مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

جمال عبدالناصر في ميزان عدل (2-3)

 قال أبو عبدالرحمن: سيرى النور قريباً إن شاء الله تعالى كتيبي (جمال عبدالناصر في ميزان عدل) الذي التقى فيه وجداني ووجدان الصيّاد، ووجدان مئات المئات من المفكّرين المعايشين ما في محيطهم من المتغيّرات التاريخية؛ إلّا أنني حسب ما جبلني الله عليه مزجت مع ذلك معايشات جماليّة أغلبها غنائيّ عشتها مع الراديو والسينما، وعشتها في القاهرة حرسها الله ما بين (جاردن ستي).. إلى (العجوزة).. إلى (سليمان باشا).. إلى.. إلى.. إلخ.. وحسبي في هذه المداخلة الاستعجال بكليمة عن صفات جمال عبدالناصر في وجداننا جميعاً؛ وتلك الصفات: أنّه التقى برعيّته حاكماً شعبياً محبوباً؛ ولكنه محكوم من غيره في الداخل؛ وهم الذين يسميهم الطابور الخامس في خطبه؛ فرسم سياسةً لغاية غير معقولة، ولا متوقّعة على أرض الواقع؛ وهي مكونة من العناصر التالية:
1 – الإيمان بأنّ (وحدة الهدف قبل وحدة الصف) إلّا أنّ قبول هذا الشّعار الخيّر مرهون بأن يكون (الهدف) هو الوحدة التاريخية التي جعلت أهل الرقعة أمة مسلمة بلغة العرب التي هي لغة الشرع مع العدل والمرحمة وضمان الحقوق لأهل المواطنة، وأن تكون وحدة الهدف دعويّة قبل أن تكون ثورية، وأن يصاحبها ضمان الحق لكل مواطن منسلخ عن همومنا الإسلامية العربية، وأن يكون لهم خير ما يوهب ممّا لا منّة فيه؛ وذلك من كلّ ما هو عدل ومرحمة بشرط أن لا تخذل الوحدة الوطنية، وأن لا يتآمر عليها؛ وأن لا ينال الوحدة الوطنية ضغط عالميّ.. إلّا أنّ (وحدة الهدف أوّلاً) التي أعلنها عبدالناصر كانت خلاف الواقع التاريخي لتركتنا الموروثة؛ لأنّ هذا الشعار قائم على تغييب أشياء من هويّتنا على سبيل المداهنة للضّغوط الاستعماريّة؛ وكلّ تغييب من هويّتنا لا بدّ له من بديل غير هويتنا؛ فكان واقع الشعار في الممارسة خلاف ما هو معلن؛ إذ كانت واقعاً تعني (وحدة الصفّ قبل وحدة الهدف التاريخي)؛ فكان هذا غير ممكن على أرض الواقع، وخذل الملّيّون والنحليون والطائفيون والشعوبيون أمّتنا؛ فكان الانتماء الوطني أو القومي عند هؤلاء خرافةً؛ وما التحم في الصفّ إلا أهل الهدف التاريخي؛ إذن الأمر حقيقةً في سلوك عبدالناصر هو (وحدة الصف قبل وحدة الهدف)؛ وهذا غير ممكن، وما استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشرك؛ لاختلاف الهدف.. ولقد أشرف على أسرار جامعة الدول العربية من هو غير مؤتمن من ملّي ونحليّ وطائفي، وكان ذوو أصحاب (وحدة الهدف) بالشرط الإسلاميّ التاريخيّ السلفيّ: يسمعون من إذاعة إسرائيل بعض ما يجري في الجامعة العربية المخترقة، وكان ( (كان) هنا ليست ذات اسم وخبر؛ ولكنها تامّة بمعنى (وجد) غير المتعدّية كقولك: وجد محمّد زيداً مريضاً) الأولى أن يكون للجامعة حضورها الشكليّ العامّ، وأن يصطفى لاجتماعات سريّة، وعمل مشترك من يجمع صفّهم هدف واحد بتعاقد وتعاهد، وتجنيد سلاح وخبرات، وتقوية معدّات.
2 - أنّه ترتّب على (وحدة الصف قبل وحدة الهدف) تفرقة وسلوك أرعن؛ وهو سلوك عبدالناصر الذي قال: ندخل إسرائيل (دولة الاحتلال) من خلال عمّان والرياض!!.
