيروزآبادي اعتماداً كبيراً، وبذلك كان له السبق في تعريف الغرب بالمعجمات العربية والاهتمام بها، والتقدم بها أشواطاً، ونتيجة لذلك تغلغلت اللغة العربية في اللغات الأوروبية ومنها اللغة الإيطالية، كما أثرت في الحضارة الإيطالية في العصور الوسطى عبر كل القنوات، كان أولها: المعاملات التجارية، والتنجيم والفلك، والرياضيات، والكيمياء، والصيدلة، والطب، والحرف الحربية والفلسفية، كما قام جيراردو الكريموني بترجمة ما يزيد على 75 كتاباً وموسوعة من العربية إلى اللاتينية، (توفي سنة 1187م) دون أن ننسى دور الجامعات الإيطالية التي ظهرت في مدن إيطالية مثل نابولي وسيينا وروما، وفلورنسا، وبادوا، وسالرنو، والتي اهتمت كلها بالدراسات العربية، والمخطوطات وفهرستها وترجمتها من العربية إلى اللاتينية بمساعدة علماء من بلاد المشرق العربي، لبنان بالخصوص، وكان لهؤلاء تأثير بارز في انطلاق الدراسات العربية في إيطاليا وغيرها من البلاد الأوروبية.

الاستشراق الإيطالي ودوره المعرفي
يرى الدكتور عمر فروخ: أن الدارسين قد أدركوا تلك الصلة الوثيقة التي كانت بين العرب وإيطاليا (صقلية من سنة 218هـ إلى 450هـ) وقصة دانتي وكتابه (الكوميديا الإلهية) التي ترجع أصولها باتفاق الباحثين والدارسين إلى أصول أبرزها ثلاثة وهي: قصة المعراج ثم رسالة الغفران للمعري، والفتوحات المكية لمحيي الدين بن عربي. «فأول ما تراه العين في شعر دانتي الآول، في المقطعات والأناشيد، ترتيب القوافي ترتيباً لا شك في أنه مأخوذ من التوشيح العربي في الشعر الفصيح وفي الأزجال» .
أخذت الصلات الاقتصادية والسياسية بين الدول المسيحية في الغرب والدول الإسلامية في الشرق منذ القرن السابع عشر مظهراً جدياً، كما اتخذت الدراسات العربية طريقاً مثيراً ظهر أثره بعد الثورة الفرنسية، وتقدمت هذه الدراسات تقدماً محسوساً في القرن التاسع عشر، وتوسع العلماء في الدراسات التاريخية والآداب العربية والدراسات الفقهية، والجغرافية وعلم الفلك والفكر الإسلامي. وظهر في طليعة القرن التاسع عشر مستشرق كبير كان له الدور الفعال في بعث الدراسات الاستشراقية في إيطاليا، وهو (ميكيل أماري 1806 1889-م) صاحب المؤلفات الشهيرة عن تاريخ المسلمين في بلدة صقلية. كما عني بنشر وترجمة وشرح الشهادات العربية في تسجيلات فلورنسا، كما نشر بالاشتراك مع (سيكيا بريلي) جزءاً من كتاب (نزهة المشتاق) للإدريسي.
ولأماري يعود الفضل كما يقول المستشرق الإيطالي المعاصر: (ريزيتانو) في وضع الحوليات المسماة (المكتبة العربية الصقلية) التي طبعت على نفقة جمعية المستشرقين الألمان في ليبزيج سنة 1857 م. إن ميكيل أماري بمكانته العلمية وأهمية عمله، هو الذي أدخل الدراسات الشرقية إلى إيطاليا، وأعاد تقويم الإرث العربي لإيطاليا في صقلية، في لحظة ولادة إيطاليا الحديثة.
