مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

دور العميان في الثقافة العربية

لا تنهض الأمم إلا بسواعد جميع أبنائها، سواء أكانوا أشخاصاً عاديين أم من أصحاب الهمم العالية ممن تحدوا الصعاب وحطموا المستحيل وقهروا الإعاقة. ويزخر التاريخ العربي والإسلامي بمئات النماذج التي سطرت صفحات مشرقة في الثقافة العربية وخلفت ورائها العديد من الذخائر والمنجزات، ومع ذلك لم تحظ ولم تنل نصيباً من الشهرة كما نال غيرها، ولذا سوف نحاول أن ننير شمعة لإزالة الظلام عن العلم بهؤلاء الذين أثروا الثقافة العربية على مدار قرون.
سوف نبحر في تاريخنا العربي والإسلامي للتعرف على فئة وشريحة كبيرة من ذوي الهمم العالية، وهم فئة (مكفوفي البصر)، أو (العميان) كما سماهم القرآن الكريم، وما أجمل وألطف القرآن الكريم والكتب السماوية في اختيار المعاني والمسميات، رغم أننا حرفنا مسمى (الأعمى) وأصبح يعبر عن التندر أو الإساءة أو التقليل من شأنهم.
نجد أن القرآن الكريم ومنذ آلاف السنين -وقبل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والدساتير التي تنادي بحقوق ذوي الإعاقة- خصص سورة كاملة وآيات كريمة لمعاتبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الصحابي الكفيف عبدالله بن أم مكتوم: (عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى).
حيث جاء إلى الرسولِ الكريم طالباً منه تعليمه القرآن، وما نزل على الرسول من الآيات، في حين كان النبي منشغلاً بدعوة سادات قريش إلى الإسلام، طمعاً في إسلامهم، فأعرض النبي عنه بوجهه وغضب منه لإلحاحه وهو منشغل بدعوة هؤلاء القوم، فنزلت الآيات العشر الأولى عتاباً لطيفاً للنبي لإعراضه عن الأعمى كما وصفته الآيات الكريمة.
سوف نستعرض بعض مشاهير العميان القدامى في تاريخنا العربي والإسلامي، سواء من ولد أعمى أم من أصيب بالعمى في الصغر ولازمه طوال حياته، أو إصابة في منتصف عمره أو في الكبر.
لقد بلغ بعض العميان في تاريخنا العربي مكانة عظيمة، وبالرغم من أنهم حملوا في أجسامهم من البلاء ما يثقل على غيرهم من العاديين في مجتمعهم؛ إلا أنهم قد بلغوا القمم في العلم والفكر والثقافة. لقد كان لهم باع طويل في شتى المجالات في الدين والتفسير والفقه والفلسفة والمنطق والتاريخ والسيرة النبوية الشريفة والسير والتراجم والطبقات والأنساب وعلوم القرآن والحكمة والأدب والشعر وعلوم اللغة والعلوم العقلية.. وغير ذلك، ولهم العديد من المؤلفات والتصانيف المهمة التي خدمت الدين والعلم والأمة العربية والإسلامية.
إن المولى عز وجل، وإن حرمهم من البصر، فقد أضاء بصائرهم وقوى حواسهم الأخرى، وما ذلك ببعيد عليه، فهذه عطيته وقدرته وبركته يهبها لم يشاء من خلقه، وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة عن فكرة التعويض التي يمتلكها الأعمى أو الكفيف في حواسه الأخرى.
تنم قصص الغالبية العظمى من كتب التراث عن طيبة القلب وسمو النفس وصبر الجسد وجمال الإبداع وروح الفكاهة. يقول الصفدي في كتابة (نكت الهيمان في نكت العميان): قلما أن وجدت أعمى بليداً.. إنهم حقاً قدوة إيمانية تشرق بالأمل والتفاؤل في سماء الحياة لجميع البشر).
نحاول التعريف بمنجزاتهم وإسهاماتهم ومواقفهم وإنتاجهم وآثارهم الأدبية والدينية والثقافية، وذلك من خلال استعراض كتب التاريخ والطبقات والتراجم والسير واللغة والأدب والشعر والقرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والتفسير.. وغيرها.
سوف نعرض لمجموعة من الشخصيات التي امتلكت القدرة والإرادة، فسطرت سيرتها بحروف من نور، لينتفع بها الدارسون والباحثون والقراء بصفة عامة، ويتخذوهم قدوة طيبة صالحة في عصر غابت فيه القدوة في عالمنا العربي والإسلامي. وسوف نقدم ذلك بشكل موجز، إذ يحتاج كل منهم إلى دراسة منفصلة للتحدث عنه، كما سنستعرض ذلك في إطار تاريخي من الأقدم إلى الأحدث.