3 - أنّ مبدأ عبدالناصر الفرار من التفوّه بالإسلام، وإجهاض أيّ جامعة إسلامية؛ كي لا يثير القوى الظالمة؛ وعنده أنّ هذا الفرار مرحلة يستطيع أن يتعدّاها؛ وبهذا أفرغ القومية العربية من مضمونها التاريخي، وشرطها الإسلامي.
4 - أنّ عبدالناصر أحسن الظنّ بالحليف الثاني القويّ من الماركسيّين؛ (وهو: خورتشوف)؛ فبعد زيارة (خورتشوف) لمصر جامله عبدالناصر بالاشتراكية والتأميم بعد أن واجه نقداً من (خروتشوف) الذي عرف عنه الجرأة والانطلاق في الحديث الساخر، وهذا الحليف؛ (أعني (خروتشوف) جزء من أرباب وحدة الصفّ قبل وحدة الهدف)؛ فخدعوا عبد الناصر، وطمأنوه بحسن العاقبة في كارثة عام 1967ميلاديّاً، وكذبوا عليه؛ وهم مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال (إسرائيل) كانوا صفّاً واحداً؛ وكانوا قبل ذلك طمأنوا عبدالناصر بإنذارات ماركسية عنترية لصالحه أيام العدوان الثلاثي، وكان شأنه وشأن أمّتنا مسيّساً مسبقاً من أولئك المتحالفين لا يفرّقهم التناوش الإعلاميّ فيما بينهم وهم في قبضة إسرائيل؛ فهم الحبل من الناس؛ وإسرائيل هي الحبل من الله كما في سورة الإسراء؛ ومن أصدق من الله حديثاً؟!!؛ وقد استوعبت تحقيق ذلك في كتابي (تفسير التفاسير) ضمن أعمالي الكاملة.. وأمّا الاصطناع الصهيونيّ للماركسية فقد انتهى بإعادة الأرثوذكسية.
5 - أنه يشارك عبدالناصر في همّه زعماء عرب، ولكن بعقيدة (وحدة الصف قبل وحدة الهدف) لا (وحدة الهدف) بالمفهوم الشرعيّ.. وكان تعجّلهم بالوحدة القسرية غير الفدرالية أو التعاونية، وتغييبهم الشرط الإسلامي: قد جعل حضورهم بالجسد لا بالقلب؛ وما كانوا متحمّسين لأمر لا يحقّق هدفاً على أرض الواقع.
6 – أنّ عبدالناصر بثّ الفرقة بالإعلام الشّرس، والمؤامرات، وعدم حصر نطاق الاختلاف في اجتماعات أخوية جزئية.
7 - أنّ عبدالناصر غيّب التجنيد الجادّ لمواجهة التكالب على محاربة المسلمين؛ وبالله، ثم بعدم ذلك التغييب: يكون الحراك السياسي من أجل تمكين المسلمين من الدفاع عن أنفسهم، وحفظهم هويّتهم من مكايد الأمم الأخرى بما فيهم الوثنيون الذين يمارسون وثنيتهم بلا ضغط مع أنّ رسالة أهل الكتاب محاربة الوثنية، ومحاربة التّنصّل من الدين؛ لأنّ قضاء الله الشرعيّ لكلّ دين منزّل من عنده: هو ممارستهم حرية دينهم؛ ثم العبرة بعد ذلك ببراهين الله في الآفاق والأنفس التي هي براهين شرع الله؛ (بحكم الله الشّرعيّ) لمصلحة خلق الله.. وأظهر عبدالناصر عذره بأنه خضع مرغماً لحرية الجماهير من شعبه المطالبين بإعادة هويّة أمّتهم؛ وهو على ثقة بأنّه لن يناله غبن بعد إعلان الحلفاء الحريات الأربع؛ ومنها حرّية الأديان التي أصبحت فيما بعد حبراً على ورق لا غير.