إن الاستشراق الإيطالي ـ أو كما يسميه المستشرق الإيطالي الكبير (فرانشيسكو غابريلي) «الاستعراب» لأنه وجه لدراسة اللغة العربية وآدابها وحضارة المسلمين وعلومهم، فلا يكاد يوجد له أثر واضح في غير الدائرة العربية ـ قد ركز جهده حول دراسة العربية الفصحى والإسلام. ولإيطاليا علاقة خاصة بالعالم العربي، وبالتالي بالأدب والثقافة العربيين، ولا تأتي هذه الخصوصية في العلاقة من خلال السيطرة الاستعمارية التي تمتعت بها كل من فرنسا وإنجلترا مثلاً في أجزاء شاسعة من المنطقة العربية، بل جاءت نتيجة علاقة تاريخية تمتد لقرون عديدة .
وفي حوار مع المستشرق الإيطالي أنطونينو بلليتاري يقول: «لقد شهد القرن التاسع عشر حركة نمو للدراسات والأبحاث الخاصة بالظواهر الحديثة والحضارات الشرقية، لدرجة أن بعض هذه الدراسات جاء لتمجيد الحضارة العربية الإسلامية التي كانوا يطلقون عليها اسم (الاستعمار) في القرن الماضي وتفوق كل ما هو غريب وأجنبي، مترافقاً مع ازدهار الهيمنة الأوربية على مناطق أخرى من العالم من منطلق تفوق الهيمنة الأوربية على ما عداها من الحضارات».

أعمدة ثلاثة
قامت نهضة الاستشراق الإيطالي الحديث على أعمدة ثلاثة، وذلك منتصف القرن التاسع عشر وإلى غاية الربع الأول من القرن العشرين حسب (دي غوبرناتي وبريداري) المهتمان بتاريخ الاستشراق الإيطالي، وهذه الشخصيات هي:
1 -  إنياستو جويدي: (-1844 1935م) ولد في روما، ودرس العربية في جامعتها، ويعد أحد القمم في الثقافة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، زار مصر وفلسطين وبلاد الشام. عين بعدها أستاذاً للأدب العربي في الجامعة المصرية، حيث درس عليه عدد من كبار الأساتذة المصريين، كطه حسين الذي أذهلته محاضرته الاستهلالية، حيث كان أسلوبه غير المعهود له في معالجته لموضوعات محاضراته التاريخية، فليس هناك شيء في تجاربهم أعدهم ليعلموا بوجود موضوع يحمل عنوان «أدب الجغرافيا والتاريخ». ونفس الشيء بالنسبة لأحمد أمين الذي درس عليه هو الآخر وتأثر بمنهجيته حيث يقول: «إن فكرة تصنيف الأدب العربي إلى عصور مختلفة، مع تحديد خصائص كل عصر وتحليل سير مؤلفيه، لم يكن معروفاً بمصر لحين وصول المستشرقين. وكان له فضل كبير على تقدم الدراسات الأثيوبية والقبطية والسريانية.
وقد أولى اهتماماً كبيراً للغة العربية، فكان فقيهاً لغوياً، بما كان يملكه من سعة الثقافة، «ثم الدقة المتناهية لموضوع محاضراته، معتمداً في ذلك على المنهج الفيلولوجي، وكان يتناول لفظاً مثل «الأدب» ويتتبع معانيه في جميع المعاجم العربية وغيرها من المصادر، موثقاً لكل خطوة بالإشارة المفصلة إلى مراجعه».
ومن أوائل الكتب التي نشرها، كتاب حواشي جمال الدين بن هشام على قصيدة (بانت سعاد) لكعب بن زهير، ودراسة حول علاقة «النحو العربي بمنطق أرسطو» و «الاستدراك على سيبويه» للزبيدي، وكتاب «الأفعال» لابن قتيبة، ودراسة عن نص كتاب (كليلة ودمنة)، وفيه نقد وتحليل لمضمون النص العربي وعلاقته بباقي النصوص والتراجم. ونشر فهرساً للشعراء الواردين في «خزانة الأدب»، وهو صاحب الكتاب المعروف بـ «تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام»، ومما يدين له الباحثون بالفضل نشره فهارس لكتاب «الأغاني» للأصفهاني، فقد أفرد فهرساً لأسماء الشعراء، وآخر للأشعار على القافية، وثالثاً لأسماء الأماكن والبقاع، ورابعاً لأسماء الأعلام وغير ذلك. واستمر العمل فيها خمس سنوات (1895 1900-م) كما كان له مشروع وضع معجم للألفاظ العربية يجمع فيه الملاحظات اللغوية والدراسات في المفردات الواردة في النصوص والتي نجدها مبعثرة في أماكن كثيرة. ولكن وافته المنية دون أن يتم هذا العمل. لقد مكنه علمه الواسع وجهده المتواصل من أن يحظى بعضوية عدة مجامع لغوية وجمعيات عالمية.
