مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

الملك لير.. بين السينما والمسرح

كيف يمكنك أن تكون مهيَّأً لمشاهدة فيلم عن مسرحية الملك لير التي كُتِبَتْ في عام 1608 ثم ترى البنايات الشاهقة والأضواء في كل مكان، ترى السيارات الفارهة والجنود يرتدون ملابس الجندية الحديثة ويحملون الأسلحة الأوتوماتيكية؟! ربما يصيبك العجب وتتساءل كيف سيتم نقل المسرحية وسط هذا الزخم من المناظر الحديثة في فيلم (King Lear) كتابة وإخراج (ريتشارد آير) مقتبساً عن شكسبير. قام ببطولته العملاق (أنتوني هوبكنز).
تشدك الكاميرا بسلاسة بكل تقنياتها الحديثة عبر سيارة فارهة لتدخل قلعة عظيمة وفي تلك اللحظة تشعر أنك قد انفصلت عن العالم الخارجي وأنك انتقلت لزمن شكسبير.
هل أراد المخرج (ريتشارد آير) أن يقول إن الحكاية صالحة لكل زمان ومكان؟ فأنت لا تتساءل أين القلعة، ولا أين المكان الذي تدور فيه الأحداث، أنت مندمج مع الحكاية، والديكور المحيط بنا على الشاشة يَخْرُج من واقع حداثة التصوير وحداثة الواقع لقلب زمن الحكاية، أعمدة صخرية تشي بالرجوع لزمن المسرحية، كراسي وحقائب تقول إننا في الزمن الحالي، هذه خلطة مميزة بين الماضي والحاضر في الوقت ذاته، ترى أنه مصنوع في هذا الزمان الحالي على طراز قديم، روح الديكور تنتمي إلى زمن غابر، كأنه قد تم نقل الزمن القديم هنا، أو كأنك تعيش في الوقت الحاضر بسمات الزمن القديم.
الكاميرا بارعة في التنقل بين الوجوه، لقد أعطتنا إحساس المسرح في التنقل بين الشخصيات، وفي نفس الوقت لم نفقد روعة الإحساس السينمائي في اللهاث السريع وراء الشخصيات والتتبُّع الحميم للملك لير، والتركيز على الشخصيات لكشف أبعادها العميقة، والتدقيق على التفاصيل الصغيرة بصيغة سينمائية بارعة. لن تشعر أنك في مسرحية، ستشعر أنك في فيلم خالص يتخذ كل إمكانات الكاميرا في تتبُّع الحدث بدقة عالية، في الظلال البديعة، والتعبيرات النادرة على ملامح الشخصيات.
كذلك الملابس والأحذية والقمصان كلها تنتمي لزماننا، لكنها في الوقت ذاته تحمل عَتَاقة ما، قِدَماً ما وعودة للتراث، ربما تستشعر بذلك وأنت ترتدي ملابس جديدة لكنها كلاسيكية الروح! هذا هو المقصود، ملابس النساء حديثة وألوانها تعطي روح الكلاسيكية، ليس هناك بهرجة فَجَّة، قَصَّات الشعر، كلها حديثة وتنتمي في ذات الوقت لروح شكسبيرية، كان هذا جيداً، أن نعيش بمعطيات الزمن الحديث روح الزمن القديم.
على الرغم من أننا كنا نشاهد فيلماً بتقنيات حديثة جداً، إلا أن روح النقلات المسرحية كانت متواجدة بوضوح داخل إطارات محددة للصورة، فالصورة غالباً لم يظهر فيها أي براح وكأننا داخل مسرح، يمكنك أن تُحْصِي عدد المشاهد الخارجية في الفيلم وأن تقارن بينها وبين مشاهد النص المسرحي، لكن الكاميرا تميزت وقالت بوعي وصراحة إننا داخل فيلم وليس مسرحية حين تنتقل ببراعة من عين امرأة لعين طائر في السحاب إلى جانب النقلات السريعة لإظهار المشاعر والأحاسيس، لقد تم نقل جوهر المسرحية واستخدام تقنيات السينما في منحنا فيلماً جيداً يعتمد على نفس النص الأصلي لمسرحية الملك لير لشكسبير. فمثلاً من المَشَاهد التي يصعب تصويرها على المسرح مشهد هروب (إدغار) والكلاب تجري وراءه، ومشهد انطلاق السيارات المدرعة، وانطلاق الدراجات النارية، ومشهد العاصفة الحي، أيضاً من المشاهد السينمائية المميزة في الفيلم مشهد إغلاق الباب من العاصفة ولحظة نزول الترباس بقوة، دلَّنا على أن عائلة الملك لير قد أغلقت باب الرحمة في وجهه، بكل قسوة ارتطام الترباس المزعج وغلق الباب العنيف، لقد تمت القطيعة الآن في مشهد موحٍ بسيط، تم إغلاق الباب وإغلاق العلاقة.
