مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

الحمّام العام: نسق حضاري متجدد

رغم أن الكثير من الناس لم يعد يشغلهم أمر الحمامات العامة أو الشعبية، إلا أن هناك الكثير أيضاً من عشاقها الذين لا يزالون يتمسكون بما تبقّى منها، ويترددون عليها في مختلف أنحاء الوطن العربي، فهي تمثل لديهم مكاناً أو منتدى يلتقون فيه للاستشفاء أو لقضاء لحظات ممتعة. ولا تزال تمثل عند أغلبهم موروثاً شعبياً منذ أقدم العصور، وعنصراً رئيساً يندرج ضمن تقاليد الزواج للفقراء والأغنياء على حد سواء، فتؤخذ العروس والعريس مع أقرب الناس إليهما بالإضافة إلى الوصيفة والوصيف أي (الوزير) كما يسمى لدى بعض شعوب المغرب العربي لقضاء فترة من الزمن بداخلها تهيّؤاً لليلة الزفاف التي تمثل أبهى وأرقى مظاهر الفرح لديهم.

وفي العراق لابد وأن تبدأ الأعراس من الحمامات, حيث يأتي العريس بصحبته مجموعة من أصدقائه المقربين وبعد أن يغتسل بمشاركة وتشجيع منهم يخرجون به إلى الزّفة, وطبعاً مع اغتسال الجميع على نفقة العريس. أما في مصر والشام فحدث ولا حرج حيث فنون الإبداع تتجلى في كل ما يخص الحمام الشعبي بناء وطقوساً. لعبت الحمامات بأنواعها المختلفة دوراً مهماً في حياة الشعوب منذ آلاف السنين، حيث كانت من أهم وسائل النظافة وتخفيف آلام الجسم والبحث عن الجمال أيضاً, فالفراعنة استعملوا حمامات الطمي، وواروا أجسامهم في الرمال الساخنة، كما عرفوا فوائد الحمامات البخارية وطرق العلاج المائي، فكانت لهم في ذلك طقوس خاصة بهم، ولا تزال بعض آثارهم من تلك الحمّامات قائمة إلى اليوم، كحمام كيلوباترا بمحافظة قنا، وحمام فرعون بصحراء سيناء. أما لاحقاً وبانتشار هذه الحمامات وازدياد أعدادها، وإلى جانب دور الاستشفاء الذي تقوم به تلك الحمامات؛ فقد ارتبطت ظاهرة الاستحمام أيما ارتباط بالمدنية وتطور العمران وتوسعه، فأصبحت بذلك مظهراً من مظاهر الترف والتنعم المقتصر على فئة معينة من الناس، وهم الأغنياء، ولذا «توزعت تلك الحمامات بكبريات المدن، وقلما توجد بالقرى والمدن المتوسطة, وإن حدث، فيكون قد تكفّل بـها وبإنشائها بعض الملوك والرؤساء، لكنها سرعان ما تهجر لعدم تلاؤمها مع مزاج أهل تلك القرى لقلة فائدتهم ومعاشهم منها» -على حد تعبير ابن خلدون، وكأنه يريد القول إن لكل طبقة أو فئة من فئات المجتمع طريقة أو كيفية خاصة للترويح عن النفس وإسعادها، وهذا ما نجده قد انعكس تماماً اليوم إذ أن أغلب من يرتاد هذه الحمامات هم الفقراء أو الطبقة المتوسطة وعامة الناس.