ومن أغرب الصدف أن ترك ولداً نهج نهجه في عالم الاستشراق الإيطالي وهو ميكيل أنجلو جويدي (1886 1946-م) الذي ركز اهتمامه على اللغة العربية مثل والده، ودرس هو الآخر ثلاث سنوات بالجامعة المصرية (1927 1930-م) مادة فقه اللغة، وحسب شهادة أحد تلامذته وهو الدكتور مراد كامل أنه كان أستاذاً فذاً واسع الاطلاع وقف حياته على الدراسات الإسلامية، واهتم بدراسة الفرق الإسلامية وبخاصة الزيدية.
وقد تناول في أبحاثه تاريخ الأقباط في مصر وعرب الجنوب، وفقه اللغة العربية، والأدب العربي الحديث. وبعد وفاته نشر له الجزء الأول من الكتاب الضخم الذي كان قد بدأ في تأليفه والذي يتناول فيه تاريخ العرب وثقافتهم، بيد أن الموت المفاجئ حال دون إتمامه، نفس الشيء حدث لوالده مع مشروعه اللغوي!!
2 - ليوني كايتاني (1869-1935م): من أكبر وأشهر المستشرقين الإيطاليين، مثقف متعدد اللغات، عين سفيراً لإيطاليا في الولايات المتحدة الأمريكية. وفيما بعد أميراً لتيانو، ودوقاً لسرمونيتا، وعندما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1912م، كان من بين المعارضين القلائل في البرلمان الإيطالي لهذا الاحتلال. ونظراً لموقفه الجريء تعرض لكثير من النقد إبان معركة انتخابية سنة 1913م، حيث كانت ملصقات منافسيه ترسمه وهو يرتدي الطربوش التركي. لقد كانت المؤثرات التي دعت هذا المستشرق لأن يقف موقف المعارضة عظيمة الأثر على نفسه، فقد ألف الحوليات العشر التي تنتهي عند القرن الرابع الهجري وتتعلق بدراسة تراث الإسلام.
يقول الدكتور مراد كامل إن دراسة التاريخ الإسلامي مدينة له، حيث وقف حياته عليها ووجهها وجهة المنهج العلمي القويم.. فقد قرأ ما كتبه موراتوريس في تاريخ إيطاليا، ونسج على منواله في كتابة التاريخ الإسلامي منذ نشأته إلى فتح الأتراك لمصر سنة 1517م، ونقلها إلى الإيطالية، ثم أخذ في عرض النصوص ودراستها ونقدها ليستخلص منها تاريخاً يساير المنهج العلمي السليم، وضمن ذلك كتابه «تاريخ الإسلام» في أحد عشر مجلداً (1905 1927-)، وقدم لدراسته بمقدمة طويلة ثم عالج مسائل مختلفة، وأفرد لبعض هذه المسائل دراسات خاصة في كتابه «دراسة التاريخ الشرقي»، ومنها دراسته للهجرة العربية وأثر الجفاف الذي ألم بشبه الجزيرة على إثر هذه الهجرة، ومنها دراسته للعوامل الاقتصادية والسياسية في الجزيرة عند قيام الإسلام.
أنفق ثروته الكبيرة على البحث العلمي، وكان مولعاً بالمخطوطات، فقام برحلة طويلة لجمعها من الهند ومصر وإيران وسوريا ولبنان. كما قام باستنساخ عدد كبير من مكتبة المستعرب الإسباني الكبير ميغيل آسين بلاثيوس (-1871 1944 م) ومول ثلاث بعثات إلى أماكن الفتوحات الإسلامية لجمع المصادر باللاتينية والسريانية والعربية.
