مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

جمال عبدالناصر في ميزان عدل (3-3)

ورابعها: هذا الكاتب الذي شغلني بأغلوطاته ممعن في التعميم والتعتيم وإهمال التوثيق؛ فيا ليت شعري أي سياق تاريخي في نظام عبدالناصر أمضى إيذاء (طه حسين) و(السنهوري) بالضرب والإهانة؟.. أم يريد أنه حصل لهما شيء من ذلك في عهد عبدالناصر من قطاع طرق أو مجرمين أو متعصبين؛ فهذا يحصل في المجتمعات المثالية من شواذ السوقية؛ وليكون الكاتب أميناً مع ربه، ثم مع نفسه، ثم مع المجتمع الذي يعلم تواريخ النخب: عليه أن يحدد الزمان والمكان، ويذكر هل آل الأمر إلى من بيده الحل والعقد؛ وإذ لم يفعل فهو في بؤرة.. (قال أبو عبدالرحمن: (البؤرة) الحفرة التي يطبخ فيها؛ فتكون محلاً لإيقاد النار، واستعارها المعاصرون لكل حضيض مذموم) الادعاء.. وطه حسين بدرت منه بدوات آذت الأمة في دينها وتاريخها، وحقه بشريعة العدل أن يحاكم؛ فينتهي الأمر ببراءته أو إدانته.. ولكن شعب مصر الأبي أبى أن يكون طه حسين (وهو قيادي) في وزارة المعارف حر في المجاهرة بتلك البدوات؛ فناقشوه علمياً وفكرياً على مستوى الجريدة والكتاب؛ فتراجع طه عن أشياء بقناعة وتورع، وبقي محبوباً مكرمة ريادته بين أحبابه وجمهور خصومه.
قال أبو عبدالرحمن: بمثل هذا أطالب (أمين المهدي) وأمثاله حيال ما قاله عن (السنهوري) و(لويس عوض).. على أن مثل (لويس عوض) و(سلامة موسى): مطالبون قانونياً بما هو شرط المواطنة المضمونة الحقوق.. والدكتور (رمسيس عوض)؛ وهو أخو (لويس): خير من أخيه في تفنيد العفن في الشرق والغرب (بالغين)، والتوعية بمهالكه؛ وهو كتابي ليس على صفاء الدين، ولكنه خير من ذوي كفر الجحد المطلق، وأهل الإباحية، وعنده عناصر من الخير في نتائجها.
وخامسها: أنني لا أعلم هوية اسمها (المثقف المستقل) بين أمة دارها من أقصى المحيط إلى أطراف الصين، ومن تعرجات أقصى الشمال وجنوب فرنسا ونصف إسبانيا مع توغل في البرتغال إلى حدود الهند وما صاقبه.. ولا أذكر فرار المورسكيين المسلمين إلى أمريكا إلا من ناحية التذكير بالسبق التاريخي إلى الاكتشاف؛ فالمثقف المستقل بالمعنى الذي يريده حسب سياقه: مهمته أن يكرس أسفار الخروج، ويزيد حدودنا السود عرضاً وطولاً؛ ولقد كفي تدوين سفر الخروج من الأندلس؛ فليكتب باستقلاله الثقافي سفر الخروج من خراسان والعراق وفلسطين.. وو.. إلخ، وأنى لمصر حاملة الهم العربي والإسلامي أن تقبل هذا الاستقلال المؤذي.. وثمة شيء جدير بالاهتمام؛ وهو أن مادة (ثقف) ذات مدلول لغوي كريم يعني الحذق والجودة، ثم حولها الاصطلاح الحديث إلى مهانة تعني التسطيح والاحتواء من قبل الأغيار تشبعاً بلا محاكمة.. والنخبية التي تباركها أمتنا مع المحاكمة: لها حذق في العلم المادي، وحذق في العلم النظري، ووعي فكري إيماني بحقائق ديننا، ولها بهر تاريخي