مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

نشأة وتطور الخط العربي في الإسلام

منذ اللحظة الأولى التي بدأ يدب فيها الإنسان على سطح كوكب الأرض ارتبط مفهوم الزمن لديه بما يجري من تغيرات في هذا العالم الذي نعيش فيه، ومن ثم بدأ يبحث عن وسيلة لتدوين ما يمر به من أحداث لأنه أدرك أنه لا غنى له عن تدوين مسيرته الحضارية على سطح هذا الكوكب منذ الأزل، ومن ثم لجأ إلى الرموز كوسيلة أولى للتعبير، وتدرج إلى أن ظهرت الكتابة في مصر منذ سنة 3800 قبل الميلاد بأنواعها الثلاث: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي، أما الديموطيقية فكانت لعامة الشعب، وقد تطورت هذه الكتابة من كتابة صورية إلى كتابة صوتية، ثم إلى كتابة أدائية، ثم إلى كتابة بالحروف، وانتقلت هذه الكتابة المصرية القديمة إلى الجزيرة العربية، وتطورت في شمالها إلى الكتابة الفينيقية، وهي الكتابة التي انبثق منها الخط اللاتيني، الذي ولدت منه جميع الخطوط المستعملة في أوروبا في الوقت الحاضر، أما في الجنوب فقد تطورت إلى الكتابة الحميرية.

وقد دخل الخط العربي قبل الإسلام إلى مكة المكرمة من مدينتي الحيرة والأنبار في جنوب العراق، وكان الخط يسمى حينذاك الخط الحيري، والذي اتخذ شكلين: (المقور) الذي هو مثل النسخ، و(المبسوط) وهو المسمى باليابس، ولما بعث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في مكة وكتب به الوحي سمي بالخط المكي، وكان كتاب الوحي يكتبون بالمقور، ولما انتقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة سمي الخط بالخط المدني، وظل يكتب به حتى وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- سنة 11 هجرية، وغلب اسم الخط المدني على الخطين المكي والمدني؛ كما غلب اسم الخط الحيري على الخطين الحيري والأنباري.
 وفي عام 14هـ بنيت مدينة البصرة، وكانت أول مدينة تبنى في الإسلام، وانتشر فيها الخط الذي كتب به الوحي في الحجاز، والذي بانتقاله إليها سمي بالخط الحجازي، ثم عرف بالخط البصري، إلى أن بنيت مدينة الكوفة عام 17هـ فسمي الخط فيها بالخط الكوفي، وغلب اسم الخط الكوفي على الخطين الكوفي والبصري.
وفي عهد عمر بن الخطاب فتحت مصر عام 20هـ على يد عمرو بن العاص، ودخل الخط الحجازي إليها وسمي بالخط المصري، وانتقلت الخلافة عام 41هـ إلى الشام في عهد الدولة الأموية، فسمي الخط فيها بالخط الشامي، وظهر نوع جديد من الخط هو (الطومار)، ولما أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان في المغرب عام 50هـ دخل فيها الخط الشامي، وسمي بالخط القيرواني، وفي عام 139هـ عند مبايعة عبدالرحمن الداخل في قرطبة بالأندلس ظهر هناك الخط الأندلسي مأخوذاً من الخط القيرواني، وفي عام 146هـ بعد تأسيس بغداد وانتقال المنصور إليها ظهر فيها الخط البغدادي مأخوذاً عن الخط الشامي.
وأول الخطوط العربية هو الخط الحجازي غير المنقوط الذي كتبت به المصاحف، وسمي بالخط الكوفي تيمناً بمدينة الكوفة، وهو الخط المستمد من الخط الحيري أو الأنباري، والمستنبط من الخط النبطي (خط أنباط العراق)، وجاء أبو الأسود الدؤلي ثم نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر العدواني ووضعوا النقط وذلك عند اختلاط العرب بالعجم بامتداد الفتوح الإسلامية واتساع رقعة البلاد الإسلامية، فحدث الخلط واللبس في الكلمات، فكان لابد من وضع الشكل بالنقط، فكانوا يضعون الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة أسفل الحرف، وتتكرر نقطتان في التنوين، وجاء بعد ذلك تمييز الإبهام في الحروف بوضع نقط للحروف المتشابهة مثل: (الباء والتاء والثاء والدال والذال والطاء والظاء والصاد والضاد...)، وأصبح على الكاتب أن يستعمل نوعين من المداد الأسود للنقط والأحمر للشكل.
وقد بلغ تطور الخط العربي أوج قمته في مصر على يد الخطاط المصري (طبطب المحرر) وذلك في عهد أحمد بن طولون (254 – 270هـ / 868 – 883م) وذلك سنة 218 هجرية، حيث كان أهل بغداد يحسدون مصر عليه.
