مجلة شهرية - العدد (496)  | جمادى الأولى 1439 هـ- فبراير 2018 م

رمضان في كتب الرحالين الأجانب

إن الرحالين الأجانب رصدوا خلال رحلاتهم في أنحاء البلاد الإسلامية كثيراً من مظاهر حياة المسلمين الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولعل المظاهر الدينية لقيت اهتماماً يفوق ما لقيه سواها من المظاهر بسبب الغرابة التي تبدت لهم فيها مقارنة بمعتقداتهم. وكان من بين تلك المظاهر الاحتفال بشهر رمضان قدوماً وصياماً وقياماً وعادات وتقاليد ارتبطت به دون غيره من الشهور، وما يتلوه من احتفالات بعيد الفطر. بل إن بعض الرحالة أشار إلى قضايا فقهية تتعلق بالصوم وبممارسة الحياة خلال شهر الصوم والتغيرات التي تطرأ على سلوك الإنسان، وتمنى الرحالة أن تسود تلك الروح الرمضانية كل أيام السنة.

وقد كانت لهم في الحديث عن ذلك خطط رسموها لأنفسهم, يقول أحد المنصرين في رسالة كتبها من مدينة حلب في سوريا إلى المسؤول عنه حول رمضان, ويقارنه بصوم الفصح عند النصارى, يقول: «لقد التزمت بأن أنقل إليكم ما أجده موغلاً في الغرابة، ويسترعي الانتباه في البلاد التي ينبغي علي التجوال فيها. ولكي أفي بالتزامي أُنهي إلى مسامعكم الخطة التي رسمتها لنفسي. كنت في أثناء الرحلات أكتفي بتفحص متيقظ موقع الأماكن، ووضعية المدن، واختلافات المناخ، ولكن ما إن أستقر في مكان ما حتى تصبح عادات البلد وتقاليده، وما يخص منها الدين على وجه الخصوص محط اهتمامي في دراستي الخاصة؛ وهي دراسة أخصص لها أوقات فراغي التي تتركها لي أعمالي الأساسية».
ثم يقول مقارناً بين صوم المسلمين وفصح النصارى: «رمضان الكريم عبادة مكتوبة أشار القرآن إلى أنها فريضة، وتستمر شهراً قمرياً كاملاً», ثم يتحدث عن موجبات الصوم وحالة السكان، وما يحدث ساعة الإفطار. ويلاحظ المرء لهجة التجني والمبالغة التي ينسبها هذا المنصر إلى الصائمين وما يؤتونه من عبادات تبدو له غريبة. وإذا تركنا هؤلاء المتعصبين لأوهامهم ونظرتهم الضيقة فإننا لا شك واجدون بين الرحالة من نقل لنا وصفاً رائعاً لشهر رمضان، وما يحصل فيه من مظاهر الفرح بالعبادة وأدائها.
فالرحالة جوزيف بتس (الحاج يوسف) JOSEPH  PITTS الذي كان أول إنجليزي يزور مكة المكرمة في التاريخ الحديث 1680م؛ يتحدث عن ماء زمزم في رحلته فيقول: «وفي شهر رمضان يفطرون به، ويقولون إنه حلو كالحليب.. وفي شهر رمضان يتم ملء مئات من أباريق المسجد الحرام بماء زمزم وتوضع أمام الناس ومعها أكواب قبيل أذان المغرب، وبمجرد أن يؤذن المؤذن من فوق المئذنة يشربون من هذا الماء بنهم قبل أداء الصلاة». أما جون لويس بوركهارت JOHN LEWIS BURKHARDT م (1784-1817م) الذي زار بلاد الشام ومصر والحجاز والسودان فقد تحدث عن جوانب كثيرة من حياة الناس في تلك البلاد, ولكنه لم يعرض لرمضان إلا في إشارتين عابرتين عند الحديث عن الحرم المكي قال: «أما في شهر رمضان فإن المصابيح جميعاً تظل مضاءة ليلاً», وقال: «وفي شهر رمضان حيث أمضيت الأيام الأخيرة منه في سنة 1814م بمكة على نحو خاص يبدو المسجد الحرام متألقاً، فالحجاج في هذا الشهر (وقد كانت هذه الفترة أشد فترات السنة حرارة) بشكل عام يؤدون صلاة الصبح والظهر والعصر في منازلهم, وإن كانوا يتجمعون بأعداد كبيرة في المسجد الحرام لأداء صلاتي المغرب والعشاء. فيحضر الواحد منهم وهو يحمل في منديله بعض