مؤصل يحمي ولو بالكلمة تركتنا، ولها أيضاً إبداع في الفن؛ فكل هذه خصوصيات مستقلة موهبة أو مراناً؛ والنخبي الذي تباركه أمتنا لن يكون كذلك إلا وهو ابن هويتنا؛ الذي يوجد عنده دافع الزكاء (بالزاي)؛ لتوظيف ما أنعم الله عليه به من علم وفكر ووعي وإبداع لإسعاد أمته وتوعيتها لا إيذائها.. ثم مال (أمين مهدي) يتباكى وهو يقول ما شاء من كل هوان لأمته؛ فهل حقق بما عساه أن يفتري تسميته بالنقد الذاتي (أي يعني (نقدنا أنفسنا)؛ وليست (الذاتي) بمعنى النفسي) بصيصاً من نور يكحل عيوننا بالنظر إلى خريطتنا الجهورية العظمى المليئة بالعلم والفضائل ولا سيما أنه إلى آخر ما كتبه من بهرج غير قادر على رسم (خارطة الطريق) وبئس العوض؟!.. ثم يتمظهر الكاتب بالثناء على ثورة 1952ميلادياً بمقابل النقد لما جاء بعدها؛ ولكن سياقه من أوله إلى آخره لا يتباكى إلا على ما أتخمنا به من حرية الشهوات والشبهات دون أدنى حمل أي هم للوجود الإسلامي والعربي الذي لم يذق من الهوان مثل ما ذاقه الآن؛ وذلك دون طرح علمي عاقل يرفع حاجز العزلة بين الأشقاء؛ ولم يضع نقاط التسييس الفعال لمن يوثق به في الدين ملة ونحلة حتى لا يكون الأشقاء غثاء كغثاء السيل؛ وأما التحالف الثلاثي فهو من كيس الكاتب؛ فكلمة الدين من غير تنظيم إرهابي ممارسة مصرية ورعاً وتربية وإرثاً، كما أن القومية العربية بشرطها التاريخي هم مصري تبناه الزعماء قبل أن يكون عبدالناصر المتنفذ في مصر.. إن عبدالناصر تبنى ما سلف عن الدين البريء من الإرهاب على التسامح في شرطها التاريخي؛ كما أن الاشتراكية مرحلة لم يكتب لها الخلود؛ بل مرت على عجل؛ إرضاء لـ(خروتشوف)، ولم تنل إعجاب (خالد محيي الدين) وحزبه؛ وهو (أعني خالد محيي الدين) من عناصر الثورة الناصرية؛ إلا أنه يريدها ماركسية صريحة.. إن الكاتب لا يريد من مصر اليوم وأشقائها ترميم جروحنا التاريخية ببناء علمي مادي، وتزكية تاريخية من ديننا.. إنه يتحدث بتعويم خارج همنا بهذه المفردات: (حقوق الفرد المواطن، والحريات الاجتماعية، والتعددية، والديموقراطية، والتقدم، والسلام).. وأهم شيء ههنا (السلام)؛ لنعيش بهذه المفردات في رغد حديقة الحيوانات، وحرية القرود الشهوانيين، ويرمى علينا من حملة السلام من الثقوب ما لذ وطاب.. وبعد هذا السلام على أمتنا ألف سلام!!.. وإنني لأعجب من ظاهرة التعميم، والاحتواء، ومنح صفة المعيار كل مفردة مرت مع مفردات كثيرة عند غيره من الحواة؛ فأما حقوق المواطن: فهو حظ مشاع بين مواطن يشاركنا في هويتنا، ومواطن آخر ليس جزءاً من هويتنا وله ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين: أن يعطى حقه كاملاً غير مبخوس، وأن يعامل بالمرحمة إذا عجزت وسائله؛ وعليه هو حقوق للمواطنة؛ فلا يؤذي مشاعر الأمة في هويتها، ولا يمالئ عدواً، ولا يفشي سراً، وأن لا يكون عميلاً