مجلة شهرية - العدد (532)  | يناير 2021 م- جمادى الأولى 1442 هـ

العلا.. مقصد الرحالة ووجهة القوافل

كانت العلا قبل الإسلام نقطة مركزية في الطريق الكبير لتجارة العالم القديم، وهو الطريق الجنوبي-الشمالي المعروف تاريخيّاً بطريق البخور، وزادت أهمية موقع منطقة العلا خلال العصر الإسلامي بعد أن أصبحت بفضل موقعها ضمن طريق الحج ولا سيما الشامي.
وإذا كانت كتب الجغرافيين العرب قد أشارت للحجر أو مدينة ثمود والعلا بوجه خاص باعتبارهما أهم محطات الحجيج من بعد تبوك منذ عهد الدولة الأموية؛ إلا أن أحداً من الرحالة أو الحجاج لم يأت لذكرها من بعد القاضي وكيع (305هـ) إلى بداية القرن السابع الهجري (13م)، وذلك بسبب الاضطرابات التي رافقت تحركات القرامطة في منتصف القرن الرابع الهجري (10م)، ثم الفوضى واضطراب الأمن الذي رافق الحروب الصليبية بمنطقة الشام بعد ذلك، وأصبح الحجاج يقصدون مكة إما عبر طريق الحج العراقي أو رفقة طريق الحج المصري عبر البحر الأحمر.
ولم يبدأ ذكر الحجر والعلا يتردد في كتابات الرحالة إلا بعد أن قام الملك المعظم عيسى بن العادل الأيوبي في عام 611هـ/1214م بإحياء طريق الحج الشامي، وتجديد البرك، ومصانع الماء في محطاته، ويعتبر إبراهيم بن شجاع الدمشقي أول من أشار في رسالته (منازل الحج) (كتبها 623هـ/1227م) إلى (الحجر) التي وصفها بأرض ثمود باعتبارها المحطة الثانية والعشرين في طريق قافلة الحج بعد مغادرتها دمشق، مؤكداً أنها نصف طريق مكة، وأشار إلى (العلا) المحطة التالية بوصفها (أرض رمل بين جبلين عاليين، ثم مضيق، ثم وادٍ ونبات كثير، ثم عيون، ثم مدينة العلا وسط الوادي نخل كثير وتمر، والمدينة صغيرة وبها قلعة صغيرة على رأس جبل صغير وعيون عذبة يزرع عليها، ولها أمير، ويُودعون بها أمتعتهم).
أما ابن بطوطة فيعد أشهر من زار المنطقة في طريقه للحج رفقة الركب الشامي، وذلك في عام 726هـ/1326م، ويشير إلى أن القافلة وصلت في اليوم الخامس من انطلاقها من تبوك إلى البئر الحجر (حجر ثمود وهي كثيرة الماء، ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداءً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بها في غزوة تبوك، فأسرع براحلته، وأمر أن لا يسقي منها أحد). ويصف ابن بطوطة مدائن صالح الحالية بأنها (ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة، لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت إن في ذلك لعبرة. ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هناك، وبينهما أثر مسجد يصلي فيه الناس). وحسبما يذكر الرحالة المغربي الشهير فإن المسافة بين الحجر والعلا هي مسيرة نصف يوم أو دونه، (والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة، يقيم بها الحجاج أربعاً يتزودون ويغسلون ثيابهم، ويدعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد، ويستصحبون قدر الكفاية. وأهل هذه القرية أصحاب أمانة، وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها ويبايعون الحجاج الزاد وسواه. ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطّاس). وإذا كان الركب الشامي قد عبر المفازة العظمى بين تبوك والعلا في خمسة أيام؛ فإن ذات الركب قد عبرها في عام 768هـ/1367م في ثمانية أيام، حسبما أشار لذلك الرحالة خالد البلوي الأندلسي الذي وصف المفازة بأنها مسافة لها (مهابة ومخافة تتعب فيها الركاب وتفتقد الرفقاء والصحاب وتكابد الخطوب والصعاب، وقديماً يضرب العامة بها مثلاً: اترك أبوك بين العلا وتبوك». ولنا أن نتخيل الفرحة العارمة التي كانت تجتاح الحجيج بعيد وصولهم للعلا التي وصفها البلوي بأنها (بليدة ذات منظر جميل كثيرة المياه والنخيل).