8 -أنّ إعلام عبدالناصر لم يقتصد في الدّعاية؛ وهو إعلام بلا قوة تحميه مع التفريط في الدعم ذي النّفع للأمة بتجمّع ثنائي أو ثلاثي أو رباعي.. إلخ حسب (وحدة الهدف)؛ وهذا الإعلام غير المقتصد ظنّ الناس يومها أنه صادر عن أكبر قوة عسكرية ضاربة في الشرق؛ وذلك بسبب العنترية في تهديد عبدالناصر إسرائيل، وتهديده (الحبيب أبو رقيبة)، وتهديده (شاه إيران)؛ فكسبت البلاد العربية في عمومها هيبة وتقديراً، ولم يعلموا أنهم فوق القشّة بكارثة حزيران 1967ميلاديّاً التي تنفست من خلالها أحقاد الشعوبيّين من أمثال (أدونيس) وزوجته (خالدة).
9 - عدم تعامل عبدالناصر مع العالم الإسلامي بتجمّع أخوي، وتبادل دعم ومنافع، مع إظهار فلسفة المرحلة المؤقّتة؛ ولو فعل لجعل التجمّع إسلامياً بحتاً؛ وإنما خدع من المدّعين الإسلام من العملاء من كلّ عدوّ للأمّة والإسلام منّهم بريء.
10 - أنّ عبدالناصر رحّب بالثورات في العالم العربي على الحكومات الشرعية مع التشجيع عليها؛ وكلّ قطر قامت فيه الثورة ظلّ إلى هذه اللحظة في غاية التدنّي أمناً وتنمية وصلاح قيادة؛ وتجلّت العمالة بأجلى معالمها، وكثرت أصناف التجزئة في عالمنا العربي.. والآن عاد بعض الثوريّين إلى اغتصاب الملكية في عقبهم، وكانوا قبل ذلك حرباً عليها؟!!.. والبوادر تدلّ على جعل الثوار ملوكاً يتوارثونها من غير مجد تاريخي سابق يكونون به رمزاً للأمة؛ فتنتمي إليهم الأمّة بجنسيّة رعويّة ذات مجد تاريخيّ إسلاميّ كانتساب سكّان المملكة العربية السعودية حضراً وباديةً وأقاليم إلى الرّعويّة السعودية؛ فيقال للمملكة بكلّ شرائحها: المملكة العربية السعودية.. والاستعمار يرى في التحييد، وبقاء منفعتهم التحليلية في رقعة العرب مسوّغاً للعودة إلى الملكية التي قام منطق الثورات على هجائها بأقبح عبارات الهجاء الرّقيعة، ولن يصلح حاضر الأمة إلا بما صلح عليه أولها؛ والله سبحانه وتعالى غالب على أمر عباده.
قال (أمين مهدي): ((في الستينات وبعد (لا معنى للواو) أن خرج الشيوعيون من المعتقلات والسجون، وبعد أن حلت الأحزاب الشيوعية نفسها ضمن تحالف مع عبدالناصر: كان المقابل هو تعيين غالبيتهم وخصوصاً (لا معنى للواو) ذوي الميول الاشتراكية القومية في وزارتي الثقافة والإعلام.. خلال ذلك أصبح المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية قبل 1952 ميلادياً بألوانهم كافة موضع اضطهاد وإبراز (الكلام متلعثم) نزلاء السجون؛ وعلى سبيل المثال تعرض طه حسين وعبدالرازق السنهوري للاعتداء البدني والإهانة، وضرب لويس عوض بالكرابيج.
 قال أبو عبدالرحمن: الكرباج سوط يتخذ من فرس البحر ورد في كتاب (تكملة المعاجم العربية) تأليف (رينهارت دوزي) بترجمة وتعليق جمال الخياط 9 / 54 متناً وتحشية: ( كرباج) (بكسر الكاف) في كتاب (محيط المحيط)، وكرباج؛ (بضم الكاف عند الآخرين)، وبالتركية قرباج.. غير أن هذه الكلمة موجودة في اللغة الهنغارية (المجرية) والروسية وغيرها، ويظهر أنها من أصل سلافي (وهم الصقالبة)، والجمع كرابيج عن كتاب (محيط المحيط)؛ وفي محيط المحيط أيضاً: الكرباج السوط من ذنب فيل ونحوه: فارسية؛ والجمع كرابيج.. ويقال أيضاً: قرباج نقلاً عن مقدمة الجزء التاسع من كتاب (ألف ليلة وليلة) لـ(هلو سميث) في (فليشر).. وكرباج قضيب حديد عن (عوادة ص 367)؛ ومثل هذه المصادر مبينة في كتاب (تكملة المعاجم)؛ ولاسيما مقدمات المجلد الأول.