للأجنبي.. وما يحدث من عدوان وإهدار حقوق بين الفئتين من المواطنين: فإنما هو عصيان من الطرفين يلزم ولاة الأمر الحزم في شأنه وقاية وعلاجاً، وأن تظهر الحقوق بالمقاضاة العادلة.. وحماية الوطن حق مشترك بين الطرفين.. ومن الظلم الفادح: أن الدول الكبرى تضمن للأقليات غير الإسلامية حقوق المواطنة (أيام إعلان الحلفاء الحريات الأربع، لا في هذا العصر الذي انقلبت فيه الموازين) مع غبن كبير ينال المسلمين سواء أكانوا قلة أم أكثرية كاملة.. ومن ضمان الحقوق إتاحة الفرص في الحقل العام والخاص؛ لكسب لقمة العيش.. إلا أن للفرص معادلة حسب علو الكفاءات وانخفاضها، وحسب ما هو في النظام العالمي مما يؤتمن عليه المواطن الذي هو جزء من هوية الأمة، ويؤتمن عليه المواطن الآخر في مجال آخر.. وإذا وجد لدى الدولة أثرة أو ضيق موارد في الرزق، أو مسؤوليات كبرى تلتهم الرطب واليابس: فعلى جمهور الأمة مسؤوليات أكبر أهمها تحقيق التكافل الاجتماعي زكاة وصدقة وعاقلة وآصرة قربى مع تداول المواريث والأوقاف على شرع الله، وصرف المواهب إلى العلم النافع الذي يحقق للأمة قوة ومهارة وضرورات وكماليات؛ فهؤلاء مضمون لهم الرزق الوسيع، ومضمون منهم الرزق للعالة من أمتهم، ومضمون منهم رفع مستوى الأمة.. وأما الجمهور من حواة الثقافة، وجيل الطرب، والهذر الصحفي، والاتخام بالنظريات الميتافيزيقية: فإن إتاحة الفرص لهم كما هو الشأن في كل دولة: لا تكون إلا وفق مستوى كفاءة الحواة الهامشية إلا أن يكونوا عصاميين يكسبون من عرق الجبين، ولا يحتقرون الحرفة الشريفة.. وأما الحريات الاجتماعية فهي مرادفة جملة (حقوق الفرد والمواطن)؛ وكل ذلك محكوم بسلامة الوطن، وحرية جمهور الأمة في هويتها.. وأما التعددية فهي مفردة استعارها الحواة، وجعلوها قيمة في نفسها بعموم أرعن دون تفريق؛ والذي يفهمه العقلاء أن هناك تعددية قدرية كونية لا دخل للبشر فيها إلا بالعلاج الذي أذن الله به؛ فهناك الذكي والبليد، والعالم والجاهل، والشقي والسعيد، والخير والشرير، والمريض والصحيح، والفاسق والمهتدي، والغني والفقير؛ وأما العلاج الذي أذن الله به: فهو تمرين البليد، وتعليم الجاهل، والقيام بالحسبة لهداية الشرير والفاسق؛ فإن لم ينفع ذلك أقيم فيه حكم الله العادل الرحيم؛ وهكذا علاج المريض، وكفاية الفقير؛ ومع هذا يتعين الشكر على النعمة، والصبر على البلوى، والاستغفار من المسيء والمقصر.. وهناك تعددية العطاء؛ فالأمة لا يقوم بناؤها إلا على هذا التعدد؛ فهي تريد الكفاية من الأطباء والمهندسين، والصناع المهرة، وعلماء الكونيات والأحياء والذرة، وعلماء الشريعة المبلغين عن ربهم بفهم وعقل، وعلماء اللغات والتواريخ، ومن يلثمون أتراح الأمة إذا صدئت النفوس بالإبداع الفني المجنح المباح في غير ريبة ولا منكر، وعلماء الثقافة الذين هم غير حواة الثقافة الهاملين.
