مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

فيما استبعد من مهرجان كان .. مهرجان دمشق السينمائي يمنح ذهبيتين لفيلم (الخارجون عن القانون)

يعد مهرجان دمشق السينمائي واحداً من المهرجانات السينمائية العريقة في العالم العربي، إذ تعود انطلاقته الأولى للعام 1979، واستمر المهرجان في الانعقاد منذ ذلك التاريخ مرة كل سنتين إلى أن تحول في السنوات القليلة الأخيرة إلى مهرجان سنوي يعقد في كل سنة ليصل إلى دورته الثامنة عشرة التي انتهت قبل أيام حيث عقدت الدورة الأخيرة في الفترة من 7 إلى 13 نوفمبر 2010.

وحفلت الدورة الأخيرة، مثل سابقاتها، بتظاهرات سينمائية عدة عرضت خلالها أفلام من جغرافيات العالم المختلفة، وأظهرت التيارات والمدارس والتجارب السينمائية شرقاً وغرباً، وشهدت ندوات حول الأفلام المشاركة، فضلاً عن الندوة المركزية التي تمحورت حول دور المهرجانات السينمائية العربية في تفعيل الإنتاج السينمائي العربي، وتنشيط دور السينما في المجتمع. كل هذه الأجواء الكرنفالية تعززت بحضور عدد من نجوم السينما ومن السينمائيين والباحثين، بينما كان الجمهور يتنقل من صالة عرض إلى أخرى، إذ يسجل لمهرجان دمشق السينمائي عرضه لأفلام تتعذر مشاهدتها في دمشق خارج هذه المناسبة التي ينتظرها عشاق السينما كموعد سنوي بهيج.
ويتسم مهرجان دمشق السينمائي بهويته الثقافية، وبحثه عن أفلام تشكل تحفاً فنية في تاريخ الفن السابع. وانطلاقاً من هذا المسعى شهد المهرجان تظاهرات عدة بينها تظاهرات لعدد من المخرجين، ومنهم المخرج الفرنسي إيريك رومر، والأميركيان أورسون ويلز، وديفيد لينش، والبولوني رومان بولانسكي، والبريطاني ريدلي سكوت، والبوسني أمير كوستوريتسا، فضلاً عن تظاهرة (درر السينما الثمينة)، و(مقهى السينما العالمية)، وتظاهرة الممثل الراحل مارلون براندو والممثلة ساندرا بولوك، وتظاهرة للسينما الدنماركية، وأخرى مماثلة للسينما التركية التي حلت كضيف شرف في المهرجان، إذ عرضت باقة من الأفلام التركية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، كما كان قوام الوفد التركي كبيراً وضم عدداً من السينمائيين الأتراك الذين رفعوا شأن السينما في بلادهم.
هذا الازدحام السينمائي الذي شمل 232 فيلماً روائياً طويلاً، جدد انتقادات قيلت في دورات سابقة، وتمثلت في أن بعض هذه الأفلام عرضت كـ(دي في دي)، وتم اللجوء إلى عرض أفلام قديمة مخزنة في المستودعات عبر عروض مكررة، وتجاهل المهرجان للنخبة السينمائية المحلية، كما علت الأصوات احتجاجاً على دعوة المغنية اللبنانية هيفاء وهبي التي لم تظهر سوى في فيلم سينمائي وحيد هو (دكان شحاته) مع المخرج خالد يوسف.. كل ذلك وسط تساؤل بات مملاً، حول جدوى هذا المهرجان في بلد فقير بالإنتاج السينمائي.
لكن الملاحظ، ورغم هذه الانتقادات، فإن تظاهرة البرنامج الرسمي حوت عدداً من الأفلام الحديثة المهمة التي نالت احتفاء في مهرجانات دولية حيث أتيحت رؤيتها للجمهور السوري خلال أيام المهرجان، ومن هذه الأفلام (فيلم اشتراكية) لجان لوك غودار، و(بيوتيفيل) لأليخاندرو غونزاليس ايناريتو، و(عسل) لسميح كابلانوغلو، و(في مكان ما) لصوفيا كوبولا، و(الكاتب الشبح) لبولانسكي، و(العم بونمي الذي بوسعه تذكر حياته السابقة)، و(الوشاح الأبيض) لمايكل هانيكه، و(النبي) لجاك اوديارد، وغيرها.
