مجلة شهرية - العدد (530)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الأول 1442 هـ

طرق الحج العابرة لمحافظة العلا

تمر بمحافظة العلا مجموعة من طرق الحج التي تربط بلاد الشام ومصر بالأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وهذه الطرق هي: طريق الحج الشامي الرئيس وطريق الحج المصري الداخلي وطريق أيلة الذي يربط بين المدينة المنورة والعقبة مروراً بهضبة حسمى، وقد اهتم الحكام المسلمون بهذه الطرق وغيرها من طرق الحج في مختلف العصور، فحفروا الآبار وبنوا البرك والسدود على مساراتها وفي محطاتها، لتوفير المياه اللازمة لقوافل الحجاج، وأقاموا القلاع والأبراج لتوفير الحماية والأمن، وبنوا الجسور على الأودية الخطرة، ومهدوا العقبات الصعبة، ووضعوا المنارات والأميال وعلامات الطرق، ولا تزال آثار هذه المنشآت باقية في شمال غرب المملكة في محافظة العلا وما جاورها من محافظات.
وأشهر هذه الطرق التي تمر بمحافظة العلا وأهمها طريق الحج الشامي (المحجة الرئيسة)، وقد عرف باسم التبوكية نسبة إلى بلدة تبوك التي يمر بها قبل أن يصل إلى العلا، ويبدأ مسار هذا الطريق من دمشق ويمر على بصرى ومحطات أخرى في سوريا والأردن قبل أن يدخل حدود المملكة ابتداء من محطة حالة عمار، ثم يمر على محطة ذات الحاج، ثم تبوك، ثم الأخضر، ثم المعظم، ثم الدار الحمراء، ثم الأقرع، ثم الحجر، ثم العلا، ثم قرح، ولم يتغير مسار طريق الحج الشامي في جزئه الواقع بين تبوك والعلا طوال العصور الإسلامية، إلا أن بعض محطات هذا الجزء حملت أكثر من اسم، مثل الأخضر التي كانت بها بلدة المحدثة، والمعظم التي كانت تسمى أسفل الحاكة، والأقرع التي كانت تسمى الأقارع، كما أن قرح (المابيات) كانت المحطة والمدينة الرئيسة للطريق في وادي القرى (وادي العلا) طوال فترة صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، ثم حلت محلها العلا بعد القرن الهجري السادس (12م)، أما جزء الطريق الواقع بين العلا والمدينة فقد كان له مسار قديم استخدم في القرون الهجرية الأولى، يتجه بعد قرح إلى السقيا (الخشيبة) ثم الرحبة، ثم ذي المروة، ثم ذي مر، ثم السويداء، ثم ذي خشب (المندسة)، ثم المدينة، ثم أصبح للطريق مسار آخر استخدم بدءاً من العصر الأيوبي يمر بعد العلا على قلعة الفقير (مغيرة)، ثم سهل المطران، ثم قلعة زمرد، ثم البئر الجديدة (قلعة الصورة)، ثم هدية، ثم إسطبل عنتر، ثم الفحلتين، ثم آبار نصيف، ثم الحفيرة، ثم المدينة، وعندما نفذت سكة حديد الحجار في عهد السلطان العثماني عبدالحميد مدت على هذا المسار المتأخر.
ومن طرق الحج المهمة التي تمر بمحافظة العلا طريق الحج المصري الداخلي، فقد كان على حجاج مصر ومن رافقهم من أهل المغرب والأندلس وأفريقيا أن يعبروا شبه جزيرة سيناء كي يصلوا إلى أيلة (العقبة) التي تتجه بعدها قوافل الحجاج إلى حقل، ثم الشرف، ثم مدين (مغائر شعيب-البدع)، وكان لحجاج مصر بعد مدين خلال القرون الهجرية الأولى طريقان؛ أحدهما: ساحلي يسلك ساحل البحر الأحمر، ويتجه إلى مكة مروراً بالجحفة أو إلى المدينة مروراً ببدر، والآخر داخلي يتجه إلى وادي القرى (وادي