ومن هؤلاء النماذج المشرفة والمشرقة:
عبدالله بن أم مكتوم
هو الصحابي الجليل عبدالله بن قيس بن زائدة بن الأصم، وقد اختلف في اسمه فقيل: عمر وعمرو والحصين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو من أسماه عبدالله بدلاً من الحصين. وقد عُرف في كتب التاريخ باسم أمه أم مكتوم، وكان اسمها عاتكة بنت عبدالله بن عنكثة من بني مخزوم، وهو ابن خال أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها). وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، إشارة منه إلى آيات سورة عبس. ويعد عبدالله بن أم مكتوم أحد السابقين إلى الإسلام، كان من أول من هاجر إلى المدينة بعد مصعب بن عمير فراراً بدينهم بعد أن اشتد أذى قريش على المسلمين، فكان هو ومصعب أول من قدم إلى المدينة من المهاجرين. لم يقف كف البصر أو العمى الذي عانى منه ابن أم مكتوم حاجزاً دون تعلمه وحفظه للقرآن الكريم وتعلمه أمور الدين، وقد عُرف عنه قوة الحافظة وكرم الخُلق والرأي السديد وجمال الصوت، مما حدا بالنبي إلى جعله مؤذناً للصلاة مع بلال بن رباح (رضي الله عنه)، وقال رسول الله: (إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم).
وبعد نزولِ آيات سورة عبس المعاتبة للنبي في إعراضه عن عبدالله بن أم مكتوم؛ كان النبي محمد صـلى الله عليه وسلم يحرص على إكرامه وإظهار الحب له بالترحيب به واستخلافه على المدينة المنورة أثناء خروج النبي محمد صـلى الله عليه وسلم للغزوات والحروب، حيث استخلفه ثلاث عشرة مرة، إلى جانب استخلافه عليها في حجة الوداع. وكان دوماً يتمنى الجهاد غير أن فقدانه للبصر كان يمنعه من ذلك، ثم تحقق له ما تمناه في معركة القادسية التي حدثت على أرض الفرس سنة 15هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فكان عبدالله حامل لواء المسلمين فيها، وسقط فيمن سقط من الشهداء على أرض المعركة.
وهو من نزلت أيضاً فيه آية (غير أولي الضرر)، حيث ورد في تفسير ابن كثير أن البخاري عن البراء قال: لما نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله صـلى الله عليه وسلم زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله (غير أولي الضرر). وقال البخاري أيضاً عن سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول اللّه صـلى الله عليه وسلم أملى عليَّ: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله صـلى الله عليه وسلم وكان فخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن تُرضَّ فخذي ثم سرّي عنه فأنزل اللّه: (غير أولي الضرر)، وعن ابن عباس قال: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر عن بدر، والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر قال عبدالله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. فقوله لا يستوي القاعدون من المؤمنين كان مطلقاً فلما نزل بوحي سريع غير أولي الضرر صار ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم.
أبو أحمد بن جحش
هو أبو أحمد بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. هو الشاعر الأعمى، وأحد صحابة رسول الله صـلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين الأولين في الإسلام. أسلم هذا الصحابي الجليل بدعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ابن عمة النبي صـلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبدالمطلب، وقد صاهره النبي صلى الله عليه وسلم حيث تزوج أخته (زينب بنت جحش الأسدية) رضي الله عنها.
لقد أسلم قبل دخول النبي صـلى الله عليه وسلم دار الأرقم، فكان من السابقين الأولين، وكان من المهاجرين الهجرتين (الحبشة والمدينة). وبعد هجرة النبي صـلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعلى رأس سبعة عشر شهراً، وفي شهر رجب من الأشهر الحرم؛ بعث النبي صـلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بأول سرية في الإسلام ومعه ثمانية رهط من المسلمين المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد.
بعثهم يرصدون عيراً لقريش، وكان أمير القوم عبدالله بن جحش، وفي هذه السرية سعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن وعتبة بن غزوان.. وغيرهم من أصحاب النبي صـلى الله عليه وسلم، ولما رآهم القرشيون ومعهم العير والقافلة هابوا أصحاب النبي صـلى الله عليه وسلم فأشرف عليهم عكاشة بن محصن، وقد حلق رأسه، فلما رأوه آمنوا وقالوا هؤلاء عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم في آخر يوم من رجب، وقالوا لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ويمتنعون منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، وتردد القوم ثم شجعوا أنفسهم فرمى واقد بن عبدالله التميمي (عمرو بن الحضرمي) فكان عمرو هذا أول قتيل من المشركين، واستؤسر بعضهم وهرب بعضهم الآخر، وأقبل عبدالله بالأسيرين والعير.