المسابقة الرسمية والجوائز
في المسابقة الرسمية التي تنقسم إلى ثلاث فئات هي مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة الأفلام القصيرة، ومسابقة الأفلام العربية، ولكل منها لجنة تحكيم خاصة، تنافس 24 فيلماً روائياً طويلاً، من ضمنها ثمانية أفلام عربية، وهي: من سوريا (مطر أيلول) لعبداللطيف عبدالحميد، و(حراس الصمت) لسمير ذكرى، ومن الجزائر (الخارجون عن القانون) لرشيد بو شارب، ومن لبنان (كل يوم عيد) لديما الحر، ومن مصر (الوتر) لمجدي الهواري، ومن تونس (آخر ديسمبر) لمعز كمون، ومن الإمارات (ثوب الشمس) لسعيد سالمين، ومن المغرب (الجامع) لداوود أولاد السيد.
ولم تنجُ هذه الدورة من لغط تركز حول لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة التي ترأسها المخرج الروسي فلاديمير مينشوف، ومنحت جائزتها الذهبية للفيلم الجزائري (الخارجون عن القانون) لرشيد بوشارب. وبمعزل عما إذا كانت هذه الجائزة جاءت -كما قيل- بمثابة رد على ما تعرض له الفيلم لدى عرضه في مهرجان كان السينمائي الأخير من رفض، واحتجاج اليمين الفرنسي المتطرف ضده باعتباره (يشوه حقائق التاريخ)، أو بوصفه (تحية لثورة الجزائر)، فإن ما لا يمكن التغاضي عنه هو أن اثنين من أعضاء لجنة التحكيم وهما المخرج السوري نجدة أنزور والمخرجة المصرية ساندرا نشأت قد رفضا التوقيع على البيان الختامي الذي تضمن جوائز المهرجان.
ولم يكتف أنزور بالانسحاب، بل عقد مؤتمراً صحافياً بعد انتهاء المهرجان، شكك فيه بـ(مصداقية ونزاهة رئيس اللجنة) معترضاً على طريقة تعامله مع أعضائها، وعلى النتائج. واللافت أن رئيس المهرجان محمد الأحمد، الذي عقد بدوره مؤتمراً صحافياً أعلن خلاله عن ملامح الدورة المقبلة للمهرجان، رأى أن أنزور (كان على حق) حين انسحب من اللجنة، مستدركاً أن لجان تحكيم المسابقة الرسمية للمهرجان كانت أقوى لجنة في تاريخ مهرجان دمشق السينمائي نظراً للسمعة الطيبة والخبرة السينمائية لأعضائها.
الفيلم الجزائري الفائز يتناول محطات دراماتيكية في تاريخ الجزائر عندما كانت مستعمرة فرنسية، ويسرد بوشارب ضمن قالب بوليسي، مليء بالعنف، كيفية نشوء جبهة التحرير الوطنية الجزائرية في فرنسا ونزعتها الراديكالية في القضاء على مناهضيها، وظهور حركة فرنسية موازية سميت بـ(اليد الحمراء) بغرض تصفية الجبهة الوليدة. وإذا استثنينا هذا الفيلم، الذي نال (جائزة أفضل فيلم عربي) كذلك، باعتباره مشغولاً بجهد واضح ووفق سيناريو معقد، فإن المؤكد أن الفيلم الإيراني (آسف على الإزعاج) لمحسن عبدالوهاب، الذي حاز فضية المهرجان، لم يكن يستحق هذا اللقب، فهو بعيد عن تلك الأجواء السينمائية المرهفة التي منحت السينما الإيرانية مجدها، وشهرتها العالمية الواسعة. إنه أقرب إلى حلقة تلفزيونية تسرد ثلاث حكايات عادية من طهران، وباستثناء تلك الومضات الذكية في الحوار الذي كان يدور بين شخصياته القليلة، فإنه لا ميزة أخرى للفيلم الذي لا يحيلنا مطلقاً إلى تحف مجيد مجيدي وكياروستامي ومخملباف وغيرهم.