التمور وقليلاً من الخبز والجبن وبعض العنب، ويضع كل ذلك أمامه منتظراً أذان المغرب فيشرع في الإفطار. وخلال فترة انتظار وقت الإفطار يقدمون للجالسين إلى جوارهم بأدب بعضاً مما لديهم من طعام، ويتلقون منهم ما يقابله. وبعض الحجاج ينتقلون من رجل إلى رجل آخر ويضعون أمام كل منهم قليلاً من الطعام. بينما يتبعهم المتسولون الذين يأخذون هذا الطعام من هؤلاء الحجاج قبل أن يضعوه أمامهم.. وبمجرد أن يؤذن المؤذن: الله أكبر، يسرع كل فرد بالشرب من جرة ماء زمزم الموضوعة أمامه، وأكل شيء ما قبل أن يؤدي صلاة المغرب جماعة، وبعد ذلك يعودون إلى بيوتهم لإكمال إفطارهم، ثم يعودون للمسجد الحرام مرة أخرى لأداء صلاة العشاء. وفي هذا الوقت يكون المطاف والأروقة مضاءة بآلاف المصابيح، بالإضافة إلى مصباح (فانوس) يحضره كل حاج معه ويضعه على الأرض أمامه. إن روعة هذا المشهد بالإضافة لنسمات الهواء البارد التي تهب عبر باحات المسجد تدعو كثيرين لتمضية الوقت هنا حتى منتصف الليل». أما الرحالان الفرنسيان إدموند كومب وموريس تاميزييه ED. COMBES ET M. TAMISIER اللذان قاما بين عامي 1835 و1837م برحلة إلى الحبشة نشراها في عام 1838م في مجلدين, مسبوقة بالحديث عن جولة قاما بها في البلاد العربية؛ فإنهما تحدثا في الفصل الأول عن رمضان والاحتفالات التي تليه قالا: «كنا في يناير (كانون الثاني) 1835م, وبعد الرحلة التي قام بها كل منا على انفراد التقينا في جدة إبان شهر رمضان. وعلى الرغم من أن صبرنا كاد ينفد شوقاً للتوجه إلى الحبشة فإن رغبتنا في حضور الاحتفالات التي يعيشها المسلمون بعد انقضاء شهر الصوم جعلتنا نحزم أمرنا على الإقامة بعض الوقت في ذلك الميناء قبل الإبحار نحو الحبشة. خلال شهر التعفف هذا يعيش المسلمون في أثناء النهار حياة هادئة معتكفين في بيوتهم. فمنذ طلوع الشمس حتى غيابها يمتنعون عن الطعام والشراب، وعن التدخين وعن إتيان نسائهم. ولنا أن نتخيل ما يعانونه من مشاق في اتباع هذه الفريضة، ولن تعترينا الدهشة لرؤيتهم يتخذون كل الإجراءات الممكنة للابتعاد عن كل أشكال الجهد والتعب. فشوارع مدنهم كئيبة يخيم عليها الصمت، وإذا توجهنا بالحديث إلى بعض المسلمين المتقين فإنهم لا يجيبون إلا بإعراض ملحوظ لأنهم يخشون إن كلموك أن يبدر منهم ما يفسد صيامهم. كل مقاهيهم ومحالهم مغلقة، ولولا وجود الفقراء الذين لا يمكنهم الركون إلى الراحة وإلا فإن صيامهم سيكون لمدة أطول لأمكن القول إن جدة مدينة مهجورة. ولكن ما إن يحل الظلام حتى يصحو كل شيء، ويسارع الناس إلى المقاهي، وما تلبث النرجيلة العربية الأنيقة أن تستأنف نشاطها الصاخب: وتعلن منارات المساجد التي تشع منها الأنوار وفي أعلاها الهلال أن الليل مليء بالحيوية.. إن تلك الحركة الشاملة، ذلك الضجيج، ذلك الذهاب والإياب في وقت ينبغي فيه أن يركن الجميع إلى الراحة، إن تلك الحركة التي نلاحظها في المنازل كلها، والأضواء الباهتة التي نراها في محلات التجار الذين يمارسون أعمالهم في ظلام دامس في شوارع ضيقة ووعرة، وظهور ملامح النساء على الشرفات، وصرخات الفرح، والأهازيج، تمنح جدة مظهراً خاصاً، أصيلاً يصعب أن تكون في بلادنا فكرة صحيحة عنه..». ثم تحدث المؤلفان عن إحسان المسلمين إلى خدمهم، وعن تنظيف الشوارع، ورش الممتلكات بالمياه، وعن النظافة المعجبة، وعن خروج النساء بزينتهن الشرقية الرائعة لزيارة الأقارب والجيران، وحضور حلقات الرقص في ساحة واسعة، الرقص العربي ورقص سكان مسقط ورقص الأفارقة، كما تحدثا عن المهرجين من الجنسين وما يقدمونه من لوحات ساخرة، كما تحدثا عن بعض الألعاب الرشيقة التي يقوم بها الشباب ببراعة وخفة. وقالا: «على الجملة، كان في تلك الاحتفالات كثير من الضجيج والحركة والفوضى». أما الرحالة البندقي برنار دو بريدنباخ BERNARD DE BREYDENBACH م (....