وتأتي بعد ذلك المرحلة التي ظهر فيها الخطاط الوزير ابن مقلة المولود سنة 272هـ، حيث بدأ الكتابة سنة 294 هـ، ووضع موازين وهندسة الحروف؛ فاستخلص ابن مقلة هذه الأنواع (الثلث، التعليق، الريحاني الرقاع) وقام بتجويد الخط النسخ الذي يكتب به القرآن الكريم، وذلك لاتسامه بالوضوح وقبول وضع الشكل على الحروف، وظل يسهم إسهامات طيبة في هذا المجال حتى وفاته 328هـ، وقد ارتقى الخط العربي في تلك الفترة بفضل اهتمام الخلفاء العباسيين به، فظهر أكثر من عشرين نوعاً من الخط مما جعل ابن مقلة يحصر الأنواع ويستخلص منها ستة فقط هي: الثلث، النسخ، التوقيع (أي الإجازة وهو بين الثلث والنسخ)، الريحان (وهو شبيه بالثلث)، والمحقق (وهو شبيه بالنسخ)، وكذلك الرقاع (وهو خليط من الثلث والديواني)، والرقعة اللذان لم يكن قد تم عمل قواعد لهما بعد، ثم جاء من بعده ابن البواب الذي أكمل المسيرة على نفس النهج الذي رسمه ابن مقلة، وكان القرآن الكريم السبب في تجويد الزخارف والخطوط الإسلامية، وقد رأى العرب فيه فناً يبعدهم عن الوثنية والتماثيل والصور، فاستلهموا من النباتات وفروعها وأوراقها هذه الأنماط الجميلة التي امتازت بالتثني والدوران والإيقاع الموسيقي، والترديد والتوافق الفني، وكذلك الوحدات الهندسية الرائعة.
وقد اكتسب الخط العربي خصوصيته من السماء عندما قرن الحق سبحانه وتعالى بين العلم والكتابة في أول ما نزل من القرآن الكريم من آيات (اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم)، وأقسم سبحانه بالقلم والكتابة في قوله: (ن، والقلم وما يسطرون)، كما وصف سبحانه ملائكته بأنهم (كراماً كاتبين)، فكان تدوين القرآن السبب الأول في تطوير الكتابة العربية، وزاد الاهتمام به مع نمو الدولة الإسلامية بظهور المخطوطات التي تجمع بين جمال الخط وروعة الزخرفة، وفي كتابات المساجد في القاهرة، وإستانبول، وغرناطة، وبغداد، ودمشق.
والخط العربي ليس مجرد حروف ورموز تؤدي معاني ودلالات، وتعبر عن أدق التفاصيل، بل هو إلى جانب كل ذلك علم وفن له بصماته الذهنية، وقدرته الفائقة على تجسيد كل الصور والأشكال والمعاني، وقد أضفى المصحف الشريف على الخط العربي رونقاً جديداً حيث تبارى الخطاطون في إبداع أنماط متعددة لكتابة المصحف الشريف وزينوه بأشكال مختلفة، وأبدعوا في إظهاره في صور عكست قدر الاحترام والتقدير بدستور المسلمين الخالد.
وفن الخط ينفرد ويتميز عن سواه من الفنون الإسلامية الأخرى؛ بأنه بصورته التي عرفها المسلمون، فن أصيل اختصوا به، إذ لم يكن في تراث الشعوب التي دخلها الإسلام، أو البلاد التي انتشر فيها فن يناظره، فهو خط أساسه الحرف العربي بما يمتلك من إمكانيات جمالية، فهو غني بالقيم الجمالية، والتصرفات الإبداعية، وقد جاء ذلك نتيجة لاستخدام الشعوب الإسلامية له، فكل الشعوب التي منّ الله عليها بهداية الإسلام كتبت بالخط العربي، فتطور الخط نتيجة لاستخدام الشعوب الإسلامية له، ونتيجة لإسهامات العبقريات الفنية من مختلف هذه الشعوب في إثراء ذلك التراث الإسلامي بشتى علومه وفنونه، ولقد لقي الخط العربي عناية فائقة في كافة البلدان الإسلامية وتقدم على أرضها لاسيما في حواضر المدن التي تزعمت العالم الإسلامي، فقد قطع الخط مراحل تطوره الأولى في مصر ثم بلغ أعظم مراحل تطوره في عهد العثمانيين منذ أواخر القرن الخامس عشر.
ونبغ في هذا المجال خطاطون مصريون كبار وضعوا أسساً فنية جديدة للخط العربي، وأسهموا إسهامات مازال العالم الإسلامي حتى الآن يذكرها لهم في هذا المجال، وهم: نصر الدين بن وهبة بن محمد المتوفى سنة 654هـ، وعلي بن أبي سالم المصري المتوفى 788هـ، والشيخ إسماعيل عماد الدين المتوفى 788هـ، والقلقشندي المتوفى 821هـ، والخطاط البارع الذي كانت له شهرة واسعة عبدالرحمن بن الصائغ المتوفى 845هـ، والخطاط محمد بن حسن الطيبي المتوفى 908هـ، وحسن أفندي الضيائي المتوفى 1092هـ، والسيد إبراهيم بن قاسم الرويدي المتوفى 1127هـ، وشيخ خطاطي مصر في زمانه إسماعيل بن عبدالرحمن المتوفى 1187هـ، وأحمد بن عبدالله الرومي المتوفى 1194هـ، وإسماعيل بن خليل المصري المتوفى 1211هـ، والخطاط علي بن عبدالله الرومي المتوفى 1219هـ.