وقام منذ سنة 1922م بنشر موسوعة عن التاريخ العام لحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الإسلامي منذ سنة 612هـ / 1517م ولم يظهر منها إلا الجزء الأول للأحداث من سنة 133هـ إلى 144هـ. وكان لديه العديد من المشروعات العلمية التي تتطلب الدقة وسعة الاطلاع، يقف الإنسان عاجزاً أمام طاقته وقدراته وحده لإنجازها. فوقف مكتبته ومخطوطاته وأوراقه العلمية على الأكاديمية الإيطالية وذلك سنة 1924م، وبذلك أنشأ مركزاً للدراسات الإسلامية في روما. لقد مهد الطريق للعديد من المستشرقين الجدد الذين استفادوا من تجربته وعلمه، توفي سنة 1935 م بكندا التي نفي إليها بعد أن حرمه موسوليني من الجنسية الإيطالية نتيجة مواقفه السياسية والإنسانية التي تحدى بها رأي مواطنيه، فقد كان مكروهاً من طرف القوميين الطليان الفاشيست.
 -3كارلو ألفونسو نالينو (1872 - 1938م):علم من الأعلام الكبار في عالم الاستشراق الإيطالي، بل هو من أبرز المستعربين الذين أسدوا خدمات جليلة للغة العربية وثقافتها، كما كان على علم يقيني ومعرفة ثابتة بسائر لغات الشرق الأدنى وآدابها، وقد عرف كيف يستخدمها عند الحاجة إليها في دراسته للعلوم العربية والإسلامية، كما تعمق في دراسة علم الفلك والرياضيات والفلسفة والفقه وتاريخ الأديان دراسة وتحقيقاً. وقد أتاحت له رحلاته إلى البلدان العربية مشرقاً ومغرباً معرفة هذه البلدان بشكل واف، كما سافر إلى إسبانيا، حيث اتجه إلى مكتبة (الأسكوريال) الشهيرة، فانكب على دراسة مخطوطاتها المهمة.
ملك نالينو زمام اللغة العربية كتابة ونطقاً، فكان يلقي محاضراته على طلبة الجامعة المصرية بها خلال انتدابه للتدريس بها (-1909 1912م) حيث درس تاريخ علم الفلك العربي، ثم تاريخ الأدب العربي من الجاهلية حتى عصر بني أمية. يقول الدكتور مراد كامل: عرف الأستاذ نالينو في تلاميذه المصريين الذكاء وسرعة الخاطر وحب الاطلاع وقوة الذاكرة، ثم كشف عن نقص فيهم فلاحظ ما يحتاجون إليه من تنظيم لمعلوماتهم وحصرها وضبطها حتى يتهيأ لهم التأليف بعد البحث فتعمد في درسه الدقة العلمية في غير هوادة، ووقف على كل مسألة يوفيها قدرها من الفحص ليصلح ما انحرف، وليجعل من هذا النبات الملتف والأغصان المتراكبة شجراً يافعاً يانعاً مثمراً، يعترفون له بالفضل والأثر على اختلاف مناصبهم. وكان من أبرز طلابه طه حسين وأحمد أمين وغيرهم.
لقد أعجبوا بعمق معارفه ومنهجه الجديد في البحث، ومعالجته لموضوعات قديمة بأسلوب حديث، فانجذبوا إليه كثيراً، وقد سجل ذلك الدكتور طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر). أما أحمد أمين الذي عبر عما يدين له فيما كتبه في كتابه (حياتي): «ثم نمت الجامعة واستدعي لها بعض المستشرقين الكبار.. فأعجبني من دروسها محاضرات كان يلقيها الأستاذ نالينو في تاريخ الفلك عند العرب.. رأيت لوناً من ألوان التعليم لم أعرفه: استقصاء في البحث وعمق في الدرس وصبر على الرجوع إلى المراجع المختلفة ومقارنة ما يقوله العرب وما يقوله الإفرنج، واستنتاج هادئ رزين من كل ذلك».