- 1497م) في كتابه المنشور عام 1409م فقد وصف مظاهر بهجة الناس بهذا الشهر، ووصف إنارة المساجد والدروب، وحلقات الإنشاد والذكر، ودق الدفوف حتى تعذر عليه النوم. وكان ذلك شأن الرحالة فيلكس فابري Félix Fabri نحو (1440-1502م) الذي زار مصر مرتين؛ أولهما عام 1480م والثانية من 13 أبريل (نيسان) 1483م حتى 30 يناير (كانون الثاني) 1484م، وأعرب عن دهشته ليلة دخوله القاهرة لكثرة ما رأى في شوارعها من الأنوار والمشاعل والفوانيس المختلفة ألوانها وأشكالها، يحملها الكبار والصغار، وشاهد المسحراتي يجوب الشوارع ليلاً، وينادي الناس بأسمائهم. واعتقد أنه أحد رجال الدين. وقد حرص بعض أولئك الرحالين على استئجار غرفة أو منزل في شارع رئيسي ليتمكنوا من متابعة الاحتفالات بهذا الشهر. أما الرحالة الفرنسي جاك دو فيلامون JACQUES DE VILLAMONT م(1560-1625م) فزار مصر في عام 1589م في كتابه المنشور بعنوان (رحلات السير دوفيلامون) فتحدث عن مواكب دراويش الصوفية وحلقات الذكر والمساجد المضاءة وزحام الأسواق ومآدب الإفطار التي يدعى إليها الأصدقاء. ويصف المصريين بالكرم فيقول: «ولديهم عادة جميلة، إذ يجلسون على الأرض ويأكلون في فناء مكشوف أو أمام بيوتهم، ويدعون المارة إلى الطعام في صدق وحرارة». ونقتبس ما ذكره المؤرخ الفرنسي الشهير، إدم فرنسوا جومار  Edme François Jomard م(1777-1862)، أحد العلماء الذين اصطحبهم نابليون معه أثناء حملته على مصر عام 1798م في كتابه (وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل), إذ يقول: «تحيا الأعياد الدينية في القاهرة ببذخ شديد؛ فالناس جميعاً يعلمون أن رمضان هو شهر الصوم فيمتنعون عن الطعام والشراب والتدخين، والاستمتاع بأي تسلية لنسيان ذلك الامتناع، ويحتفي المسلمون بليالي رمضان، وبينما يحضرون خلال النهار في جماعات كبيرة، وبورع شديد دروس الفقه في المساجد، تبدو في المساء الشوارع مضاءة صاخبة، وتظل الأسواق والمقاهي مفتوحة حتى أذان الفجر». وأورد الطبيب الفرنسي أنطوان بارتيليمي كلوت  Antoine Barthelemy Clot (1793- 1868م) المعروف بكلوت بك، صديق محمد علي، ومؤسس أول مدرسة للطب في مصر في عهده؛ أورد انطباعاته عن شهر رمضان في كتابه (لمحة عامة عن مصر)  فقال: من مظاهر هذا الشهر صومه، فهو من الفرائض في الدين الإسلامي، وهو لا يقع في فصل معين من فصول السنة، وإنما يطوف بها جميعاً، وتتم دورته في كل ثلاث وثلاثين سنة مرة. وهو، على خلاف ما كنا نعتقد في أوروبا بأنه شهر ترفيه وملذات، شهر كبح الشهوات. ومن الأشياء التي استرعت انتباه كلوت بك امتناع بعض المصابين بالحمى عن تناول الدواء مؤثرين الموت على مخالفة واجب الصوم. وإذا تحدث عن وجبة الإفطار قال: «إن الفقراء يتناولون إفطارهم بنهم وشهية، أما الأثرياء فيكتفون بوجبة خفيفة؛ قليل من الخبز أو الحلوى أو الفاكهة إلى أن يصلوا العشاء، ثم يتناولون وجبة