وشهد طريق الحج الشامي ازدهاراً كبيراً مع سيطرة العثمانيين على بلاد الشام والحجاز، إذ عد الطريق الرئيس للحج. وقد سجل قطب الدين النهراولي الذي رافق ركب الحج خلال عودته من المدينة إلى دمشق في عام 965هـ/1557م؛ وصفاً تاريخيّاً رائقاً للعلا مع نبذة مما صارت إليه أحوالها في تلك الفترة المبكرة من الحكم العثماني. فيذكر أنها (قرية بين جبال شامخة، فيها عين ماء ونخيل بكثرة)، وأنها ظلت معفاة من دفع الضرائب في عهد سلاطين المماليك الجراكسة والسنوات الأولى من الحكم العثماني إلى أن اعتدى عليها بعض البدو فرفعوا أمرهم إلى نائب الشام فأمر (أن يبنى حصن، ويجعل فيه نبوتجية، وأن تجبى القرية على كل نخلة عثمانية (نقد فضي صغير)، ويصرف ذلك على العسكر وتحفظ من العربان). وحسبما لاحظ النهروالي، فإن هذه الضريبة اليسيرة طفقت تزداد حتى بلغت ألف ضعف رغم شكاوى أهل العلا.
وممن حج على هذا الطريق أبو البركات السويدي صاحب رسالة (النفحة المسكية في الرحلة المكية)، ورغم أنه من أهل بغداد إلا أنه آثر الحج عبر الطريق الشامي؛ لشدة أمنه. وقد ذكر مروره بكل من الحجر التي وصفها بديار ثمود، ومنها وصل للعلا، وذلك في عام 1157هـ/1745م. وظلت العلا، رغماً عما رافق ضعف الإدارة العثمانية من تهديدات العربان للحجاج وقوافلهم؛ محطة مهمة على طريق الحج الشامي، بل لجأ إليها ركب الحاج المصري في عام 1300هـ (1882م) خلال عودته لتجنب هجمات البدو، وقد أوصى إبراهيم باشا رفعت في خاتمة كتابه (مرآة الحرمين) أن يستقل الحجاج المصريون خلال عودتهم القطار من المدينة إلى العلا، ثم إلى الوجه للتخلص من جشع البدو على الطريق البري الساحلي. وعلى الرغم من أن سكة حديد الحجاز كانت تمر بمحطة العلا، إلا أن ذلك لم يتح لأيٍّ من الحجاج أو الرحالة فرصة التوقف للحديث عن منطقة العلا ومعالمها.
بيد أن هذا التحول في طرق المواصلات الذي حرم قوافل الإبل من المرور بالعلا بافتتاح خط سكة حديد الحجاز، ثم التوسع في استخدام السيارات واللجوء للنقل البحري؛ رافقه ظهور صنف آخر من الرحالة الذين بدأت اهتماماتهم تزداد باستطلاع أحوال الجزيرة العربية منذ القرن التاسع عشر، ونعني بهم الرحالة الأوروبيين، مع تباين أغراضهم ما بين البحث العلمي والأهداف السياسية مثلما تنوعت جنسياتهم.
ومن أوائل الرحالة الأوروبيين الذين قصدوا العلا البريطاني تشارلز داوتي الذي وصل لمنطقة العلا ضمن قافلة الحج الشامي في عام 1293هـ/1876م، وقد أُبقي في مدائن صالح بعد اكتشاف أنه نصراني، فأخذ يتجول في المنطقة مستنسخاً الكتابات القديمة والرسوم المنقوشة في واجهات المقابر المنحوتة في الجبال، وفي نهاية شهر مايو 1877م/1294هـ قام بجولة في حرة عويرض التي دعاها باسم حرة المواهيب؛ لأن فخذ المواهيب من قبيلة بلي كانوا يقطنون في قرية ثربة الواقعة بالحرة، وبعد حوالي أربعة أشهر من التجوال بها كتب أنها أرض قاحلة لا حياة فيها، وتغطيها الصخور البركانية السوداء.
والحقيقة أن عدداً من الأجانب لا يمكن حصره قاموا أثناء وبعد شق طريق سكة حديد الحجاز بأعمال مسح واستكشاف في منطقة العلا، خصوصاً في خرائب مدائن صالح. بيد أن الجهود الحقيقية للدراسة العلمية لآثار العلا تبدأ فعليّاً بأعمال الأبوين الفرنسيين جوسين وسافناك، وقد قاما خلال الفترة بين عامي 1907 و1914م بدراسة دقيقة للنقوش والآثار في العلا والمقابر المنحوتة في مدائن صالح، وكذلك في تيماء وعدة مواقع أخرى، وأسفرت أعمالهما عن نشر أربعة مجلدات ضخمة تباعاً، وشكلت الأساس العلمي للجهود العلمية اللاحقة.
ويبقى جون فيلبي (عبدالله فيلبي) الإنجليزي الذي أعلن إسلامه؛ أهم الرحالة الأجانب الذين عنوا بتلك المنطقة، وحق له أن يكتب على قبره في بيروت (أعظم رحالة في الجزيرة العربية)، إذ يعود الفضل إليه في اكتشاف عدد هائل من النقوش الثمودية في شمال الجزيرة العربية، فزاد عدد المكتشف منها من ألفين إلى ثلاثة عشر ألف نقش.

ذو صلة
التعليقات