 قال أبو عبدالرحمن: بعد هذه الجولة مع معاني كرباج: أعود إلى ما قاله (أمين مهدي) ابتداء من قوله: ((وعلى سبيل المثال تعرض طه حسين وعبدالرزاق السنهوري للاعتداء البدني والإهانة، وضرب لويس عوض بالكرباج، ووضع وجهه في دلو للبول؛ (قال أبو عبدالرحمن: هذا عمل جبان قبيح وإن كان لويس حرباً على هويتنا؛ لأن المسلم لا يقبل العقوبة خيانة، بل بحكم علني).. ثم قال أمين مهدي: (وهكذا تحول المثقف المستقل إلى ما يشبه الكريم على مأدبة اللئام.. بعد (الصواب بواو الاستئناف قبل (بعد).. أي: وبعد) سيطرة المركزية على الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية للمصريين: أصبحت المؤسسات الثقافية والإعلامية هي منطقة كشف التوازنات بين جمهورية تموز العسكرية، وحلفائها الأيديولوجيين الثلاثة؛ (وهم الأيديولوجية الدينية، والقومية، والاشتراكية القومية)؛ وهكذا امتلأت أشرعتهم بالرياح الرسمية للإبحار بالعقل المصري في اتجاه ما يشبه معسكرات التجميع بعيداً عن حقوق الفرد المواطن والحريات الاجتماعية والتعددية والديموقراطية والتقدم والسلام).
 قال أبو عبدالرحمن: أول ما يلزم تبيانه من أجل الأحكام المنصفة الصادقة حول جمال عبدالناصر: أنه على وعي بالتجزئة الوطنية التي وراءها ذحول ملية كما عند (أنطون سعادة)، وعلى وعي بالهذر البعثي الذي وضع كراسته مليون من الأوباش نافقوا في تمطيطها وتفسيرها، وتقلدها بعد التضليل الإعلامي طائفيون ودكتاتوريون عشاق سلطة؛ وجمال عبدالناصر على وعي بهذرها الخطابي الممل؛ وهو على وعي باتجاه العرب الماركسيين، وأن ولاءهم أممي ليس للأمة والوطن والتاريخ؛ ولهذا عاش بقلبه ودعمه لآل عارف عندما تمظهر الموصوف بالزعيم الأوحد (عبدالكريم قاسم) بالماركسية، وتعامل عبدالناصر مع الماركسيين في مصر من ثلاث جهات: أولاهن المجاملة للحليف وإن كان يلعب بذيله في الخفاء من أمثال (خالد محيي الدين)، و(علي صبري).. إلخ.. إلخ.. وثانيتهن دعمه القومية باشتراكية ليست ماركسية ولا أممية؛ ظناً بأنها منهج إصلاحي مع أن ذلك لم يرض محيي الدين.. وثالثتهن أنه لم يجعلهم عنصراً عسكرياً، بل جعل لهم ممارستهم الفكرية في الاندلاعة الثقافية، وجعل لهم مجال طلب المعيشة ولكن مع الأسف في وظائف قيادية؛ وحل عبدالناصر الحزب الشيوعي المدعى أنه هو الذي حل نفسه: أرحم من إبقائه الحزب الإخواني الذي يريد أن يتفرغ له.
قال أبو عبدالرحمن: رأيت في مطالعاتي أن (أمين المهدي) لا يمل من التعميم بلا توثيق عن المعادلة بين الوجود الماركسي ومواقف عبدالناصر؛ لأنني لا أعلم للماركسيين حضوراً معتداً به على الصعيد الثقافي الحر، ولا على الصعيد الرسمي في الثقافة والإعلام؛ وإنما كان الحضور للمهرجين في الإعلام؛ وأما الذين جمعوا ميولاً قومية اشتراكية: فإنهم ليسوا ماركسيين أمميين؛ ولكن تحمسهم لقوميتهم بشرطها الوطني أوهم أن استعارة شيء من المبادئ الاشتراكية صلاح لهم؛ إذ ضيعوا شرط وجودهم التاريخي المعتد به؛ بسبب ضعف وعيهم الديني، وضعف أمتهم، وقوة الإرهاب الإعلامي الممعن في التضليل.. ولا وجود لمن قال عنهم (أمين المهدي): (إنهم المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية التي كانت في عام 1952ميلادياً (وإنما سمق وعيي العلمي والفكري بأعوام طويلة عشتها بين مكتبات مصر وعلمائها كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى).. والواقع خلاف ما قاله أمين؛ وهو أن أولئك المثقفين وضعوا مواضع السخرية التي ابتلتهم بالاضطهاد والإبراز للتشنيع بهم، ولا علاقة لهم بأدنى تسلط من الماركسيين؛ وإنما سلط الفن أفلاماً ومسلسلات ضد الباشوات مبالغاً في السخرية بهم، واختلاق وصفهم بالغباء.. وقد أدرج عميد الأدب طه حسين، وإمام القانون والفقه الحنفي عبدالرزاق السنهوري ضمن مثقفي الليبرالية.