الإفطار الدسمة». ويتحدث عن أحوال الناس فيقول: «إن كثيراً منهم يتخذون طريقهم إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما يذهب بعضهم الآخر إلى المقاهي يستمعون إلى حكايات شعراء الربابة والمنشدين، وتتنوع أمسيات رمضان في شوارع القاهرة ما بين مشاهد ألعاب الحواء أو حلقات الذكر حول ضريح أحد الأولياء». وتحدث عن رمضان بمثل ما ذكر هؤلاء آخرون مثل جلبير جوزيف غاسبار كونت دو شابرول (1773-1843م) Gilbert Joseph Gaspard, comte de Chabrol، أحد علماء الحملة الفرنسية في كتابه (محاولة في تقاليد سكان مصر المعاصرين) الذي نشر في المجلد الثاني من كتاب (وصف مصر). أما من فصّل القول في الحديث عن رمضان وما يمارس فيه من عبادات وتقاليد فهو المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين Edward William Lane م(1801-1876م) في كتابه (أخلاق المصريين المعاصرين وعاداتهم) الذي نشر في عام 1836م، فحدثنا عن ليلة رؤية رمضان عام 1835م، فيذكر: «والليلة التي يتوقع أن يبدأ صبيحتها الصيام تسمَّى ليلة الرؤية»، فيُرسَل عددٌ من الأشخاص الثقاة إلى مساحة عدة أميال في الصحراء؛ حيث يصفو الجو لكي ليروا هلال رمضان، بينما يبدأ من القلعة موكب الرؤية الذي يضم المحتسب وشيوخ التجار وأرباب الحرف والطحانين والخبازين والجزارين والزيَّاتين والفكهانيين. وتتقدَّم الموكب فرقة من الجنود، ويمضي الموكب حتى ساحة بيت القاضي، ويمكثون في انتظار من ذهبوا لرؤية الهلال، وعندما يصل نبأ ثبوت رؤية هلال رمضان يتبادل الجميع التهاني، ويسير الدراويش في مجموعات يطوفون أحياء القاهرة وهم يصيحون (يا أمة خير الأنام.. صيام.. صيام), أما إذا لم تثبت الرؤية في تلك الليلة فيكون النداء (غدًا متمّم لشهر شعبان.. فطار.. فطار). ويعد لين أبرز من تحدث عن المسحراتي وعاداته، وذكر نصوص الأغاني التي يتغنى بها والنوتة الموسيقية الخاصة بكل أغنية. كما ذكر أنه يدور في كل ليلة، ولكل منطقة مسحراتي خاص بها، يطلق المدائح لأرباب المنازل؛ ممسكًا بيده اليسرى بازًا صغيرًا وبيده اليمنى عصا أو قطعةً من الجلد يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل ناقوسين؛ موحداً الله ومصلياً على الرسول- صلى الله عليه وسلم- (اصح يا غفلان وحد الرحمن.. أسعد الله لياليك يا فلان)، داعيًا بالتقبل والحفظ لأهل الدار، ولا يذكر أسماء البنات، وإنما يقول: أسعد الله لياليك يا ست العرايس، وكان المسحراتي يلزم الصمت عندما يمر ببيت في حالة حزن لوفاة عزيز. وتحدث إدوارد لين عن العشر الأواخر من رمضان، وقال إن غالبية المؤمنين يفضِّلون قضاءها في المشهد الحسيني وجامع السيدة زينب.
أما ريتشارد بيرتون  RICHARD F. BURTON
(1821-1890)الرحالة الأيرلندي الذي زار مصر عام 1853م, فيذكر أن مختلف الطبقات تراعي شعائر هذا الشهر بإخلاص شديد، رغم قسوتها، فلم أجد مريضًا واحدًا اضطُّرَّ ليأكل حتى لمجرد الحفاظ على حياته، ويذكر أن الأثر الواضح لهذا الشهر على المؤمنين هو الوقار الذي يغلِّف طباعهم، وعند اقتراب المغرب تبدو القاهرة وكأنها أفاقت من غشيتها، فيطلُّ الناس من النوافذ والمشربيات، فتنتظر لحظة انطلاق مدفع الإفطار من القلعة، ويجلجل صوت المؤذن جميلاً، داعيًا الناس للصلاة، ثم ينطلق المدفع الثاني من قصر العباسية (سراي عباس باشا الأول) وتعم الفرحة أرجاء القاهرة.