 قال أبو عبدالرحمن: عوداً على بدء أعيد القول: بأن جمال عبدالناصر وقع تحت وطأة الطابور الخامس، ووطأة الحرص على كرسي الزعامة التي فرضها بخطابته الساحرة، ونشاط الإعلام التضليلي أيام محمد عروق وأحمد سعيد ومشورة عبقري التحليل السياسي هيكل.. وزبدة القصد ههنا أنني أثير القارئ بأكثر من علامة استفهام حول تأفف أمين مهدي من كثرة المؤسسات الدينية.. ووصف الاشتراكية بالإسلامية بدأ بعبدالناصر نفسه؛ فقد سمعت له خطبة في حينها يستشهد فيها بقول أحمد شوقي:
 الإشتراكيون أنت إمامهم
لولا دعاوى القوم والغلواء
قال ذلك في همزيته التي مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغنتها الست بعنوان المطلع (ولد الهدى).. وكتبت (ال) (الإشتراكيون) بألف مهموزة لضرورة الوزن مع الإخلال بواجب الرسم، ثم أغدقت الصحافة والمؤلفون فيما بعد المقالات والكتب عن اشتراكية عبدالناصر أنها غير ماركسية، ووصفوها بأنها إسلامية، بل بعضهم ألف عن أبي ذر رضي الله عنه كتاباً سماه (أبو ذر رائد الاشتراكية)، ولما لقي (خورتشوف) عبدالناصر مط شفته؛ لأنه لم يجد الاشتراكية الماركسية.. ومع أنه حصل تأميم الأملاك الفردية كقصور الباشوات ومزرعة أبو رجيلة العالمية إلا أنها لم تكن ماركسية بالفعل ولا قريبة منها، ولم يتخذ عبدالناصر هذه الاشتراكية عن قناعة، ولكنه ربط مصيره ومصير أمته بالجناح الماركسي مع ثقته بتحييد كثير من الدول عن طريق دول عدم الانحياز؛ ولولعي الشديد بتاريخ عبدالناصر الذي هو مصدر ثقافتي في حيوية الشباب؛ ولا سيما منذ تنازل شكري القوتلي لعبدالناصر: كنت كثير التتبع لأبجديات السلوك والفكر الناصري، وتكونت عندي قناعة لم أستطع التخلص منها في شيخوختي، وهي أن عبدالناصر يحلم بدولة إسلامية صالحة ما بقي آمناً على زعامته، وأن حلمه حلم خيالي في الجناح الماركسي الأممي بأنه سيرفع عنه كل الضغوط ليقيم دولة وفق خصوصية مصر ناسياً بالتأكيد أن الدين عند الماركسيين (أفيون الشعوب).. ورجح لي هذه القناعة أن عبدالناصر في تقلبات الأقلية بتحريش من الغرب (بالغين المعجمة): ذو سلوك خير مدة رئاسته ضد التجزئة التي استنبحت كل الأقليات، وأحكم القبضة في ذلك، كما أن الماركسية في مصر لم تفرح بأي سند من عبدالناصر على الرغم من أن أحد زملائه من رجال الثورة هو خالد محيي الدين الماركسي، وقد حل حزبهم مع الأحزاب الأخرى، ولم يبق منهم سوى صوت مبحوح مغمور في مقالات أمثال أمين العالم، وعبدالمنعم تليمة.. وباستثناء (رأس المال) لماركس لا تجد كتاباً ماركسياً في مصر آنذاك؛ وإنما يستجلب الماركسيون المصريون مصادرهم من سوريا التي نشطت في نشر الكتب الماركسية مثل كتب لينين عن الفن في عشرة أجزاء، وهو من الكتب التي كنت ضنيناً بها وفقد مع ما فقد من مكتبتي القديمة.. ومن التضليل القبيح العاري من أدنى شمامة من الأخلاق تفسيره ضعف ريادة مصر الثقافية والفكرية بازدياد المؤسسات الدينية، ومثل هذا اللغو الآفك لا يجوز الصبر عليه؛ لهذا أقف عنده هذه الوقفات:
الوقفة الأولى: أن كثرة المؤسسات الدينية بدأت بعبد الناصر عفا الله عنه وريادة مصر يومها في ذروة القمة.