ورد الكثير من الشّروح والتفسيرات لأصل كلمة (حمّام) في المعاجم العربية، فنجد الرازي بن محمد يعود بأصل الكلمة إلى (الحمّة) بفتح الحاء وتشديد الميم، ويعرفها بأنّها العين الحارة التي يستشفي بها الأعلاء والمرضى، وقد وردت الكلمة في عدة مواقع من كتب الجغرافيين والرحالة، إذ أورد لنا ياقوت الحموي مثالاً عن حمّة الإسكندرية التي تشفي من البرص ومن جميع الأدواء، ويرجع البعض الآخر أصلها إلى كلمة (الحميم) التي تعني الماء الحار، فنقول حمى الماء، أي سخّنه، واستحمّ أي اغتسل بالحميم، وأحمّه أي غسله بالحميم، ويقول هذا هو الأصل، ثم صار كل اغتسال استحماماً بأي ماء سواء أكان بارداً أم ساخناً، كما سمي حماماً كل مسبب للعرق. وقد وردت كلمة الحمام مؤنّثة في بعض المواقع ومذكّرة في مواقع أخرى، فنجد الجوهري حين يصف حماماً في بيت له ينشد فيقول:
فإذا دخلت سمعت فيها رجة
            لغط المعاول في بيوت هداد
وورد في مذكّرة لدى ابن سيده «والحمام مشتق من الحميم مذكّر، تذكّره العرب، وهو أحد ما جاء من الأسماء على وزن فعال نحو القذاف والجبان، والجمع حماماً». وقال سيبويه: «جمعوه بالألف والتاء وإن كان مذكراً حين لم يكسر جعلوا ذلك عوضاً من التكسير‍«. وعرف الحمام أيضاً بـ(الدّيماس) بفتح وتشديد الدال، وهذا ما نجده في لسان العرب في قول ابن منظور (والدّيماس الحمام) وقوله أيضاً (والحمام، الدّيماس، مشتق من الحميم)، فقد جاءت الكلمتان مترابطتان في الكثير من المواقع للتمييز، لأن كلمة (ديماس) لها عدة معانٍ أخرى في اللغة منها: السّرب أي القبر، فيقال دمسته في الأرض أي دفنته، كما تعني الكلمة أيضاً الظلمة الحالكة، ومن هنا نجد الحجاج بن يوسف الثقفي يسمي سجنه بهذا الاسم: أي الديماس نظراً لظلمته الشديدة، وعرف الحمام لدى البعض بالبلاّل، لأنه يبل داخله بمائه أو بعرقه.
يؤكد الكثير من الرواة والمؤرخين القدامى أن أول من دخل الحمام هم ملوك الفراعنة، وهناك إشارات أخرى إلى أن النبي سليمان عليه السلام هو أول من صنع الحمام بمساعدة الجن. وتشير أكثر المصادر إلى أن إنشاء الحمامات الشعبية يعود إلى العصر الروماني في إيطاليا أو في الولايات الرومانية، في القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت الفكرة في إنشائها بسيطة للغاية، إذ تقوم على مجموعة من الأحواض الصغيرة التي تحتوي على الماء البارد والساخن، وبعض دهانات التدليك، وكانت مفتوحة أمام العامة صغاراً وكباراً دون مقابل، وقد كانت هناك حمّامات خاصة بالأباطرة مثل نيرون ودقلديانوس.. وغيرهما، اتسمت بضخامتها إذ ضمّت في جنباتها مكتبات وملاعب وحدائق، فكانت بذلك تقوم بدور ترفيهي استجمامي إلى جانب دورها في عملية الاغتسال. أما الحمامات الشعبية أو العامة في البلاد العربية الإسلامية، فظهرت مع بداية العصر الإسلامي وتحديداً بمصر، إذ أنشأ عمرو بن العاص أول حمام بالفسطاط. ويعتبر أول حمام عمومي في مصر أيضاً، أما في العصر الفاطمي فيذكر المقريزي أن الخليفة العزيز بالله هو أوّل من بنى الحمامات بمصر وازدادت انتشاراً بشكل خاص في العهد العثماني. ومن الحمامات المصرية التي لا تزال قائمة حتى اليوم نذكر حمام الملاطيلي الواقع في حي باب الشعرية بالقاهرة، والذي يزيد تاريخ تشييده عن خمس مئة وثمانين عاماً، وحمام قلاوون، وحمام السلطان أينال، وحمام باب البحر، وكلها بالقاهرة كما يوجد غيرها في الإسكندرية، وباتساع رقعة الدولة الإسلامية وازدياد عدد المسلمين، ازدادت أعداد هذه الحمامات بشكل مذهل، فاشتهرت بلاد الأندلس المفقود بحماماتها الكثيرة وخاصة مدينة قرطبة، التي تجاوز عدد الحمامات بها التسع مئة، فكانت ملازمة لدور العبادة، وتقرن دوماً بكلمة المسجد، فنجد ابن حيان يروي قائلاً: «إن عدة المساجد عند تناهيها -أي قرطبة- في مدة ابن أبي عامر ألف وست مئة مسجد والحمامات تسع مئة حمام».