أما ألبرت فارمان (ALBERT FARMAN (1876 - 1969 الذي كان قنصل أمريكا العام في القاهرة بين عامي 1876-1881م فقد رصد في يومياته الحياة الاجتماعية في مصر في نهاية عصر إسماعيل وبداية عصر توفيق؛ حيث كان فارمان قنصلاً عامًّا للولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1876م، وعن انطباعاته التي سجَّلها عن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان يقول: «شهر رمضان يبدأ فيه سفر الحجَّاج»، ويذكر أن رؤية الهلال تبدأ بخروج الرجال إلى التلال العالية خلف القلعة، وفور ثبوته يعودون بالبشرى، ولا بد من إثبات ذلك كتابةً، وفور ذلك تسير المواكب الرسمية والشعبية المبتهجة في أرجاء العاصمة القاهرة، معلنةً بدء صيام رمضان.
ولن يكتمل الحديث دون تسجيل ما ذكره المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه SNOUK HORGRONJE (1857-1936م)، الذي أعلن إسلامه وتسمى (عبد الغفار)، في كتابه (صفحات من تاريخ مكة المكرمة).  يقول الأستاذ حسين محمد بافقيه في مقاله المنشور في مجلة العربي: «ومن أمتع ما دونه الرحالة والمؤرخون عن تقاليد المكيين وأحوالهم ذلك السفر الجليل الذي وضعه المستشرق الهولندي سنوك هرخونيه (الصواب هورخرونيه)، وفيه تسجيل وافٍ للحياة في مكة المكرمة عند منتهى القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)، وتقييد لأساليب التعليم والثقافة والحج وأنماط الحياة الاجتماعية عند مطالع العصر الحديث لمكة المكرمة. ورمضان الذي أدركه هرخونيه (هورخرونيه) في مكة المكرمة لا يختلف كثيراً عما عهده البلد الحرام قبل ردح من الزمن، ولا سيما أن الحارة المكية -قبل أن تعرف أصداء الحداثة- ظلت وفية لما نشأت عليه، وانطوت على كثير من التقاليد الضاربة في القدم وتوارثها المكيون جيلاً عن جيل».
يقول هورخرونيه: «وفي النصف الثاني من شعبان يبدأ الحديث عن شهر الصيام رمضان الذي يكون قاسياً في مدينة مكة الشديدة الحرارة. وهناك نكتة تقال للأطفال في العشرين من شعبان، وهي: أن الشيخ رمضان قد بدأ رحلته مع القافلة القادمة من المدينة، وسيكون في مكة بعد عشرة أيام. وفي كل يوم يقطع الشيخ رمضان مسافة، ويصل إلى مكان يسمى للأطفال، وفي نهاية المطاف يبقى الأمر غير مؤكد فيما إذا كان سيصل في يوم أو يومين؛ لأن بداية شهر الصوم تعتمد على رؤية الهلال، أو على إكمال شعبان ثلاثين يوماً إن لم يُرَ الهلال».
وتحدث هورخرونيه بعد ذلك عن محاولة بعض المكيين تنظيف معدته قبل رمضان عن طريق شربة يحضرها أحد الأطباء ويعطيها للناس مجاناً، ثم قال: «إن المدافع تكون على أهبة الاستعداد لتعلن بداية شهر الصوم, وبعد سماع طلقات المدافع تصبح الأسواق أكثر حياة، حيث تجد باعة المواد الغذائية يتفننون في صناعة أطباق الحلوى الرمضانية التي يقبل عليها الصائمون للتحضير لوجبة السحور لأول يوم من أيام الصيام».