وفي أعقاب الفتح العثماني لمصر 1517م جمع السلطان العثماني سليم الأول (1512 – 1520م) رجال الفن المهرة في جميع المهن وعلى رأسهم كبار الخطاطين المصريين، ثم تم ترحيلهم إلى العاصمة العثمانية إستانبول حيث قاموا هناك بتعليم الأتراك هذا الفن الجميل حتى أصبحت تركيا من أهم معالم الخط العربي، ويدل على مدى الرقي الذي بلغه الخط العربي في عهد الدولة العثمانية ظهور الخط الديواني الذي وضع قواعده الخطاط إبراهيم منيف في عهد السلطان محمد الثاني (1451– 1481) بعد فتح القسطنطينية ببضع سنوات، أي حوالي 880هـ، وقام المستشار ممتاز خان بوضع قواعد خط الرقعة سنة 1280هـ في عهد السلطان عبدالمجيد خان (1839– 1861).
ومنذ أن أنشئت مدرسة تحسين الخطوط الملكية سنة 1921م تحت رعاية الخاصة الملكية، كان لمصر النصيب الأوفى في تجويد هذا التراث، وتفجرت مواهب فذة تفاعلت مع جميع أنماط هذا الفن، وكانت هذه المدرسة مصدر الإشعاع الفني، الذي تفوق فيه كثير من الفنانين، فأضافوا إلى الخط الثلث التكوينات المعمارية، وإلى الخط الكوفي التشكيلات الهندسية الزخرفية وفن التذهيب، وقد أخذت مصر عن العجم الخط المعروف بـ(النستعليق) أي أنه خليط بين النسخ والتعليق، ومن الخطاطين المصريين الذين برزوا في هذا النوع من الخط محمد حسني، وسيد إبراهيم، ونجيب هواديني وغيرهم، وأنجبت مصر أيضاً في خط الرقعة الفنان الراحل محمد رضوان، ومحمد عزت رب القلم في خطي الثلث والرقعة، ومحمد عبدالقادر الفنان الموهوب.
وفي القرن الثالث عشر الهجري ظهر في مصر أحد الرواد الأوائل في الخط العربي بمصر، وهو الخطاط الكبير إبراهيم مؤنس وابنه محمد مؤنس اللذان علّما على يديهما مشاهير الخطاطين في عصرهما وكبار الخطاطين في مصر أمثال: محمد جعفر، والشيخ علي بدوي، وعبدالرازق عمارة، وعبدالخالق صقر، وأحمد عفيفي، وعبدالرحمن محمد، ثم من بعدهم: محمد رضوان، الشيخ عبدالغني عجور، مصطفى غزلان، علي إبراهيم، محمد غريب العربي، سيد إبراهيم، مصطفى الحريري، محمد علي المكاوي، محمد سيد عبدالقوي، محمد هاشم، إبراهيم محمد صالح، محمد أحمد عبدالعال، حسن المكاوي، صلاح العقاد، عبدالرازق سالم، محمود الشحات، عبدالرحمن سالم، محمد إبراهيم السكندري، خضر عبده، عصام الشريف، أحمد آغا، أحمد أبو الروس، ومن المعاصرين: سيد عبدالقادر، محمد إبراهيم محمود، محمد أبو الخير، محمد سعد الحداد، محمد محمود عبدالعال، كامل إبراهيم، محمود إبراهيم، الحاج حسين أمين، حسن صالح، محمد وجدي شبانة، محمد خضير، عبدالله عثمان، عثمان المتوني، السيد حسن البنا، وهناك مجموعة كبيرة من الأجيال المعاصرة التي تبشر بالخير.
وكانت دار محمد مؤنس المدرسة الأولى لتعليم الخط في مصر يؤمها كثير من محبي هذا الفن، وفي نفس الوقت كان تلاميذه يقومون بتدريس الخط في الأزهر ودار العلوم والتوفيقية.
وقد برز سيد إبراهيم الذي نال شهرة لم ينلها أحد في زمانه لإنتاجه الوافر وجمال حروفه، وأيضا مصطفى غزلان الذي أضاف الخط الديواني الجديد، الذي سمي بالخط الديواني الغزلاني المصري، وهذه إضافة تحسب له، وأيضا محمد محفوظ الذي أضاف خط التاج؛ فكان آخر الخطوط المبتكرة التي أكدت على أن الخط العربي بدأ بالخط المصري القديم بأنواعه الثلاثة، وانتهى أيضاً بخط التاج المصري، وقد برع في الخط الكوفي يوسف أحمد الذي بعث الخط الكوفي من مرقده بعد سنين طويلة، وبعد وفاته أكمل المسيرة محمد عبدالقادر الذي أصبح امتداداً لأستاذه، كما كان امتداداً أيضاً لمصطفى غزلان في الخط الديواني ليتتلمذ على يديه مسعد خضير البورسعيدي وغيره من المعاصرين الذين لا يزالون يسيرون على نفس الدرب.


ذو صلة
التعليقات