مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

بديلاً عن السرقات العلمية والأدبية .. أما حان الوقت لنبدأ استنساخ الدراسات؟!

يستصعب عدد كبير من الباحثين والأكاديميين قراءة عناوين الدراسات والبحوث والأعمال العلمية والأدبية بشكل عام ووضعها في قوالب ممنهجة، ويقتصر الطريق البحثي عند بعضهم بالقرصنة على بحوث ودراسات الآخرين، ويكأن الأمر بات يعبر عن صعوبة إيجاد دراسة جديدة أو مدخل لعنوان بحثي يرنو إليه عقله وفكره وبصيرته.
فهل يمكن للباحث والمفكر والمؤلف أن يبدع في موضوعات جديدة تتصل بدراسات متشابهة من حيث العنوان والمعالجة، ولكن في إطار زمني وموضع جغرافي آخر على أقل تقدير؟ نعم يمكن.. وهو ما نسميه استنساخ الدراسات العلمية والأعمال الأدبية بديلاً عن السرقة التي بات يشكو منها الكثير، ولذلك فوائد عدة وميزات متعددة.
وإذا كان الاستنساخ عند العلماء هو عملية يتم فيها إنتاج نسخة مطابقة جينياً من خلية أو نسيج أو كائن حي، ثم يُطلق على النسخة الجديدة مصطلح (مُستنسَخ)، إلا أن عملية الاستنساخ هنا هي عملية يتم فيها إنتاج نسخة جديدة من الدراسات والبحوث مطابقة منهجياً وفكرياً -على أقل تقدير- من بحوث ودراسات وأعمال مشابهة، ونطلق عليها أيضاً (دراسات مُستنسخة).
وإذا كان يعوّل العلماء على تقنية الاستنساخ في تطوير أنسجة وأعضاء لعلاج الأنسجة أو الأعضاء المصابة أو التالفة في الجسم البشري، فإن الاستنساخ المقصود هنا مطلوب كذلك لاستكمال جوانب الموضوع زمنياً وجغرافياً وعلاج جوانبه والعناصر المفتقدة والناقصة فيه زمنياً وجغرافياً، والمثال يزيد من الأمر وضوحاً.
فإذا ما قلنا إن الذي قدم دراسة عن (الحياة العلمية في -قرطبة- في عصر الإمارة بالأندلس) يمكن أن يقدم غيره دراسة مستنسخة بعنوان (الحياة العلمية في -إشبيلية- في عصر الإمارة بالأندلس) أيضاً، وعلى الرغم من أن المؤسس أو المطلق للعمل البحثي والعلمي الأول له شرف تقديم الأصل من الدراسة وهو النموذج الذي يحتوي على المنهج المتبع في الدراسة، والذي سينتهجه من سيأتي بعده، فإن هذا الأخير بلا شك سيتمم عملاً علمياً يكمل به الصورة الكلية عن (الحياة العلمية في -مدن- الأندلس) والذي لم يتم حتى وقتنا هذا، وهو أمر مفتقد للأسف الشديد ونلاحظه في المكتبة العربية الأندلسية، قس على ذلك -المثال الثاني- دراسة: (دور علماء -غرناطة- في الحياة العلمية بالأندلس) يمكن أن يستنسخ آخر نفس الدراسة ولكن لموضع آخر بأن يدرس (دور علماء -قرطبة- في الحياة العلمية بالأندلس). وبذلك تكتمل صورة دراسة الحياة العلمية بالأندلس من الجانبين من جانب المثال الأول ومن جانب المثال الثاني.
وهكذا عن طريق الاستنساخ يتم ترميم الصورة البحثية التي باتت منقوصة في مواطن كثيرة في مشرق العالم العربي والإسلامي ومغربه، بل لعل الاستنساخ العلمي للدراسات يساعد على استكمال المسيرة العلمية والبحثية في حقل ما لموضوعات متتالية مرتبة وممنهجة، فضلاً عن أن تكون مدعاة بعد ذلك لعمل المقارنات البحثية التي تفيد في التحليل والاستنتاج سواء كان ذلك وفق فترة زمنية كما في المثال الأول، أو من خلال موضع جغرافي معين كما في المثال الثاني.
أضف كذلك أن هذا الاسنتساخ لن يكون صعباً على التالين، ربما كان وضع أسس وقواعد الدراسات التي من شأنها أن تكون بذرة يتحمل صعابها الباحثون المؤسسون للفكرة، ويمكن أن نوضح ذلك في مثال ثالث: وهو دراسة دور القبائل العربية في الحياة العلمية بالأندلس، ودراسة هذا الموضوع من الصعب إتمامه مرة واحدة، وإنما يحتاج إلى زمن كبير ومراحل متتالية وممنهجة. ومن براهين هذا المثال ما أقدم على نشره الباحث محمد جمعة عبدالهادي موسى وهو معجمه، تحت عنوان (أعلام القبائل العربية بالأندلس) في عام (2017م)، وهذا المعجم جمع فيه الباحث أعلام القبائل العربية لأكثر من سبعين قبيلة. ثم اختار إحدى قبائل المعجم، وهي (قبيلة لخم) وقام على دراستها كرسالة للحصول على درجة الماجستير، ونجح بالفعل في طباعة المُعجم ومعه الرسالة، فأسس بذلك البذرة والبداية التي بها الدراسة والمنهج. ثم ترك المعجم للباحثين الراغبين في إتمام الصورة، إذ يمكن لباحث راغب في دراسة دور إحدى القبائل العربية بالمعجم أن يختار إحداها ليتمم واحدة تلو الأخرى للصورة المرغوب في دراستها وهي (دور القبائل العربية في الحياة العلمية بالأندلس) كصورة جديدة من صور الحياة العلمية بالأندلس.