ولم يفت هورخرونيه الحديث عن الدروس التي تلقى في رمضان في الحرم المكي، وعن معاناة المشايخ والمستمعين من شدة العطش في الحر الذي يسود في الحرم. ويقول في مكان آخر: «وقبل المغرب يبدأ الزمازمة بالخروج من الخلاوي، ويقومون بفرش السجاجيد والحصر في الأماكن المخصصة لزبائنهم فوق الحصى في صحن المسجد، أو بين أروقة الحرم. وقبل مد السجاجيد يضعون الدوارق التي تحوي الماء البارد، بمعدل دورق لكل خمسة أشخاص. وقبل أن يجلس الأشخاص البارزون في أماكنهم المخصصة لهم توضع بعض الدوارق الخاصة التي تحوي الماء المحلى أو ماء المطر أو ماء العيون، وذلك حسب ذوق الجالس ورغبته. ونجد الجماهير المحتشدة من الصائمين تدخل المسجد.. وكل واحد من هؤلاء يحمل حقيبة صغيرة أو سلة مليئة بالخبز والتمر والزيتون والتين. والأثرياء من هؤلاء يدخلون المسجد يتبعهم خدمهم الذين يحملون على رؤوسهم أطباقاً معدنية ثقيلة مليئة بأنواع الطعام. إن جميع القادمين إلى المسجد قد أخذوا أماكنهم بانتظار لحظة الإفطار، وذلك حين يصعد الرّيس إلى الطابق العلوي الذي يحيط ببئر زمزم ويلوّح بعلم إلى القلعة، التي ينتظر فيها بعض الجنود لإطلاق المدافع إيذانًا بالإفطار. ويسمع المرء الآن من كل أرجاء المسجد دعاء خاصًا، كما يسمع أصوات شرب الماء من الدوارق الخاصة، وكذلك قرقعة صحون الطعام وما إليها. وفي هذه الأثناء، يرتفع الأذان من على المنارات السبع الموجودة في المسجد، يؤدي بعدها الناس صلاة المغرب». ويتابع الأستاذ حسين بافقيه حديثه عما ذكره هورخرونيه فيقول: «وبعد أداء صلاة العشاء وسنة التراويح، ينتشر المكيون في أنحاء بلدتهم المقدسة، ويبدأ البرنامج الرمضاني بالتسوّق أو زيارة الأهل والأصدقاء، ويحلو لزمر منهم عقد (البشكات)، يقطعون بها أوقاتهم بطيب الأحاديث وألوان السمر، وتتناهى إليك أصوات باعة المأكولات الرمضانية الشهية كالبليلة والكبدة، والمقليات، وتعلو جلبة الصبية وقد تجمّعوا، هنا وهناك، يلهون ويلعبون ويعبثون، ويطيب لكل امرئ منهم أن يؤدي العمرة، أما طلبة العلم، فلا أعظم ولا أجمل من أن يلتفّوا حول أحد أشياخهم في رواق من أروقة البيت الحرام يتتلمذون له في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو النحو أو البلاغة، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى بيوتهم ليخلدوا للنوم حتى يحين السحور.
وتحفل المائدة المكية بأصناف من الطعام والحلويات، وألوان من العصير، فإلى مكة المكرمة تجبى ثمرات كل شيء، وفيها من الأطعمة والأشربة ما لا يخلو منه موسم، وهذا الشأن ليس من آثار العصر الحديث، وإنما هو مزيّة أدركها، قديمًا، ابن جبير الأندلسي، وهو ابن الأندلس جنّة الله في الأرض، وحديثًا الأمير شكيب أرسلان، نزيل أوربا، فلكل موسم من الطعام والحلوى والشراب ما يختلف عن الموسم الذي يليه، أما شهر رمضان، فللمائدة المكية نكهتها التي لا تخطئها الأذواق، ومن أشهرها (السمبوسك)، و(القطايف)، و(الفول)، و(اللقيمات)، و(المقلقل). أما المشروبات، فسيّد المشروبات الرمضانية في مكة المكرمة ومدن الحجاز (السوبية)، وعادة ما ترى باعتها منتشرين في الشوارع والحارات، وهناك  (الخشاف)، و(قمر الدين)، و(الحمرة). أما الحلويات، ثمة (الكنافة)، و(القطايف)، و(المهلبية)، و(الكريمة)، و(التطلي). وفي عيد الفطر، يحلو لهم أكل (الديبازة) التي لايكاد يخلو منها بيت في مدن الحجاز لطيب مذاقها».
ويتحدث هورخرونيه عن التسحير والمسحرين والسحور فيقول: «وبالإضافة إلى التذكير هناك التسحير، وهو الدعوة إلى تناول وجبة السحور قبل الإمساك عن الطعام، والتذكير في العادة يبدأ قبل ثلاث ساعات من الفجر. وهو إيذان بالاستعداد للسحور، والسحور أساس ومستحب بالنسبة إلى الصائم». وتحدث هورخرونيه عن العمل في رمضان  وعن عيد الفطر وصلاة العيد والاحتفالات التي تقام بهذه المناسبة.
ولعلنا نختم هذه الجولة بالحديث عما ذكره أحد الرحالة عن رمضان في مدينة غدامس الليبية ما يصدق على تقاليد رمضان في المغرب العربي؛ إنه الرحالة
البريطاني جيمس ريتشاردسون  James Richardson م(1809-1851م) أول مستكشف للصحراء الكبرى من ملاحظات حول رمضان، وملاحظات توضح نظرة الأوربيين للصوم في رمضان من الناحية الدينية أكثر من نواح أخرى.