الملك لير على خشبة المسرح
عن وزارة الثقافة المصرية، البيت الفني للمسرح، تم إنتاج مسرحية الملك لير، إخراج (أحمد عبدالحليم) في العام 2001، والذي قام بدور الملك لير الممثل الشهير المحبوب (يحيى الفخراني) أرادت المسرحية أن تنحو نحو الكوميديا لإضحاك الجمهور، وبذلك يكون لدينا رؤية مغايرة لشخصية الملك لير ومأساته، فمن الصعوبة بمكان أن تُحَوِّل المأساة إلى كوميديا، لأن طبيعة نص المسرحية يميل للمأساة، لذلك كان الاعتماد في الإضحاك على الحركات الجسدية أكثر، وتقطيع جُمَل حوارات شكسبير بطريقة تبدو مضحكة بما يتناسب مع روح المجتمع مما أعطانا بعض الضحكات. فمثلاً كان (إدموند) يدعو: (يا رب انصر أولاد الحرام) وتتحوَّل عينه للجمهور بطريقة ذات مغزى، هناك أيضاً مفارقات مع الموقف المسرحي بعثت على الضحك.
افتقدنا الفخامة والعودة لعصر الملك لير في الأزياء وديكور المسرحية، أيضاً نتساءل عن السبب الذي تم من أجله إدراج شِعْر العامية، والرقصات غير المبرَّرة في مقدمة الفصول، ربما لكسر حالة الملل وتهيئة الجمهور للعرض.
(إدموند) بين الفيلم والمسرحية
ظهر (إدموند) على الشاشة في فيلم (King Lear) ظهوراً رائعاً وجارحاً في الوقت نفسه، فقد تم إخبارنا أنه ابن زنا، فرأينا في عين الممثل (جون ماكميلان) لمعة غريبة، لمعة انكسار وتحدٍ ورغبة في الانتقام، وشيء ما من الكُرْه الداخلي، كل ذلك يشعرك به (جون ماكميلان) في لقطة واحدة ومن أول طلة على الشاشة. وفي حركة عفوية ظهرت في الفيلم العلاقة بين (إدموند) و(ريجان) ابنة لير الوسطى في لقطة كاشفة حين مسَّ كتفها وهي تسير خلف زوجها، لقد مس جسدها وهي تقبَّلت ذلك فعلمنا دون حوار أن هناك علاقة سريَّة بينهما في الخفاء.
دور (إدموند) في المسرحية والذي قام به أحمد سلامة، دور خبيث مميز، حاقد واضح الحقد، لكن ليس بمرارة (إدموند) في الفيلم، فقد رأينا حقداً ومرارة واضحة، لكن الشر لم يبدُ في المسرحية سوى عبر ضحكات الشر العادية التي نسمعها ونعرفها، لم يكن في المسرحية شر خاص، فقط كان التعبير عن الشر بالضحكة الشيطانية المجلجلة التي عرفناها كثيراً عند نجوم الشر في السينما العربية، ضحكة تحيلك للشر السهل البسيط وسريع الوصول لمُشَاهد المسرحية، ربما عدم وجود كاميرا توضح انفعالات الممثل ساهمت في هذه الأحادية من الاعتماد على الانفعالات المتشنجة، أما دور (إدموند) في الفيلم والذي ظهر مُرَكَّباً إلى حد بعيد، بين الحقد والمرارة والرغبة في الانتقام ومحاولة استغلال الأخ والأب، لقد نجح (جون ماكميلان) في دور (إدموند) ببراعة.