والوقفة الثانية: أن مصر لن تفقد ريادتها وإن حصلت تعرجات؛ لأنها ثقل الأمة العربية، والمملكة العربية السعودية تكمل مسيرتها بقدرها الروحي والمالي، ومع التعرجات فالريادة باقية في طلائع العلماء والمثقفين في البلاد العربية بل والإسلامية الذين كان أساتذتهم معممين (أي يلبسون العمامة) من مصر، ومصر تخلت عن ريادتها طوعاً في الأغنية والفيلم الذي كان تجربة رخوة منغصة، وتهاوت قمم في الآداب كالشعر الرومانسي وإغواءات طه حسين، وزكي مبارك؛ وهذا اللغو أشاح عنه المصريون منذ بدؤوا في استرداد هويتهم، وهكذا نحيب المدرسة الرومانسية التي نضجت ثمارها في مصر أشاحوا عن تغذيتها بقناعة فكرية؛ لأنه ليس في الوجود العربي اليوم ما يعطي راحة وأنساً للتفاعل مع الأشجان الرومانسية الفردية، وتركوا عن قناعة النبرة الحماسية وهم صناعها لو أرادوا؛ لأن الأمة خدرت بحماس لا يملكون أداته في مثل عنترية المطرب الوديع محمد عبدالوهاب (أيها العربي الأبي)، ولم تنته الست من ترديد أغنيتها عن السودان من شعر شوقي الذي يقول فيه:
 ولن نرتضي أن تقد القناة
ويبتر من مصر سودانها
لم تنته الست من هذه الأغنية حتى كانت مصر مصر والسودان سوداناً في وقت قصير؛ بل من العجب أن الغناء الغزلي تحول إلى عنتريات خطابية؛ فقد سمعت مرة (عبدالحليم حافظ) يغني (لا تكذبي) وقد احمرت عيناه، وتشنجت حركاته، وهدر صوته كأنه يحمس الفرسان في المعركة مع أنني الخبير بقصة هذه القصيدة الأغنية؛ فهي حرقة وجدان يتعلق بمفردة من الجنس اللطيف؛ فكان من السفه توصيل هذا الأداء العاطفي الفردي بأداء الحماس العسكري الجماعي.. وأبناء الكنانة اليوم يرون أنه لا ريادة البتة في العالم العربي؛ لهذا جعلوا ريادتهم للكتاب الأكاديمي وهم يصارعون تيارات التجزئة مذهبياً وطائفياً، وهمهم استرداد الهوية العربية والإسلامية؛ فإذا أوشك تحقق التقارب، ووحدة الصف: فالريادة لن تعدوهم.
والوقفة الثالثة: أنه كما أسلفت لا راحة للعرب بعد هذا الذوبان في اصطناع نبرة حماسية كاذبة، أو تصفيق لمن يغني على ليلاه بإبداع فني أو أدبي.. ومشاركة الحواة في الصحافة إهانة للوقار الفكري والعلمي؛ فهم في مجال استرداد الهوية بالتعلم والتعليم وتزكية الكتاب الأكاديمي؛ وبهذا يكون تلميع الحواة من أسباب ركود الريادة إلى حين.. وفي مداخلة (أمين مهدي) حبوره بحصول تناوب الفكر الشمولي حسب تعبيره، وقد بينت حقيقة الفكر الشمولي فيما سلف من التحشيات، ولكن العجب في تحليله عناصر هذا الفكر الشمولي؛ فمن تلك العناصر (الحرب الباردة) وليس في طليعة أو ذيل الدراسات الفكرية أي عطاء فكري أبدعته الحرب الباردة؛ وإنما الحرب الباردة سلوك مهزوم؛ وعنصر التفكير فيه عملي مرهون بالحدث لا غير.. والعنصر الثاني ارتفاع حدة الصراع العربي الإسرائيلي؛ فلو كنا نملك قرارنا السياسي لكان القول في ذلك كالقول في العنصر الأول؛ وإنه لمن القبح بمكان عميق في الحضيض جعله زوال حدة الصراع عنصراً من عناصر التفكير الشمولي، وأن يكون تناوباً يفتخر به؛ فهل سيبقي لنا التاريخ لسان صدق في الآخرين.. وتصفية