ولاحظ ريتشاردسون في أول أيام شهر الصوم أن شوارع غدامس كانت خالية من المارة حيث لا يزال الناس نياماً أو ملتزمين بالبقاء في منازلهم، وهذا أمر طبيعي بسبب شدة الحرارة في فصل الصيف وعندما سأل الرايس التركي حول هذا الشأن أجابه أن الناس يعتادون على الصوم بعد يوم واحد.
وعندما زار الرايس في ظهيرة ذلك اليوم وجده صائماً ومجهداً لأنه كان مدخناً, حيث كان الغليون قل أن يفارق فمه في الأيام العادية، وقد بعث الرايس إليه في المساء وجبة دسمة بما فيها حساء الشوربة، وقد اعتاد الرايس أن يرسل إليه الوجبات طيلة شهر رمضان، وقد لاحظ ريتشاردسون أن أول أيام رمضان كأنه ليلة عيد عند السكان. وعنده أن الصوم ظاهرة عامة فالشيوخ والشباب والأغنياء والفقراء وذو الشأن والعامة كلهم صائمون. ويشير إلى أن هناك مشاعر دينية قوية تصاحب الصوم، كما أنه يستحيل وجود شخص واحد في سن الصوم غير صائم. وقد كانت نظرة ريتشاردسون للصوم نظرة مادية وليست روحية, فهو يشير إلى أن الصوم باطل مادام الناس يأكلون في الليل وينامون معظم النهار مقارنة ببعض المسيحيين الذين يصومون عن الأكل ليل نهار، وهو هنا اعتقد في اليوم الأول أن الناس يقضون نهارهم في النوم عندما وجد الشوارع خالية ولكنه في اليوم الثاني يذكر أنه قابل عدداً كبيراً من المارة في الشوارع وبدون أن تظهر على وجوههم آثار الصوم كما كان يتوقع، وقد أقام الرايس في ثاني أيام شهر رمضان في منزله حفلاً دينياً تليت فيه آيات من القرآن الكريم حضره ريتشاردسون، وقد استغرب كيف أن الأهالي المرضى لم يتقبلوا تناول الدواء في أثناء الصوم حتى لو كان في ذلك إنقاذ حياتهم، حيث رفض رجل يعاني من الرمد معالجته نهاراً خشية تسرب القطرة إلى معدته ومن ثم سينتهك حرمة الشهر.
 وقد التقى ريتشاردسون أحد الفقهاء الذي حدثه عن وقت السحور, وهي الفترة التي يستطيع الإنسان أن يأكل فيها قبل طلوع الفجر أو الإمساك الذي يتزامن مع تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وأن تحديد وقت الإمساك كان على عاتق الفقهاء الذي ذكر له أحدهم أنه يمكن تحديده بسهولة في المناطق السهلية حيث لا توجد معوقات تمنع رؤية الأفق مقارنة بالمناطق التي تحيطها المرتفعات. وقد لاحظ ريتشاردسون أن سكان غدامس في رمضان وفي غيره من الشهور كانوا يحرصون على جمع قصاصات الورق الملقاة على الأرض وإخفائها تجنباً وخوفاً من احتوائها على اسم الجلالة. وقد لاحظ أن وظيفة الجزارين لم تكن بيع اللحم بل ذبح الشاة التي يشترك في شرائها عادة 4 أو 8 أشخاص وتقسيمها. وهم بارعون في عملية التقسيم بدون ميزان. وأشار إلى أن حبات التمر كانت أول شيء ينهي به الصائمون يومهم بعد سماع أذان المغرب تليها جرعات الماء مع تكرار الدعاء والتسبيح بحمد الله حتى يؤدوا صلاة المغرب ولاسيما الرجال في المسجد ثم يرجعون لتناول ما أعد لهم من طعام في بيوتهم. وقد لاحظ أن بعض العبيد وإن كانوا يصومون إلا أنهم لا يصلون ولا يذهبون إلى المسجد إلا نادراً مستشهداً على ذلك بخادمه. وقد صادف في ذلك الشهر أن فرض باشا طرابلس محمد أمين مزيداً من الضرائب على سكان غدامس بحجة أنهم لم يساعدوا حملة الباشا لاستعادة الجنوب الليبي وإعادته إلى سيادة الدولة العثمانية، ولتجميع هذه الغرامة المالية نزعت حلي النساء وعرضت بيوت الكثيرين للبيع، وقد حشد الغدامسيون نساءهم وأولادهم في شوارع المدينة أمام موظف الضرائب لإنقاص مبلغ الغرامة، وقد أدت هذه