(أنتوني هوبكنز).. مَلِك من نار
حين يطل (هوبكنز) على الشاشة يجعلنا ننتبه، فمسيرته في ممرات القلعة وكأنه ذاهب لأمر في غاية الأهمية، أمر مصيري وحياتي، تحركاته تنبئ عن قلق داخل نفسه، وصلتنا هذه المشاعر دون أن ينطق (هوبكنز) كلمة واحدة، فقط من متابعة الكاميرا لظهره المتوتر أثناء السير، وبالفعل فَتَحَ الخريطة في اجتماع الأسرة وكأنه سيُلْقي قنبلة، وأثناء عرض تقسيم ممتلكاته على بناته رأينا انكساراً واضحاً في أعماقه، كان هو يقاوم الانكسار بشراسة، يبدو أن (هوبكنز) استوعب شخصية الملك لير تماماً، حتى إننا نسينا (هوبكنز) وصرنا نتعامل مع لير.
(هوبكنز) ينفعل مع كلمات شكسبير بكل عضلات وجهه وجسده، أنت تراه كَوَتَر مشدود، حين يقول لابنته: (أنتِ داء في جسدي ليس في مقدوري إنكاره، أنتِ قرحة ودمل متورم، خثرة في دمي الفاسد) يقولها بكل ما للكلمات من طاقة انفعالية، يجعلك تكره ابنته الناكرة للأبوة.
ظهرت روح المرح داخل (هوبكنز) حين وقع خادم ابنته على الأرض، كان فَرِحاً كطفل في ثوب عجوز، لقد رقص بحيوية كأنه انتقم انتقام الطفولة، هذا لم يمنع من وجود لحظات غضب قاسية وعنيفة كأنه نار، متوتراً تمتلئ روحه بقوة السطوة.
لقد بدا (هوبكنز) في نهاية الفيلم عجوزاً ومنهكاً جداً حتى كدنا نُشْفِق عليه، بَانَ في النهاية هَشَّاً حقيقياً لا يملك من القوة أن يقف على قدميه، فكانت لحظة خروج روح لير مميزة، لقد مات أمامنا بالفعل وخلعوا القبعات وتَرَكَنَا في حزن وهو يخرج محمولاً على عربة هو وبناته الثلاث نحو الضباب والنور.
يحيى الفخراني.. مَلِك من بهجة الطفولة
دور يحيى الفخراني في المسرحية مُبْهج بداية من ارتدائه الألوان الزاهية، وبسمته الطفولية الرائقة التي كانت معه أثناء دخوله المسرح ودمعة الفرح المحبوسة في عينيه، حتى تشعر أنك في حالة بهجة كوميدية رائقة منذ البداية، وهذا يجعلك في حيرة، كيف سيفعلها الفخراني ويعالج مأساة الملك لير بكل هذه البهجة؟!
يتحرك الفخراني على خشبة المسرح حركة تدل على شيخوخته المعذَّبة وأنه صار كبيراً في السن، يهتز من وَهَن، ولكن البهجة تعم روح حركته على خشبة المسرح. تأكدت هذه الفرحة وهو يتحدث لابنته (كورديليا) بحالة من الحب، وفي لحظة واحدة تتبدل حالة يحيى الفخراني من البهجة الشفيفة إلى حزن يطعن القلب، لقد تحوَّل الفخراني إلى حزن طفولي حقيقي ليس عصبياً متشنجاً، هنا نحن نرى لير مختلفاً، لير الفخراني، آلام القلب تظهر على ملامح وجه الفخراني بوضوح، لقد رأينا حقيقة أعماق لير في تعبيرات وجه الفخراني.