فلسطين من الفلسطينيين جارية على قدم وساق بشكل عنيف كماً وكيفاً بالقتل والهدم وتضييق الخناق بقطع الماء والكهرباء ومصادرة الأملاك؛ وهو عمل إجرامي مستمر لا يمكن أن يبقي للفلسطينيين باقية ولو في عقود قليلة من الزمن ما دام هذا هو واقعهم، وواقع قوة العدو المتغطرسة، وموت الضمير العالمي، وأبجديات (هرمجدون) الخرافية التي آمن بها المتنفذون من أهل الكتاب الآخرين؛ فهذا دليل على أن إبادة الفلسطينيين، وأخذ كامل أرضهم: شيء مخطط له، مبرمج له في مدة محدودة.. وما عدا ذلك من تحليلات سياسية ومؤتمرات حماسية أو تعاطفية إنما هو نفخ في الرماد، ومزج بالريح.. وارتفاع (بمعنى زوال) حدة الصراع يعني انسحاب العرب والمسلمين من واجبهم الديني والتاريخي والقومي.. ولو اتحد الصف العربي وحدة بالشرط الإسلامي؛ وذلك هو اتحاد الهدف (وإن لم يحتاجوا إلى مدد من الدول الإسلامية): لما غلبهم غالب مهما كانت القوة؛ لأنهم في سرة الأرض، ويملكون شرايين الإستراتيجية الجغرافية في العالم، ويملكون كل الموارد الطبيعية التي تقوم عليها القوة المادية الغاشمة؛ وحينئذ لا يكون للعدو استراحة ولا نفوذ من أرضهم؛ وهم أهل المصابرة في الحروب طويلة المدى، ومواردهم الطبيعية كافيتهم بإذن الله.. وزوال حدة الصراع العربي الإسرائيلي ليس طموحاً عربياً ناشئاً عن فكر ورجولة؛ ولكنه إكراه وقع على أحداث اتصف مصطلو نارها بالجبن؛ وببركة ارتفاع الحدة عزلت مصر وسوريا عن خط النار، ودمرت العراق، وشغل إخوان لنا على السواحل بشاعر المليون والمغالاة في أقيام الحيوانات والطيور كالتيوس والحمام، وبقيت مملكتنا العربية السعودية تأسو الجراح برفدها المالي على مستوى الدولة والشعب، وهي تحاول لم شتات من المحال أن يلتحم والمقاصد على ما نرى.. وإن العجب ليبلغ مني مبلغ الوسواس الذي يلازم الإنسان في فراشه: كيف يتحسر هذا الصحفي على كثرة الأفلام ودور السينما أيام الفيلم الأسود، ويأسى على قلة الأفلام ودور السينما في هذا العهد الذي عمرت ساحته الصحفية بمثل (أمين مهدي) نفسه؟!.. وهذا أيضاً يحتاج إلى وقفات:
الوقفة الأولى: أن الأفلام في عهد الفيلم الأسود كانت باباً وسيعاً للانحلال سوى بضعة أفلام تمسكت بشيء من الحياء، ولكنها على الجملة آسرة باللمحة الفكرية، والحصيلة الثقافية، والنكتة البارعة، والأداء العبقري؛ فترى الممثل في واقع طبيعي لا كلفة فيه، ولا يشعر أنه يؤدي دوراً تمثيلياً، والمشاهد إن وقع فيما فوق اللمم: لم يعدم تربية جمالية حسية مفرطة الشفافية، ولم يعدم طرفة وثقافة وفكرة وعبرة.. وأفلام اليوم (ونحمد الله على قلتها) أفلام أصباغ وفجاجة وتبذل ولهجات محلية قبيحة، وأداء أقبح، وأشكال آدمية أقبح وأقبح، والمشاهد إذا رأى هذه النماذج السيئة، وظن أنها الفن الذي يذكر: فإنه سيعلن التوبة عن الفن من حينه!!.. ثم إنك تجد في الفن العربي التمثيلي القديم قامات وهامات ثقافية بارزة مثل (يوسف وهبي) و(الريحاني) و(مدبولي)، ثم تجد في أفلام الأصباغ هيان بن بيان، وفقعة القاع ممن لا قدم لهم ولا ذكر في أدب أو ثقافة!!.