الطبيب الأبكم
رغم كونها واحدة من سمات عصر مضى منذ سنوات طويلة، إلا أن عدداً من الحمامات الشعبية في القاهرة لا يزال يحمل نبضاً يبقيه على قيد الحياة، متحدياً مراكز ونوادي وبيوت التجميل العصرية، التي باتت تنتشر في الأحياء الراقية بعاصمة المعز، تبهر روادها بروعة معمارها، وتجذبهم بذاك العبق الذي ينبعث من ثنايا جدرانها التي تحتفظ بالكثير من الحكايات، التي لا تستطيع البوح بها. لا أحد يعلم على وجه اليقين، الفترة الزمنية التي عرفت فيها مصر الحمامات الشعبية، البعض يرجعها إلى عهد عمرو بن العاص، حيث يقولون إنه أنشأ حماماً بالفسطاط، وآخرون يرجعونها إلى عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي. إلا أن الشيء المؤكد أن العصر الذهبي للحمامات الشعبية في مصر، بدأ في زمن العثمانيين، حيث كان الأتراك يطلقون عليها اسم (الطبيب الأبكم) لوجود بعض المعالجين الذين كانوا يعملون بها مستخدمين الأعشاب الطبية وبعض الزيوت العطرية لعلاج المفاصل، والالتهابات وبعض أمراض الجلد، ولكنهم لم يكونوا من المتحدثين, كانوا فقط يعالجون المرضى من دون كلام. ويرجع السبب في إنشاء هذه الحمامات قديماً، إلى أن التجار كانوا يسافرون عن طريق البحر والصحراء مسافات طويلة ومتعبة، ولذلك كان ديدنهم الذهاب إلى هذه الحمامات من أجل الاسترخاء والتخلص من عناء ومشقة السفر حتى ذاع صيت تلك الحمامات التي باتت ملتقى الحكام والتجار وعامة الشعب على حد سواء.
من بين الحمامات الشعبية، التي لا تزال تقاوم وتعمل في مجالها، حمام الأربعاء في منطقة بولاق الدكرور ويقدر عمره بنحو 500 عام، وحمام الملاطيلي في حي باب الشعرية الذي اكتسب شهرة واسعة، لأنه حمل اسم فيلم شهير للمخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف، ويعود عمره لأكثر من 580 عاماً، إلى جانب حمامات أخرى شهيرة مثل حمام (التلات) و(السلطان) و(العباسية) و(الشراوي) و(المرجوشي) بحي الحسين. محمد إبراهيم المسري، صاحب حمام الأربعاء، يفتخر بتلك الحمامات، التي استطاعت كما يقول أن تحمي نفسها من الاندثار والتلاشي، وأن تقاوم كل ما طرأ عليها من أساليب متطورة وحديثة. مشيراً إلى أن لها زبائنها الذين يبحثون عنها، ويحرصون على التردد عليها ليس فقط من أجل الاغتسال، ولكن من أجل الترويح عن النفس والبدن، إلى جانب الرغبة في الشفاء من بعض الأمراض مثل الروماتيزم وآلام العظام، كما يقبل عليها الشباب قبل موعد حفلات أفراحهم. إضافة للأجانب من أوروبا وأمريكا وبعض العرب، الذين يزورون مصر ويحبون المجيء للحمامات الشعبية والتعرف عليها عن قرب. وينقسم اليوم في الحمام بين الرجال والنساء، فيبدأ الوقت المخصص للنساء من الساعة 6 صباحاً إلى 4 عصراً يومياً، بينما يكون الوقت المخصص للرجال في الفترة من 6 مساء إلى 6 من صباح اليوم التالي.
تبدأ طقوس برنامج الحمام الصحي، الذي يستمر ساعتين، بأخذ حمام ساخن لمدة عشر دقائق، بعدها يتم التعرض للبخار، من أجل فتح مسام الجسم لمدة 15 دقيقة، يعقبها حمام بارد من أجل التخلص من الإفرازات والعرق الذي يسد مسام الجلد، بعدها تأتي مرحلة الجلوس في المغطس المليء بالماء الساخن لبعض الوقت، ثم يتم الاسترخاء على مسطبة من الرخام، ترتفع متراً واحداً عن الأرض، وتجري عليها عملية التدليك، التي يعقبها حمام ساخن بالماء والصابون لمدة ربع ساعة. وبعد الانتهاء من الحمام يفضل تناول مشروب دافئ ووجبة من الفواكه التي تنعش الجسم. أما السيدات فيتمتعن بالمزيد من الخدمة في حمام السيدات، كما تقول أم عزة المسؤولة عن حمام النساء في حمام الأربعاء، مضيفة أنه لا تزال الكثير من الفتيات في مصر يفضلن الحمامات الشعبية على مراكز وصالونات التجميل، لا سيما في المناطق الشعبية، خاصة عند الاستعداد لليلة الزفاف حيث تدخل العروس حمام البخار، بعد أن تضع طبقات كثيفة من الدهون والعطور والكريمات على جسدها لتتشرب بشرتها وتتغلغل فيها الخلاصات المرطبة بهذه المكونات، التي تساعد على تفتيح البشرة وفتح المسام وإكساب الجسم نعومة ونضارة ولمعانا، بعدها تستحم العروس بالماء البارد ثم تضع على جسدها كله مجموعة من الأعشاب الطبيعية، التي تكون على شكل عجينة الصلصال، وهي مكونة من قشر البرتقال والليمون المهروس وخشب الصندل، وبعض الفواكه ومسحوق الترمس والذرة الممزوج بزيت الزيتون أو السمسم. وتظل على هذا الحال لمدة نصف ساعة، بعدها يتم شطف الجسم بماء الورد الغزير ثم يتعرض للبخور. العاملات بالحمام، اثنتان تسمى إحداهما (البلانة)، وهي التي تقوم بتحضير المواد والأعشاب للسيدة وتجهيزها بعمليات التدليك وتنظيف الجسد ووضع الحناء، والأخرى يطلق عليها (الماشطة), ويبدأ عملها عقب انتهاء الأولى حيث تتولى تصفيف الشعر وتجميل الوجه.