غير أن عدداً من معاصري طه حسين وأحمد أمين ممن كان لهم صلة بالأزهر اتخذوا موقفاً متعسفاً إزاء استقدام المستشرقين للتدريس، ولاقتناعهم بأن هؤلاء يحملون عداء شديداً للإسلام والمسلمين، فاحتدم الصراع بين المجددين والمحافظين، ورغم ذلك قام الدكتور طه حسين عندما كان عميداً لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول باستدعاء نالينو للتدريس من جديد وإلقاء المحاضرات ابتداء من سنة 1930م واستمر بها إلى غاية سنة 1932م، وفي السنة الموالية عينه الملك فؤاد عضواً بمجمع اللغة العربية الجديد بالقاهرة، كما كان عضواً في الأكاديمية الإيطالية التي سيشرف فيها على منشورات قسم العلوم الأخلاقية، كما منحه المجمع العلمي العربي في دمشق العضوية.
شملت مؤلفاته مختلف فروع الحضارة الإسلامية، وذلك منذ ما قبل الإسلام وحتى العصر الحديث، كما اهتم بدراسة العلاقة بين الشرع الإسلامي والقانون الروماني، والعلاقة بين القانون الشرقي القديم والقانون الشرقي المسيحي، إضافة إلى ترجمته إلى الإيطالية شعر ابن الفارض، وترجمت العديد من مؤلفاته إلى الفرنسية والإنجليزية.
صنف الدكتور مراد كامل مؤلفاته حسب الفروع العلمية الآتية، نوردها ها هنا مختصرة:
1.اللغة: أول ما كتبه في اللغة وتاريخ اللغة (مقتطفات قرآنية) نشرها سنة 1893 م، وألحق بها معجماً على غاية من الدقة، وذكر فيه اشتقاق الألفاظ ومعناها كما فهمت في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما نشر العديد من الدراسات والمقالات منها ما يتعلق بالألفاظ أو المعاجم.
2. الآداب العربية: تعددت البحوث التي نشرها في هذا الباب نذكر منها كتابه المهم عن (تاريخ آداب اللغة العربية) و (ملاحظات عن ابن المقفع وابنه) وغيرها من المؤلفات والدراسات.
3. التاريخ الإسلامي: شرع في إعادة نشر كتاب (أماري) عن تاريخ مسلمي صقلية (نشر الجزء الأول سنة 1933م والثاني في سنة 1935م ونصف الثالث في سنة 1937م ووافته المنية قبل أن يتم طبع الكتاب).
إضافة إلى عدة بحوث تاريخية منها (عن تشريع القبائل العربية قبل الإسلام) و(تاريخ اليمن قبل الإسلام) و(علاقة العالم الإسلامي بأوروبا) و(العرب والبربر في بلاد برقة).
4. الجغرافيا: أنجز في هذا المجال بحوثاً مهمة نذكر منها: (الخوارزمي وتجديده لجغرافية بطليموس) و(كيفية كتابة الأسماء الجغرافية باللغة العربية والفارسية والتركية) و(الأسماء الجغرافية في العالم الإسلامي في بعض مؤلفات عربية حديثة) و(رحلة سائح في ليبيا في القرن الثامن عشر الميلادي).
5. علم الفلك: كان عمدة في علم الفلك عند العرب، فقد نشر كتاب البتاني الفلكي بالعربية عن مخطوطة بالأسكوريال، ويقع في ثلاث مجلدات، بدأ بنشرها سنة 1903م، أما كتابه (تاريخ علم الفلك عند العرب) الذي نشره سنة 1912م فقد جمع فيه ما عرف في العربية من علم الفلك تناولها بالعرض والنقض، وحدد علاقتها بعلم الفلك عند اليونان والفرس والهند، وأظهر المعلومات الفلكية عند العرب قبل الإسلام، وله كتاب (الشمس والقمر والكواكب عند المسلمين).