وما تحمله حتى قدموا على رسول الله صـلى الله عليه وسلم في المدينة فقال النبي صـلى الله عليه وسلم ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأبى أن يأخذ شيئاً من الغنائم، فلما قال النبي صـلى الله عليه وسلم ذلك سقط في أيدي القوم وندموا على ما فعلوا وظنوا أنهم قد هلكوا وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله قرآناً يمدح فيه ما فعله عبدالله بن جحش وأصحابه في هذه السرية: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ). فلما نزل هذا القرآن فرَّج عن المسلمين وأخذ النبي صـلى الله عليه وسلم العير بما تحمله وخمسه بين المسلمين، وفدت قريش أسراها. فكانت هذه أول راية عقدت في الإسلام، وأول خمس خمس في الإسلام، وكانت من نصيب الصحابي الجليل (عبدالله بن جحش) رضي الله عنه.
حسان بن ثابت
هو أبو الوليد حسان بن ثابت من قبيلة الخزرج، التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وأقامت في المدينة مع الأوس. ولد في المدينة قبل مولد الرسول صـلى الله عليه وسلم بنحو ثماني سنين، فعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة أخرى، وهو ليس خزرجياً فحسب، بل هو أيضاً من بني النجار أخوال رسول الله صـلى الله عليه وسلم. لما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره، وسمع بالإسلام، دخل فيه، وراح يرد هجمات القرشيين اللسانية، ويدافع عن محمد والإسلام، ويهجو خصومهما. ومن أشعاره:
هجوت محمداً فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمداً براً تقياً
رسول الله شيمته الوفاء
وكان النبي صـلى الله عليه وسلم يثني على شعر حسان، وكان يحثه على ذلك ويدعو له بدعاء (اللهم أيده بروح القدس). وكان حسان لا يقوى قلبه على الحرب، فاكتفى بالشعر، ولم ينصر رسول الله صـلى الله عليه وسلم بسيفه، ولم يشهد معركة مع رسول الله صـلى الله عليه وسلم ولا غزوة.
ولقد اتفق الرواة والنقاد على أن حسان بن ثابت أشعر أهل المدر في عصره، وأشعر أهل اليمن قاطبة، وقد خلف ديواناً ضخماً رواه ابن حبيب.
لقد أكثر شعر حسان في الهجاء، وما تبقى في الافتخار بالأنصار، ومدح محمد صـلى الله عليه وسلم والغساسنة والنعمان بن المنذر وغيرهم من سادات العرب وأشرافهم، ووصف مجالس اللهو والخمر مع شيء من الغزل، إلا أنه منذ إسلامه التزم بمبادئ الإسلام، ومن خلال شعر حسان بن ثابت نجد أن الشعر الإسلامي اكتسب رقة في التعبير بعد أن عمَّر الإيمان قلوب الشعراء، وهي شديدة التأثير بالقرآن الكريم والحديث الشريف مع وجود الألفاظ البدوية الصحراوية. ومهما استقلت أبيات حسان بن ثابت بأفكار وموضوعات خاصة، فإن كلاًّ منها يعبر عن موضوع واحد، هو موضوع الدعوة التي أحدثت أكبر تغيير فكري في حياة الناس وأسلوب معيشتهم.
أصيب حسان بالعمى قبل وفاته ومات في المدينة المنورة سنة 54 هـ في عهد معاوية بن أبي سفيان.
سعيد بن يربوع المخزومي
هو سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي، أصيب سعيد بن يربوع ببصره وفقده، وهو أحد الأربعة الذين أمرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتجديد أنصاب الحرم. وروى الواقدي من طريق نافع بن جبير أن عمر لما قدم الشام فوجد الطاعون واستشار مشيخة قريش كان منهم مخرمة بن نوفل وسعيد بن يربوع وحكيم بن حزام وغيرهم، وقيل إنه توفى بمكة.
بشار بن برد
بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ - 168)، هو إمام الشعراء المولدين، عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى وكان من فحولة الشعراء وسابقيهم. كان رئيس شعراء العصر العباسي الأول، بلا جدال، وأكثرهم تأثيراً في الانقلاب الشعري الذي امتاز به ذلك العصر، ومن أكثرهم تقرباً من الخلفاء لتقدمه في الشاعرية، وهي صفة اتصف بها النابهون من العميان، كان غزير الشعر، سمح القريحة، كثير الافتنان، قليل التكلف، ولم يكن في الشعراء المولدين أطبع منه ولا أصوب. قال عنه الجاحظ: (وليس في الأرض مولد قروي يعد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه). كان حاد الذكاء، اتجه إلى المساجد ينهل من حلقات العلم، وأخذ يغدو على المربد ويستمع لجرير والفرزدق، قال الشعر في سن صغيرة، وبالرغم من ذلك كان قبيح المنظر، سمج الهيئة، وكان خلقه قبيحاً.