أما مصدر المياه والبخار في تلك الحمامات، فهو بيت الحرارة، الذي يحوي مغطساً وحوضاً ممتلئاً بالمياه الساخنة التي تصل إليه عبر بئر للمياه في أسفل الحمام، ويتم تسخين المياه بالمستوقد الذي يوجد بجوار الحمام، الذي يكون غارقاً في سحب البخار المنبعثة من المياه الساخنة. الأدوات المستخدمة في برنامج الحمام بدائية وتقليدية، وفي مقدمتها الحجر الأحمر، الذي يستخدم في كشط وإزالة الجلد الميت من الجسم خاصة القدمين واليدين، وهو يمنح الجلد ملمساً ناعماً، والصابون المصنع من زيت الزيتون، وليفة مصنعة من قطع القماش الخشن لتدليك الجسم وإزالة الجلد والخلايا الميتة. ويتسم بهو الحمامات الشعبية في القاهرة بالديكورات والزخارف الإسلامية الكلاسيكية القديمة والأبواب الضيقة الصغيرة والدهاليز والممرات الضيقة، التي تعمل على توفير الهدوء ومنع التيارات الهوائية والضوضاء عن المكان.

حمامات الشام.. ملاحة وإبداع
الشيء نفسه يمكن قوله بالنسبة لبلاد الشام، التي يقول عنها ابن بطوطة حين زيارته لها «وأكثر قرى دمشق فيها الحمامات والمساجد الجامعة».
ومن اللافت في سوريا أن جديدها يعانق قديمها دون تنافر، لتؤكد أنها الأرض التي مرت عليها حضارات كثيرة، والتقت عليها مختلف الشعوب والثقافات والإمبراطوريات العالمية، وحتى تشعر أن العصور القديمة، طوع عينك وما تزال حية لم تغب مثل حضارات: اليونان والرومان، والأشوريين، والسومريين والفينيقيين، ثم القلاع والجوامع الإسلامية المكتملة الروعة. سوريا بالفعل مكان ساحر له خصوصيته، وتقاليده السمحة والمحببة، والأهم هو الإنسان الذى لم يهتز، ولم تدهسه القوانين الكونية الجديدة، وإن كان مثل الكثيرين يلهثون وراء لقمة العيش التي تزداد وعورة كل يوم.
تعددت الحمامات الدمشقية ذات الطابع الفريد فهي وجه من وجوه الإبداع والفن، فالحمام مظهر من المظاهر الصحية وملتقى للحياة الاجتماعية، وحمام النساء يكون توقيته من بعد الظهر إلى المغرب، وكانت الأم التي لديها شاب تريد تزويجه تنتقى له عروساً من الحمام حيث تتاح لها فرصة الانتقاء وإمعان النظر في الفتاة المبتغاة والاطلاع على صفاتها ومحاسنها، وهناك ما يسمى حمام العروس حيث تدعو أم العروس الأقارب إلى ما يسمى حمام العام أو حمام السوق بعد أن تحجزه لهذه المناسبة فتضاء الشموع وتنطلق الزغاريد حيث تدخل النساء إلى أقسام الحمام في موكب حافل بالسرور والزغاريد، وتتباهى النساء بطاسة الحمام الغالية الثمن الآتية من الحج، وبصرة الحمام التي تحتوى على مناشف، ويحضر طعام الغذاء فيمد له السماط في الوسطاني، وهناك حمام خاص للمرأة التي ولدت حديثاً ويسمى حمام الأربعين بعد مرور أربعين يوماً على ولادتها، كما يدعو العريس أصدقاءه وزملاءه إلى الحمام قبل زفافه بيوم حيث يقام له احتفال، وهكذا يرتبط الحمام بجملة من التقاليد والموروثات الاجتماعية التي كتب عنها الدارسون الكثير.. كما ترتبط قصص الحمامات في الأساطير والمأثورات بأنها مسكونه بالجن والعفاريت.