الغرامة إلى سوء حال المدينة في شهر رمضان. كما يشير إلى أن هناك احتفالات دينية كانت تقام بمناسبة ليلة القدر يقوم بها العبيد فيمرحون ويرقصون ويغنون، مرتدين ملابس زاهية، ويتفرج السكان على أولئك العبيد برقصاتهم الرائعة. وقد وافق آخر يوم في رمضان الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) بعد رؤية هلال العيد في اليوم التاسع والعشرين من رمضان، وهذا يعني الاحتفال بالعيد وهي مناسبة تقام فيها حفلات الزواج أيضاً، والعيد الصغير الذي أشار إليه ريتشاردسون بهذا الاسم لاحظ أن السكان الذين قدموا إليه مهنئين بهذه المناسبة كانوا يرتدون ملابس جديدة خاصة بالعيد ويبدو الابتهاج على وجوههم، وجرت العادة أن يحلقوا شعورهم مجاناً بأن يحلق بعضهم لبعض. وأشار إلى أن المسلمين الملتزمين منهم لا يأكلون شيئاً حتى يفرغوا من صلاة العيد التي تنتهي قبل الظهر بقليل، وقد كانت المساجد تزين بالأعلام ذات اللون القرمزي والأصفر والأخضر، ويجتمع أهل البلد عند الرايس للتهنئة، ومن مظاهر احتفالات العيد حفلات الرقص التي يقوم بها العبيد طيلة اليوم وتنتهي بالأدعية، واستمرت الاحتفالات في اليوم الثاني حيث شاهد ريتشاردسون الجميع يلهون بالمراجيح التي كانت تربط بين النخيل وكانت من أهم وسائل الترفيه في المدينة، وبسبب الأحوال الاقتصادية السيئة في غدامس كان أغلب الناس يقتاتون بالبازين والتمر بسبب استيلاء الأتراك على جل ممتلكاتهم.
تلك كانت جولة في كتب الرحالين الأجانب استطلعنا من خلالها حديثهم عن شهر رمضان المبارك وما يتعلق به من عبادات واحتفالات تعطي القارئ فكرة عن تلك الرؤية الخاصة التي امتاز بها أولئك الرحالون.
إشارة
لقد سبقني إلى الكتابة عن هذا الموضوع باحثون استعرضوا ما جاء به الرحالون في الحديث عن شهر رمضان؛ لعل أولهم الأستاذ عرفة عبده علي في بحثه المنشور في مجلة (العربي) الكويتية بعنوان (رمضان في كتابات الرحالة الأجانب). ويتناقل هذه المقالة عدد من المواقع دون الإشارة إلى الكاتب، بل اكتفت بالذكر أنها عن مجلة (العربي) الكويتية. وثانيهما هو الأستاذ حسين محمد بافقيه الذي تحدث في مجلة (العربي) نفسها عن رمضان في مكة المكرمة (جلال الدين وبهجة الدنيا), وعرض في مقاله لما ذكره سنوك هورخرونيه عن رمضان في مكة المكرمة، وهو رحالة لم تعرض له المقالة السابقة. ثم جاء الأستاذ عماد عجوة فكتب مقالاً بعنوان: (رمضان في القاهرة.. بعيون الرحالة الأجانب) فكرر بدون إشارة ما جاء في مقال علي عبده عرفة، وامتاز منه بأنه ذكر عدداً من مراجع بحثه. ونجد المعلومات نفسها في (معجم رمضان). وإن ما يؤخذ على بحث عرفة أنه يذكر أسماء الرحالين بالحروف العربية دون ذكر أسمائهم بلغاتهم الأصلية، ودون ذكر أسماء كتبهم بلغاتها الأصلية عندما لا تكون مترجمة.


ذو صلة
التعليقات

   محمد رجب السامرائي
   mr_alsamarie@yahoo.com
   إمارات عربية متحدة -أبوظبي
   الإثنين 01/08/2011
السلام عليكم شكراً للكاتب الفاضل الذي اتحفنا بهذا الموضوع الرمضاني عن الرحالة الأجانب، وذكر أن هناك من سبقه من الكتاب في الكتابة عن الموضوع في مجلة العربي، وأود أن ألفت نظر الكاتب الفاضل أنني سبق أن نشرت دراسة متكاملة في مجلة تراث الشهرية الصادرة عن نادي تراث الإمارات في أبوظبي بعددها الستين لشهر نوفمبر 2003م بعنوان" رمضان والعيد في ذاكرة الرحالة". شكراً للمجلة والكاتب ورمضان مبارك على الجميع إن شاء الله...