6. الفقه الإسلامي: درس نالينو تاريخ الفقه الإسلامي وكذلك فقه الشرق القديم والشرق المسيحي، ألف رسالة عن كتاب (البيان لابن رشد الفقيه) نشرها سنة 1904م، وله رسالة في (الفقه الإسلامي في القوانين السريانية المسيحية لابن العبري) و(الكفاية في الفقه الحنفي) إضافة إلى مقالات عن (الفقه الإسلامي) و(بيت المال).
7. الفكر الإسلامي: كان نالينو على علم بعلوم الدين الإسلامي والفكر الإسلامي والفرق الإسلامية، كتب رسالة عن الإسلام في العصر الحاضر (مقاصد الإسلام العصرية) وبحوثاً عن المعتزلة والإباضية و»الإجماع» و»الحديث» و»الخلافة» و»ملاحظات على ابن الفارض» وعلى التصوف.
8. الفلسفة الإسلامية: كان نالينو خبيراً بالفلسفة الإسلامية نشر فيها بحوثاً عدة منها: (أفلسفة مشرقية أم مشرقية عند ابن سينا) و(تحقيق بعض معاني الألفاظ عند ابن سينا).
إضافة إلى اهتمامه بعلم الآثار القديمة وعلم المكتبات، وتاريخ العلوم.
سارت على نهجه ابنته مارية نالينو، التي ولدت سنة 1908م، وهي مستشرقة إيطالية قامت بعمل كبير في البندقية وتولت جمع جميع مؤلفات والدها ونشرتها في ستة مجلدات، الأول يتناول جنوب الجزيرة العربية، نشر سنة 1939م، والثاني يتناول العقيدة الإسلامية، نشر سنة 1940م، والثالث يتناول تاريخ العرب قبل الإسلام، نشر سنة 1941م، والرابع يتناول التشريع الإسلامي، نشر سنة 1942م، والخامس يدور حول علم الفلك والتنجيم والجغرافيا، نشر سنة 1944م، والسادس يدور حول مواضيع الأدب واللغة والفلسفة، وقد نشر سنة 1948م.
وكانت تشرف على إصدار مجلة (الشرق العصري) التي أسسها والدها عندما عين مديراً للمعهد الشرقي بروما، وهي مجلة فريدة في نوعها، تدون كل ما يتعلق بالشرق المعاصر في دقة بالغة وأمانة علمية.
واستمرت مسيرة الاستشراق الإيطالي بعد هذا الجيل المؤسس، فظهر العديد من الأسماء التي برزت في هذا المجال المعرفي نذكر منهم على سبيل المثال فرانشيسكو غابرييلي (1904-1996 م)، فكان من ألمع خبراء القضايا العربية والإسلامية، وأحد أعلام الثقافة الإيطالية في القرن العشرين، جمع في دراساته وأبحاثه ومؤلفاته كنزاً غنياً سخره في خدمة الجميع. أسس مدرسة قائمة بذاتها في عالم الاستشراق الإيطالي، وكون أجيالاً من الدارسين المهتمين بالعالمين العربي والإسلامي، درس على نالينو وجويدي وغيرهم من كبار المستشرقين الإيطاليين، شارك بجد في نشر التراث العربي والإسلامي والاهتمام به حفظاً وتحقيقاً وترجمة، ألف ما يزيد على مئة وخمسين بحثاً وكتاباً من أبرزها: (ألف ليلة وليلة في الثقافة الأوروبية) نشر عام 1944م، و(تاريخ الأدب العربي) نشر عام 1951م، و(عالم الإسلام) عام 1953م، و(محمد والفاتحون العرب الكبار) عام 1967م و(اليوميات العربية للحروب الصليبية) 1969م، وغيرها من المؤلفات التي كتبها هو أو بالاشتراك مع غيره من المستشرقين أو التي ترجمها من العربية إلى الإيطالية.