إن الأمثلة على استنساخ الدراسات كثيرة، وتخرج أيضاً خارج الإطار المذكور بتناول موضوعات تتعلق بالدول، ومن أمثلة ذلك دراسة موضوع الحسبة على سبيل المثال، وهو موضوع تمت دراسته في مصر خلال عصور مختلفة فاكتملت الصورة بهذا التتابع وبهذه العملية الممنهجة. كذلك موضوعات الطب عبر العصور، وإذا كان ذلك في الإطار العام، فإن من المؤكد أن ذلك لن يتم الوصول إليه إلا من خلال الإطار الخاص بالموضوع والموضع الجغرافي كما تمت الإشارة إليه في المثالين الأول والثاني، حتى نخرج بصور علمية مكتملة بدراسات أكاديمية صحيحة تبرز جانباً معيناً من جوانب حياة العرب والمسلمين.
أما الجانب الأدبي فيمكن ذلك تطبيقه على الدراسات الأدبية ومنها الروايات التي تتناول موضوعاً به الفترة والموضع، ومن الأمثلة على ذلك رواية (راوي مراكش) للأديب الهندي جويديب روي- باتاجاريا، والتي نشرها في عام (2016م)، لا أستطيع أن أجزم هنا أنه وضع بذرة ليقوم آخرون باستنساخها وعمل مثيلها في مواطن أخرى، فهو لم يشر إلى ذلك على الإطلاق، ولكن في الوقت نفسه بعد دراسة الرواية وتحليلها يمكن تطبيقها وإخراج رواية أخرى بل -في حد اعتقادي- أبرع وأروع منها في مواطن أخرى كأن تكون تحت عنوان (راوي بغداد) أو (راوي قرطبة) أو (راوي القاهرة) أو (راوي دبي)، أو (راوي دمشق) قس على ذلك الموطن الذي تنطبق عليه المواصفات التي جاءت في رواية (راوي مراكش)، سنجد في كل موطن من المواطن المذكورة تراثاً ينتج روايات أدبية في غاية الدقة والروعة والمنهجية، وتسمح لنا بخلق عوالم تبهج العقل العربي وتثير في نفسه الولع بالاطلاع على المقتبسات والصور الأدبية المتنوعة بين الرواية هذه والرواية تلك فسرده بهذه الرواية وهو سرد ممتع تطبيقه على فترة زمنية وموضع آخر سهل ميسور فحسب، إنه كما يحتاج إلى مستنسخ ماهر بارع دقيق يحتاج أيضاً إلى بصر وبصيرة ليقدم أروع ما يقدمه الأديب.
لقد استوحى الكاتب وقائع روايته هذه من خلال زيارة قام بها للمغرب، لكنه غاص بعمق في طبيعة القيم والسلوكيات والأفراح وأنواع الملابس والمأكولات وطرق التحاور بين الناس، وأمدنا بمعلومات وافية عن تاريخ المغرب وجغرافيته، ولهجات أبنائه من عرب وبربر وطوارق، من مسلمين ويهود، ينحدرون من المدن والريف والجبال والصحاري والموانئ. كما قدم صورة واسعة عن الأفكار وطبيعة العلاقات الإنسانية، ووصف لنا تفاصيل الهموم اليومية والمناخ العام السائد في مراكش والمغرب عموماً. جدير بالذكر أن هذا الأثر الأدبي يُعيد إلى أذهاننا كتاب (ألف ليلة وليلة) حيث كل قصة تولد قصة أخرى في نسيج روائي متشابك وأحداث متلاحقة لا يملها القارئ، لا بل ينتظرها بشوق وشغف، هذه القصص يسردها رواة كثيرون من شرائح اجتماعية وأصول عرقية مختلفة تعيش في مناطق شتى من المغرب، لكنها تعيش في مراكش طلباً للرزق ولقمة العيش. (وهذا الأمر عينُه فعله الكاتب التركي أورهان باموق، الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 2006م، في روايته (اسمي أحمر) من حيث تعدد الرواة واختلاف وجهات النظر).
إن عملية الاستنساخ العلمي والأدبي ليس صعباً، وليس سهلاً، هو بينهما يقع، يحتاج إلى بصر وبصيرة، وقدر واقتدار، ومطالعة واطلاع، وخبرة ودربة، ومذاكرة واستذكار، ومفردات من شأنها أن تمنح صاحبها القوة والتفرد والابتكار ليُفلح أحد، باحث أو أديب أو مفكر في وضع لبنات متتالية وممنهجة تكشف في النهاية الصور المكملة للأعمال العلمية والأدبية لتكون في النهاية مكتملة صحيحة، تبرز في طياتها الحياة التي يعيشها العرب والمسلمون -عبر المقارنة والتحليل بين هذا وذاك- السلبيات والإيجابيات.
يحتاج الاستنساخ إلى وضع برنامج وخطط علمية من خلال المؤسسات البحثية والأكاديمية كالجامعات بحيث يتبين في الإطار نفسه حجم الإسهام العلمي الذي قدمته كجهة معنية بالبحث العلمي عن موضوع ما، كما يدخل في ذات الإطار المراكز البحثية المتخصصة كأن تنشأ منصات علمية تدير عجلة البحث العلمي حول منطقة بعينها كجانب جغرافي أو فترة زمنية كجانب زمني لتتمم دراساته وأبحاثه في حقل من الحقول، وبهذا الشكل يمكن أن تزخر المكتبة العربية بمنهجية عالية في المستخرجات البحثية من أعمال علمية وأدبية على نطاق واسع في أقل وقت ممكن تستفيد منه أجيال قادمة.

ذو صلة
التعليقات