أما الفيلم السوري (مطر أيلول) لعبداللطيف عبدالحميد، الذي قطف برونزية المهرجان، فجاء أشبه بمرثية سينمائية حزينة لحكايات حب في منتهى الشفافية تنمو بين الجوارح، بينما تترصدها الأقدار الأليمة التي تغلق باب الأمل أمام أية نهاية سعيدة. فيلم قائم على المفارقات المحببة، واللوحات الكوميدية الطريفة التي باتت ملمحاً رئيساً لسينما عبدالحميد الذي يوظف، هنا، وعلى نحو موفق؛ ومؤثر تلك الأغاني التي استقرت في ثنايا الوجدان وصاغت ذاكرة جيل ينتمي إليه المخرج الذي بدا غير راض عن البرونزية، رغم تفوقه على أفلام حظيت بثناء النقاد مثل الفيلم الإسباني (الزنزانة 211)، والفرنسي (أميرة مونتبنسييه)، والألماني (مصففة الشعر) الذي استحق جائزة أفضل ممثلة لجابرييلا ماريا شميد عن دورها في هذا الفيلم، أما جائزة أفضل ممثل فذهبت إلى جورج بيستيرينو عن دوره في الفيلم الروماني (إذا أردت أن أصفّر، فسأفعل).
ولم تخرج تركيا من المهرجان من دون جائزة، إذ ذهبت جائزة مصطفى العقاد للإخراج إلى الفيلم التركي (كوزموس) للمخرج ريها ايردم، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى الفيلم الإيطالي (حياتنا) للمخرج دانييل لوشيتي، في حين حظي فيلم (حراس الصمت) لسمير ذكرى بتنويه خاص من لجنة الفيلم العربي التي أشادت بمسألة الاقتباس السينمائي من الرواية الجادة.
ومن بين نحو 90 فيلماً مشاركاً في مسابقة الأفلام القصيرة، فاز الفيلم البلجيكي (الأرجوحة) لكريستوف هيرمانز بالذهبية، ونال السلوفاكي (حجارة) لكاترينا كيريكيسوفا الجائزة الفضية، أما الفيلم التونسي (موجة) لمحمد عطية فقد فاز ببرونزية الفيلم القصير.
وحظي بالتكريم في حفلي الافتتاح والختام عدد من السينمائيين بينهم المخرج الروسي فلاديمير مينشوف رئيس لجنة تحكيم الأفلام الروائية، والممثلة الهندية شارميلا طاغور، والتركية توركان شوراي، والإيطالية آنا بونايوتو، والنجم المصري حسن يوسف، والممثلة ماجدة، وعدد من السوريين، بينهم الممثلة كاريس بشار، والممثل سلوم حداد، والناقدة السينمائية ديانا جبور، والمخرج مأمون البني وغيرهم، كما وزعت إدارة المهرجان، كعادتها في كل دورة، كتباً سينمائية صادرة عن المؤسسة العامة للسينما السورية بتوقيع عدد من النقاد والباحثين مثل إبراهيم العريس وقيس الزبيدي وعدنان مدانات ومحمد كامل القليوبي، فضلاً عن عدد من الكتب المترجمة.
في غضون ذلك، وكما جرت العادة، فإن آراء النقاد تراوحت بين السخط والرضا، فقد حظيت أفلام البرنامج الرسمي بترحيب كبير من قبل النقاد والجمهور معاً، إذ عرضت خلاله أفضل الإنتاجات السينمائية العالمية التي نالت جوائز في كان وبرلين وأوسكار أفضل فيلم أجنبي، إلى جانب تظاهرات لمخرجين كبار شكلوا علامات مضيئة في تاريخ الفن السابع. لكن في المقابل أثيرت انتقادات حول مقاطعة بعض السينمائيين السوريين للمهرجان، وحول أن المهرجان راح يفقد هويته التي تمثلت في شعار دورات سابقة (من أجل سينما متقدمة متحررة)، إذ كان الاهتمام ينصب، آنذاك، على سينما آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية فحسب، فضلاً عن تفاصيل صغيرة تتعلق بانسحاب هذا الفنان أو ذاك من حفل الافتتاح أو الختام لعدم عثوره على كرسي في الصفوف الأمامية، وغير ذلك من الهنات التي تصاحب أي مهرجان. مع ذلك يظل (دمشق السينمائي) نافذة واسعة الطيف يطل من خلالها محبو الفن السابع على أفلام تتعذر مشاهدتها من دون هذه المناسبة. أكثر من ذلك، فإن الطقس السينمائي الحار والديناميكي الذي يخلقه مهرجان دمشق غريب ومثير للتساؤل، فلو عرض أي فيلم من أفلام التظاهرات في صالات دمشق في أي وقت آخر لما وجدت ربع العدد الذي يتهافت على صالات السينما أثناء المهرجان الذي ينجح في خلق مناخ سينمائي يعز الاهتداء إليه بدون هذا المهرجان.
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات