مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

الدرعية تراث وجمال

الدرعية مدينة عريقة بإنسانها وعراقتها بأرضها، فكل حجر في بنيانها يمثل رمزاً حياً لحقبة من الزمن، ولقد أرسيت فيها أصول للحكم، كما تفجرت ينابيع من الحكمة، فكانت منارة وحضارة ومنبع هداية.
ونحن إذ نحيي تاريخها الثري إنما نحيي بذلك تراثنا التاريخي والحضاري، ذلك الإحياء الذي يكشف عن شخصيتنا، ويؤكد عراقتنا ويدفعنا إلى المضي قدماً بخطوات واثقة على طريق المستقبل، لا ننظر إلى الخلف إلا لكي نستلهم الرؤية، ونلتمس القدوة، ونستمد العبق، ونستبين الغاية، ونصل بين ماضينا وحاضرنا.
فتقع مدينة الدرعية القديمة على ضفتي وادي (العروض) الذي يخترق سلسلة جبال العارض في منطقة يطلق عليها الجغرافيون (العروض)، وبمرور الزمن تغيرت الدرعية سكانياً وعمرانياً، وبخاصة بعد أن أصبحت عاصمة البلاد، ولم تعد مقتصرة على موضعيها أو حيها القديمين، المليبد وغصيبة، فأصبحت الدرعية عاصمة كبيرة تقدر بنحو عشرين كيلو متراً مربعاً.
ونلاحظ في تاريخ الدرعية العاصمة هو سرعة نموها العمراني والسكاني وهذا لم يكن ليحصل على الأقل بهذه السرعة لولا توفر عوامل الجذب السكاني، فقد تركت الدرعية انطباعاً قوياً لدى زوارها وبخاصة (حي الطريف) على الرغم مما دمر بعد استلام المدينة.
لقد شهدت العاصمة حركة معمارية ضخمة، فارتفعت مبانيها ووصل بعضها إلى ثلاثة أو أربعة طوابق، ولقد شيدت هذه المباني على أيدي فنيين وعمال مهرة من أبناء المنطقة ورجالها.
ومن المؤكد أن النهضة العمرانية كانت شاملة لكل أحياء الدرعية، وإن برزت بوضوح أكثر في (حي الطريف) الحي الرئيس في الدرعية والذي تقطنه الأسرة الحاكمة، كما أن هذه النهضة العمرانية أوجدت طلباً شديداً على مواد البناء وعلى الأيدي العاملة.
ومع ازدياد التطور العمراني ازداد الاهتمام بالزخرفة، فكان الحرفيون يزخرفون المنزل من الداخل وأيضاً من الخارج بعدد من العناصر الزخرفية مثل العرائس على أطراف الجدران الخارجية للمنزل من أعلى، وكذلك المثلث باعتباره العنصر الزخرفي الأول في المملكة العربية السعودية واستخدامه بطريقة السالب والموجب وله دلالة خاصة باعتباره رمزاً للعلو والسمو في ذلك الوقت.
وظهرت دقة الزخرفة في التفاصيل الهندسية الدقيقة في الأبواب وهي موجودة إلى وقتنا الحاضر على أبواب القصور مثل قصر محمد بن سعود، وقصر ناصر بن سعود، وفهد بن سعود، وسعد بن سعود، وأيضاً قصر الحكم، ومنزل ومسجد موضي الوطبان (الموجود حالياً)، ومقر الضيافة، وحمام الطريف، وكل هذا يؤكد أن الإنسان السعودي منذ القدم كان مهتماً بالرمزية وتجميل متطلبات حياته اليومية كافة.
وسوف نستعرض عينة من الزخارف الموجودة في قصر سلوى الذي يعد رمزاً للجمال العمراني:
قصر سلوى
مقر أمراء وأئمة آل سعود حكام الدولة السعودية الأولى، ومنه حكمت الجزيرة العربية وما جاورها من إمارات وأقاليم.
يقع قصر سلوى في (محلة سلوى) بالجهة الشمالية الشرقية لحي الطريف في مقدمة الحي، ويعد هذا القصر أكبر القصور بصفة خاصة، ومنطقة نجد وما جاورها بصفة عامة، وأقيم القصر على مساحة تناهز عشرة آلاف متر مربع، ويتكون من سبع وحدات معمارية، وقد شيد القصر بإتقان ومهارة ودقة في النسب المعمارية، وتعدد في الطوابق لم يكن مألوفاً في ذلك الوقت، على أيدي فنيين وعمال مهرة من المتخصصين في مختلف المهن والحرف من أبناء المنطقة وتقدر تكاليف بناء القصر طبقاً للأسعار السائدة حين ذلك بنحو مئتي ألف ريال.
أكدت الدراسات الأثرية لقصر سلوى بما يحتويه من وحدات متعددة وما له من ضخامة وعظمة، أن البناء لم يتم في عهد أمير أو إمام واحد، وإنما أنشئ على مراحل متعاقبة كما بدأت كما يرجح الباحثون في عهد الأمير سعود بن مقرن أو أبيه الأمير محمد بن مقرن، حيث كانا كبيرين ولديهما قدرة مالية، وإن كان هذا الاحتمال لا يتجاوز أساسات الوحدة الأولى من القصر والبئر التي أمامها.
ويعتبر محمد بن سعود بن مقرن مؤسس الدولة السعودية الأولى الذي حكم الدرعية طيلة أربعين عاماً، وهو المؤسس أيضاً لقصر سلوى، وإليه يرجع الفضل في بناء الوحدة الأولى بقسميها بالإضافة إلى المسجد الجامع واستكمال البئر، ومن الطبيعي أن يبدأ البناء من حافة الوادي الشمالية، وأن تتوالى الوحدات الأخرى بعد ذلك وتمتد إلى الجهة الجنوبية.
عمارة قصر سلوى
إلى يسار الزائر لحي الطريف، أي بالجهة الشرقية يقع فناء مكشوف لاستقبال الزوار والمترددين على قصر سلوى في فترة حكم الإمام سعود الكبير، وهو فناء كانت أرضية مرصوفة بالحجارة مثل طرق وممرات حي الطريف وفي الجهة الجنوبية من الفناء يوجد جدار سميك مرتفع يرتكز عليه الجسر الممتد من قصر سلوى إلى المسجد الجامع بحي الطريف، الواقع على يمين الزائر أي جهة الغرب وفي نهاية الجسر من الجهة الشرقية يوجد مدخل صغير يؤدي إلى الوحدة ومنها لبقية وحدات قصر سلوى (التي تقدر بنحو سبع وحدات).
الزخارف الخارجية للوحدات
ومع تعدد هذه الوحدات التي توالى بناؤها واحدة تلو الأخرى، فنلاحظ أنها اشتملت على عناصر زخرفية تتكون من مجموعات هرمية من المثلثات النافذة تساعد على الإنارة الداخلية والتهوية الجيدة وتعمل الواجهة، إما أن تكون بشكل أفقي أو رأسي وكذلك تجميل السطح بالشرفات المسننة.
وبهذا يكون الفنان السعودي أو النجدي بالأصح أبدع في فن العمارة والزخرفة التي تثبت هويته وأصالته.

ذو صلة
التعليقات