والوقفة الثانية: اتضح أن مهانة وقلة أفلام الأصباغ بسبب تلاشي الموهبة، وبسبب المستجدات المحرقة على أرض الوطن التي لا تسمح براحة للتعايش مع الفن؛ فكيف يجعل المسؤولية على أجهزة الرقابة؛ فهل الرقابة حرمتهم من الموهبة ذكاءً وعلماً، وهل حرمتهم من الحس الفني، وهل في حصيلة الأفلام في عهد الأصباغ التي لا تتجاوز ستة أفلام فيلم واحد ذو خطر فناً أو فكراً أو ثقافة صادرته أجهزة الرقابة؛ فلماذا خلط الأوراق؟؟
والوقفة الثالثة: لم أجد في سياق هذا الصحفي شيئاً من الهموم التي تتعلق بحرية التعبير إلا ما هو كالفضلة في عرف النحويين؛ وهو ترف الفن والإبداع الأدبي الذي هو على هامش النشاط الإنساني استرواحاً لعمل جاد.. أفلا يكون الهم الأكبر لهذا الصحفي المرتبط بحرية الفكر (الذي هو حرية التعبير بالمفهوم الديموقراطي): أن يطرح للبحث الجاد ما هو أمس بكيان الأمة من ترف الفن، مع درس عوامل مؤذية حققت قتل الوجود العربي المعتد به ككارثة ارتفاع حدة الصراع العربي الإسرائيلي؟.. ومن مقومات الوجود العربي إعداد القوة والضروريات والكماليات إنتاجاً لا توريداً؛ فهل لأجهزة الرقابة مجال للمصادرة في هذا الذي هو فوق الترف الفني والأدبي؟.. ولا أمل من طرح الأسئلة؛ فأسأل مرةً ومرات عن حجر العالم القوي على العالم العربي أن يتعلم إعداد القوة؛ وما سمح به من العلم الضروري فستظل فاعليته مرهونة بالاستيراد بأبهظ الأثمان كالطب؛ لأن دولة الطبيب عاجزة عن تصنيع أجهزته؛ فلماذا لا يصرف تعب قلمه، وجهد فكره إن كان عنده فكر إلى تحريك العقول لالتماس أسباب تخرجنا من هذا المأزق ولو على أمد بعيد؟.. وفي ختام هذه الوقفة أمتعكم بهذا السؤال المحرج: هل يملك المستلب في أرضه، المقهور في قراره الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي أي إرادة ينظر بها فلسفة الديموقراطية، أو يفرغ معها للابتسام مع تجليات أدبية أو فنية ؟.. إن من قدر هذا الصحفي المهذار أن يسلم بطاقة هويته لأهل بلده، ويرحل إلى عوالم القوة المادية التي تستقبل المهاجرين، ولا تحيف على أحد في موهبته؛ فعالم الذرة والطبيب له مجال عمله، والعامل والفارغ إلا من الفرقعة الصحفية له مجال عمله كغسل الصحون، ومسح المناضد في المطاعم.. كلا.. بل الواجب أن يكون قدره أن يسترد هويته ذات العقل المحاكم (بصيغة اسم الفاعل)، وذات الزكاء (بالزاي) في الإرث الديني؛ وذلك هو مفخرة التاريخ الجهوري التجريبي، وفي الأولى يكتب سفر الخروج، وفي الثانية يسعى إلى فتح باب الدخول، وإلى لقاء آخر في الشهر القادم إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

ذو صلة
التعليقات