تعددت موضوعات شعر بشار فنظم في المديح والرثاء والفخر والهجاء والغزل والحكمة، وكان لكل غرض شعري عنده ميزات تميزه عن غيره من الشعراء، كما اتخذ بشار المدح أداة للتكسّب، ولجأ أحياناً إلى المبالغة في المديح، حافظ في مديحه على بنية القصيدة ونهجها فسار على ما ألفه الأقدمون، وكان يتجه نحو الغريب من الألفاظ ليُرضيَ ذوق ممدوحيه، إلا أنه لم يبتعد عن عصره في مديحه فقد كان يصف الصحراء والأطلال بصورة حضرية جديدة فيها رقة ودقة في المعاني، فاستطاع أن يُضيف إلى العناصر البدوية القديمة عناصر مستحدثة. كان غزير الإنتاج وقيل إن له حوالي اثني عشر ألف قصيدة، كما برع في التصوير الفني رغم فقدان بصره، فكان يأتي بما عجز عنه المبصرون. مما اشتهر له قوله في الأذن التي أغنته عن العين:
يا قومي أذني لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحياناً
ولقد اتهم بشار بن برد في آخر حياته بالزندقة وضرب بالسياط حتى مات.
أبو العلاء المعرّي
أبو العلاء المعرّي (363هـ - 449 هـ) هو أحمد بن عبدالله بن سليمان، أديب وفيلسوف وشاعر عربي ينتمي إلى العصر العباسي. لقب بهذا الاسم لأنه يُنسب إلى بلدة معرة النعمان الواقعة في سوريا، وهي تابعة لمدينة حمص، وتقع تحديداً بين مدينتي حماة وحلب. أُصيب أبو العلاء المعري وهو في الثالثة من عمره بمرض الجدري، مما أفقده بصره فأصبح أعمى. قال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. وكان يلعب بالشطرنج والنرد. وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه علي بن عبدالله بن أبي هاشم. وكان يحرم إيلام الحيوان، ولم يأكل اللحم خمساً وأربعين سنة. وكان يلبس خشن الثياب. ولقد تعددت الآراء حول آراء المعري في الدين، وهناك خلاف في هذه المسألة.
وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية، أما كتبه فكثيرة، ومن منجزاته الرسائل، ويشار إلى أنها تُقسم إلى ثلاثة أقسام، هي: القسم الأول، وهي الرسائل الطويلة التي تشبه الكتب، مثل رسالة الغفران، ورسالة الملائكة، ورسالة الفرض، والرسالة السنديّة. والقسم الثاني، وهي الرسائل التي تقل طولاً عن الرسائل السابقة، مثل رسالة الإغريض. والقسم الثالث، وهي الرسائل القصيرة، مثل الرسائل المُستخدمة في المراسلات، وكتب فيها رسائل إلى العلماء، والأهل، والأدباء، والأصدقاء، والقُضاة، ويُقال إنها شملت 40 جزءاً، كما اهتم أبو العلاء بنثره في الحديث عن مجموعة موضوعات، كالنقد، والشفاعة، والمودة، والرثاء، والتهنئة، والوصف، والتواضع، والتعزية، والمديح، والشوق.. وغيرها. وقيل إنه لما مات وقف على قبره أكثر من سبعين شاعراً يرثونه.
أبو البقاء العكبري
هو الشيخ الإمام العلامة النحوي البارع محب الدين أبو البقاء عبدالله بن الحسين بن أبي البقاء عبدالله بن الحسين العكبري الأعمى النحوي الحنبلي صاحب التصانيف. ولد سنة 538 هـ، كان ثقة، متديناً، حسن الأخلاق، متواضعاً، وقيل إنه أصيب بالعمى بسبب إصابته بمرض الجدري.
نسبت إليه الكثير من المصنفات مثل: التبيان في إعراب القرآن، اللباب في علل النحو، إعراب الحديث النبوي، شرح ديوان المتنبي، مسائل الخلاف في النحو، مسائل نحو مفردة، ترتيب إصلاح المنطق.. وغيرها.
قيل إنه كان إذا أراد أن يصنف كتاباً جمع عدة مصنفات في ذلك الفن، فقرئت عليه، ثم يملي بعد ذلك، فكان يقال أبو البقاء تلميذ تلامذته، يعني هو تبع لهم فيما يقرؤون له ويكتبونه. توفي العلامة أبو البقاء سنة 616هـ.
كانت هذه عينة من أناس أثبتوا للبشرية جمعاء أن الإصابة بالعمى ليست نهاية العالم، وأن الإرادة القوية المدعومة بالموهبة قد تجعل من صاحب العاهة بطلاً منتجاً في شتى مناحي الحياة. كما أهمس في أذن شباب أمتنا العربية والإسلامية بعدم التخاذل والاستسلام واليأس أمام المشكلات التي تعترضهم مع ما لديهم من إمكانات أكثر بكثير من أولئك الذين ابتلوا واختبروا بالمرض والإعاقة وحققوا تلك الإنجازات.

ذو صلة
التعليقات