في لحظات ثورة المشاعر الإنسانية داخل النص كان الفخراني في غاية الجدة والحزن المتناسب تماماً مع حالة لير، لقد بكى بالفعل على خشبة المسرح، صنع شخصية متكاملة للملك لير، وهو في أعماقه كطفل يمكنه أن يتحوَّل من البكاء إلى الضحك، إلى الثورة في لحظة، كان يتحرك بيسر وسهولة داخل الشخصية ليصل إلينا النص باستمتاع. يصور لحظات الغضب كطفل بريء، يبكى أمامك، تشعر أن قلبه يكاد يقفز على خشبة المسرح انفطاراً من هول ما سمعه من ابنته وجحودها الشنيع، يقفز على جبينه عرق حقيقي، ينفعل بكل جوارحه، يهتز كل جسده من الانفعالات، يجعلك تصرخ في وجه ابنته (حرام) يبكي بحرقة شديدة مندمجاً حتى ينتزع تصفيق الجمهور الحار، تجد يدك تصفق دون أن تدري مع هذا التمثيل البديع، وترغب أن ينتقم له الرب.
الملك لير.. بين يحيى الفخراني وأنتوني هوبكنز
إذا حاولت أن تقارن بين الفخراني و(هوبكنز) في تمثيل دور الملك لير فلن تجد أمامك سوى ممثلين أجاد كل منهما صناعة الملك لير بطريقته الخاصة، منحنا كل منهما الملك لير الذي يخصه، كأنهما نقيضان، لكن في النهاية لا تملك إلا أن تعجب بلير الفخراني ولير (هوبكنز).
بعد مشاهدة العملين ستقع في حيرة، كيف كان لير الحقيقي في عمل شكسبير؟ هل هو هذا العصبي المتوتر المكوي بالقلق والحنق، الممتلئ بالغضب والقوة النارية والرغبة في إنهاء شرارة غضب داخله؟ أم لير صاحب هذا القلب الطيب الطفولي البريء المبتسم أبداً، والذي يبكي كطفل فَقَدَ حنان والدته؟ كلاهما لير على نقائض الحالة النفسية. لكن تبقى في الحالتين نقطة تماس، وهى أعماق لير، هذا العجوز الهَش الذي يريد أن يحصل على المديح من بناته، ليؤكد لنفسه أنه محبوب، ويريد أن يقضي آخر أيامه في سعادة مبتعداً عن سلطة الحكم.
لير الفخراني يحيل المشهد لكوميديا ويحول الجد للضحك، يتلاعب بالجُمَل الحوارية لشكسبير، يحرك جسده بطريقة مضحكة، ويستخدم إشاراته الخاصة، فتضحك مرغماً، نرى ذلك في المشهد الذي ارتدى فيه الفخراني التاج من الخوص، لقد كان المشهد حزيناً ومضحكاً في الوقت ذاته، لقد انتزع الضحكة والتصفيق في آن واحد.
أما لير (هوبكنز) فكتلة من نار الغضب والسيطرة القوية التي تشبه الملحمة. يعطي من حركاته التمثيلية البارعة بأنه كان في شبابه قوياً، فتياً، رجل حرب، بتكوينه الجسماني المتماسك، والذي وصل للشيخوخة بهذه القوة.
أما يحيى الفخراني فتكوينه الجسدي وطبيعته الجسمانية لا تدل على أنه كان في شبابه محارباً قوياً لقد كان هذا التكوين دافعاً أساسياً لأن يخرج يحيى الفخراني من طور الملك المحارب القوي في إطار الكوميديا لطور الملك الذي يحوي قلب طفل، فكان يحيى الفخراني الأقرب والأصلح لهذا الدور فعلاً.
لقد استطاع الفخراني أن يحقق وجود حقيقة الملك لير في عرض واحد، لم يكن هناك فواصل زمنية مثل حالة (هوبكنز) في الفيلم الذي تم تصويره على تباعد زمني، هل يمكن أن نقول إن تَلَبُّس حالة واحدة لمدة تزيد عن ثلاث ساعات أيسر من الاستدعاء للحالة في فترات زمنية متباعدة؟ لن نستطيع تحديد أيهما أصعب، فما وصلنا من يحيى الفخراني و(هوبكنز) أنهما قاما بدور الملك لير بكل دقَّة ومهارة كُل حسب رؤيته وقدراته البارعة، ولم يفلت منهما الملك لير الذي يخص كلاً منهما طوال الفيلم والمسرحية.

ذو صلة
التعليقات