الحمام الدمشقي الذي يعرف أيضاً بالحمام الشرقي هو طراز فريد من البناء العربي، وتقع الحمامات إلى جوار المساجد في الأحياء الدمشقية القديمة حيث لا يُرى بمجمله إلا من سطوح المنازل المجاورة، فهو مؤلف من قبة كبيرة تهيمن على قباب صغيرة يخترقها النور بوساطة قماري، وتعلو هذه القبة فقاعة بلورية (منور) وإلى جانبها مدخنة ويقسم الحمام إلى ثلاثة أقسام، ولا يزال يحافظ على هذا التقسيم حتى الآن وهى: البرانى والوسطاني والجواني وغالباً ما تنسب الحمامات إلى مشايخ ورجال دين عاشوا في أمكنة وجودها وكان لهم يد في بنائها، ولهذا نرى في كل حمام مقصورة منسوبة لاسم والي المنطقة وشيخها كما في حمام القرماني مثلاً فيه مقصورة باسم القاشي والشيخ القرماني, وفى حمام المزة مقصورة باسم الشيخ اليعفورى، وكان في محيط الجوامع سبعة حمامات على عدد أيام الأسبوع.
البرانى: في هذا القسم بحرة ماء وأماكن مرتفعة تسمى المساطب عليها أرائك، وعندما يدخل الزبون يستقبله الناطور، ويسلم الزبون ما لديه من أمانات وأشياء ثمينة لصاحب الحمام الذى يسأله هل يريد الحمام مع تكييس وصابونه وليفة أم دونها، ويقدم له الناطور منشفة لتستره بعد أن يخلع ثيابه كما يعطيه قبقاباً, ثم يسلمه إلى عامل آخر هو (التبع) ليقوده إلى القسم الثاني وهو الوسطاني من أجل (التأقلم) لأن الوسطاني أكثر حرارة من البراني حيث يعتبر مكاناً للاستراحة والتحضير للحمام، ويتم فيه فتح الماء الساخن وتعديله بالماء البارد حسب المزاج، ثم يتم الدخول إلى القسم الثالث وهو (الجواني) حيث يتعرق الزبون بسبب الماء الساخن والحرارة المرتفعة ويقوم المكيس بتدليك جسمه بالكيس ثم بالليفة والصابون ليعود بعد ذلك إلى الوسطاني ليرتاح ويتأقلم من جديد، ويجف عرقه وتغير له المناشف قبل خروجه إلى البراني، من جديد حيث يرتاح على المصاطب ويشرب شراباً بارداً أو ساخناً قبل أن يرتدي ثيابه ويدفع الأجرة لصاحب الحمام ويخرج.
وتتميز أقسام الحمام من حيث البناء بميزات فريدة حيث يتكون البراني من باحة مسقوفة على شكل قبة تستند إلى مثلثات كروية تحيط بها النوافذ، وتعلو سقف البراني قبة مشكلة بما يشبه البرج أما زجاج النوافذ فملون بألوان زاهية ويكون وفق شبكة هندسية بديعة من الخيط العربى منفذة بالجص أو الخشب المدكك بأسلوب الزجاج المعشق مما يسمح بدخول أشعة الشمس بألوان ذلك الزجاج. وتتدلى من سقف الفقاعة سلاسل السرج والمشكاوات مشكاة ثريا تنير البراني. وتشكل الباحة أرضية مرصوفة بحجارة معقولة وردية وسوداء تتخللها تشكيلات جميلة من الرخام المشقف تتوسطها بحرة مكسوة من الحجر الوردي تتمركز فيها كأس تنطلق منها نافورة ماء أو أكثر من نافورة. وتتلاقى الأقواس من الجدران فتزدان بصور نباتية تؤطرها، وتفرش المصاطب بالريش والأرائك والوسائد المنجدة بالدامسكو والمطرزة بالرسوم البديعة، المجللة بالمناشف والفوط المزركشة والمقصبة.
ويتم الانتقال من البراني إلى الوسطاني عبر جناح يتألف من دهليز وردهة، وهناك إيوانات تنتصف في كل منها مصطبة يستريح عليها الزبائن، ويخترق نور القمريات القباب لتعمل على تأمين الإنارة في النهار, وفي الجواني المقاصير التي تحتوي كل منها على عدد من المقصورات لكل واحدة مدخل بقوس معقود بالحجر الأسود أو الآجر.

ذو صلة
التعليقات