العلا) مروراً بشغب وشواق وبدا، ثم السقيا بوادي القرى (الخشيبة)، حيث يلتقي بطريق الحج الشامي ليسير معه على المدينة، وكان طريق الحج المصري الداخلي الأكثر استخداماً خلال القرنين الهجريين الأول والثاني (7 - 8م). ومن طرق الحج التي كانت تمر بوادي القرى طريق أيلة، وهو طريق استخدم بكثافة خلال القرن الأول الهجري (7م) من قبل الحجاج والمسافرين بين المدينة المنورة وفلسطين ومصر، وهو يمر في محافظة العلا على مسار طريق الحج المصري الداخلي، ثم يصعد بعد بلدة شغب إلى هضبة حسمى التي يعبرها باتجاه أيلة (العقبة).
وتتحدث المصادر عن اهتمام بعض الخلفاء الراشدين وبعض خلفاء بني أمية بعمارة المحطات الرئيسة على هذه الطرق، وتذكر أن عمر بن الخطاب أمر بطي عين تبوك، وأن عمر بن عبدالعزيز قام في العهد الأموي بعمارة مسجد تبوك ومسجد وادي القرى، وأن الوليد بن عبدالملك وضع المنار بين دمشق ومكة وأقام البرك وحفر الآبار، وأن هشام بن عبدالملك بنى الصهاريج والقنوات على طريق مكة. وتوجد آثار بعض هذه المنشآت ملحقة بمواقع ومحطات هذه الطرق في محافظة العلا وما جاورها مثل: بركة شغب، وبركة شواق، وبركة النابع، وآبار بلاطة، وآثار الخشيبة، وآثار جثيوث، ومسجد قرح (المابيات)، وبئر الأخضر، كما تتوافر على مسارات الطرق الرئيسة العابرة لمحافظة العلا أعداد كبيرة من النقوش التذكارية التي يعود تاريخها إلى الفترة الإسلامية المبكرة (1-5هـ/ 7 - 11م) نفذها الحجاج والمسافرون على هذه الطرقات، بعضها لشخصيات معروفة من أبناء الصحابة والتابعين ورواة الحديث، وبعضها لحجاج قدموا من مصر والشام والمغرب وفلسطين.
أما آثار العصور الإسلامية المتأخرة الباقية في محافظة العلا على هذه الطرق فكثيرة، وتشمل الآبار والبرك والقلاع وأعلام الطرق وهي من العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، والأكثرية من العصر العثماني، ومن هذه الآثار قلعة البريكة (الدار الحمراء)، وقد بنيت سنة (1167هـ / 1754م) على يد عثمان باشا، وإلى جوارها بركة كبيرة ربما بنيت في العصر الأيوبي أو المملوكي، وقلعة الحجر، وقد بناها حاكم دمشق أسعد باشا بن العظم (1156-1170هـ/ 1744 - 1757م)، وبداخلها بئر أقدم منها بنيت عليها القلعة لحمايتها، كما تجاورها بركة كبيرة قد تكون أقدم من القلعة تاريخاً، وتعد آثار بلدة العلا التراثية من آثار طريق الحج الشامي، فقد ورد وصفها وأهميتها لمرتادي الطريق في كتب رحلات الحج ابتداء من القرن (7هـ/13م)، ومن آثار الطريق قلعة الفقير وقد عرفت في المصادر باسم قلعة الحفائر، هي قلعة عثمانية أشار إلى وجودها في موقعها ابن عبدالسلام الدرعي سنة (1198هـ/1783م). وهناك أيضاً قلعة زمرد التي بناها حاكم دمشق محمد باشا أبو الذهب (1185-1186هـ و1188-1197هـ/ 1772م و1774-1783م). وقلعة الصورة (البئر الجديدة) وقد بناها حاكم دمشق عثمان باشا (1174-1184هـ/ 1762-1771م)، وبجوار القلعة توجد أكبر بئر باقية على طريق الحج الشامي يرجح أنها بنيت على نفقة والدة السلطان أحمد الأول (1012-1026هـ/ 1603-1617م).

* النائب السابق لرئيس هيئة السياحة والتراث الوطني

ذو صلة
التعليقات