وخير ما نختم به عن هذا المستشرق ما ورد على لسانه، حيث يقول: «على الرغم من أني ابن هذا الغرب ومرتبط بحضارته بكل حواسي ومشاعري، إلا أني كنت دائماً أشعر بمدى عظمة الحضارة العربية الإسلامية، ومدى شرفها وكرامتها بصفتها إحدى المكونات الشرقية لتاريخ البشرية، وبالتالي فإني عالم بالأمور وأستطيع أن أحكم فيها أو عليها، إني أرفض قطعياً هذا التقييم الظالم لأعمال الأجيال المتتالية من المستشرقين، أو المختصين بمعرفة الشرق والذين لا يهدفون إلى أي غرض أو مصلحة شخصية من وراء هذه المعرفة، إنهم يهدفون إلى خدمة العلم والفضول العلمي الذي يشكل إحدى خصائص الإنسان، وليس لي إلا أمنية واحدة: هي أن يخترع الشرق قيماً جديدة ومبتكرة قادرة على إغناء ميراث البشرية على هذه الأرض» .
إن ما كان يتميز به الاستشراق الإيطالي عن غيره هو وجود الكثير من المستشرقات اللواتي أسهمن بجهد وافر في مجال الدراسات الشرقية، نكتفي هنا بذكر واحدة من أنشطهن في مجال الدفاع عن الإسلام وهي (لورافيشيا فاغليري) كانت أستاذة اللغة العربية، وتاريخ الحضارة الإسلامية في جامعة نابولي بإيطاليا، لها فضل على أبناء جلدتها المشتغلين بالدراسات الإسلامية، لتأليفها دراسة موضوعية عن الإسلام، التي صدرت بالإيطالية تحت عنوان (دفاع عن الإسلام) ترجمه إلى العربية منير البعلبكي / الطبعة الأولى، 1960 م، وقد اعتمدت فيه المستشرقة على علمها الغزير، وإخلاصها العميق، وحسن تفهمها لمغزى الإسلام ومبادئه، فوفقت إلى استعراض مظاهر الإسلام الرئيسة استعراضاً موجزاً بارعاً، وعن طريق تصوير الإسلام بمثل هذا التفهم الحسن، ولم تسد يداً بيضاء إلى الغرب وحده، ولكنها اكتسبت إعجاب العالم الإسلامي ومودته، ولم تغفل فيما هي تبدي إعجابها بتعاليم الدين الإسلامي وحياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن وضع أصبعها على أحد الأسباب الرئيسة لتأخر المسلمين، وتفسخ المجتمع الإسلامي في العصور الحديثة، ليس هذا فحسب، بل لقد أشارت إلى العلاج، حيث قالت: «فإلى الكتاب العزيز لم يحرفه قط لا أصدقاؤه ولا أعداؤه، لا المثقفون ولا الأميون، ذلك الكتاب الذي لا يبليه الزمان، والذي لا يزال إلى اليوم كعهده يوم أوحى الله به إلى الرسول الأمي البسيط، آخر الأنبياء حملة الشرائع، إلى هذا المصدر الصافي دون غيره سوف يرجع المسلمون، حتى إذا نهلوا مباشرة من معين هذا الكتاب المقدس فعندئذ يستعيدون قوتهم السابقة من غير ريب».
ويضم الكتاب سبعة فصول وهي:
1.سرعة انتشار الإسلام.
2.بساطة العقيدة الإسلامية.
3.معنى الشعائر الإسلامية.
4.الأخلاق الإسلامية.
5.الحكم الإسلامي والحضارة.
6.معنى التصوف في الإسلام.
7.الإسلام وصلته بالعلم.
كانت لورافيشيا فاغليري الإيطالية منصفة، تفهمت الإسلام من معينه، بعيداً عن روح التعصب المقيت، قدمت سفراً رائعاً عن الإسلام والمسلمين في القرن العشرين، وفتحت الطريق لغيرها من المستشرقين للتعمق في دراسة الإسلام دراسة موضوعية. فكان هناك من سار على منهجها، مثل موريس بوكاي، وإيتيان دينيه، وجان دوانبورت صاحب كتاب (اعتذار لمحمد والقرآن)، وتوماس كارليل وغيرهم كثير. ولها كتاب عن قواعد اللغة العربية بالإيطالية، يعد أول كتاب نال شهرة لعدة سنين، وطبع مرات عديدة.

ذو صلة
التعليقات