قال أبو عبدالرحمن: ذلك من أسخف المواضعات لوجوه كثيرة:
أولها: أن الليبرالية ذات ممارسة سياسية في عهد عبدالناصر رضيت بها الدهماء طواعية، ولا غضاضة أن ينالها عكسها من القيود في الكتاب السياسي المناهض.. وعلى صعيد الليبرالية الثقافية فهي على أشد ما كانت قبل الثورة، وعمارها جيل طه حسين وكبار تلاميذه؛ ولم يوجد بعد المهرجون الخارجون على مقومات الأمة بهجمات إنشائية هزيلة ولكنها مسعورة إلا بعد نكسة 1967ميلادياً بعقدين، وتعاقد معهم كل طائفي وشعوبي.
وثانيها: أنني لا أدري لماذا يتمظهر من يسمون أنفسهم نخباً بلوك عبارات خواجية مع أن بديلها المطابق موجود في لغتنا وهو أسهل مخرجاً، وأجمل نبرة؛ وليس في استعارتهم الكلمة الخواجية استدراك أو قيد أو إضافة على مأثورنا اللغوي.. والنخب حقيقةً يتورعون عن هذه الدونية، وإنما حقهم في المطابق التعريب، وحقهم في غير المطابق: الاقتراض برمته إن لم تطاوع المادة، مع مقاربة الوزن (الصيغة) العربية مثل الرومانسية والديمقراطية مع استيعاب كل مدلول للمقترض؛ وهكذا ما مر به النقل من لغة إلى لغة من تغير في المعنى، وما فرق النقل معانيه من الاشتقاق العالمي؛ ليكون لمدوني اللغة مدداً لمرحلة ثانية في إثراء معاجم المصطلحات في تراثنا؛ لتكون المرحلة مصاحبة مكملة المعاجم اللغوية العربية على آثار مثالية خلقية لدى العرب؛ فيؤمنون بأن من سبق إلى العلم بشيء اكتشافاً أو اختراعاً فهو أولى بتسميته، وأحق بأن يقترض منه؛ وما جاء التنطع إلا من بعض المعاصرين.. والعجب أن لغة العلم المادي أسهل وأدل وأجلى بياناً لدى العلماء الأفذاذ؛ وإنما جاء التنطع من هذر المتمعلمين في أمور ثقافية وفلسفية ونظرية تملك لغتنا أصولها؛ وبهذا أقول: (في فصحانا بديل عن الليبرالية).. ومن العجيب أن بعض مشايخنا بدؤوا في استعمال هذا المصطلح الخواجي وهم أشد مني إفلاساً في معرفة لغات الخواجيين!!.
وثالثها: أنني لا أعلم مثل عبدالناصر في تكريمه رموز الثقافة على اختلاف مشاربهم؛ وإنما يؤخذ عليه مداهنته الدول العظمى مما عساه يكون مرحلة أولية في حسبانه؛ وذلك هو ضغوطه على حملة الشريعة الداعين إلى الله من غير ذوي التنظيم الحركي، ولم ينل طه حسين ولا العقاد أدنى إهانة من عبدالناصر، بل كانوا محل فخره واعتزازه بما أنجبته أرض مصر؛ وأما الإمام الباشا عبدالرزاق السنهوري فكان ساعده الأيمن في إنقاذ مسألة الدستور وفق نواياه؛ (والنوايا صحيحة جمع نوية كطوية، والنيات هي الأكثر استعمالاً) المرحلية وهو بين ضغطي العلمانيين والحركيين.. والقانون الوضعي وإن كان قبل عبدالناصر أول ما يجب أن يناله عمل عبدالناصر الثوري بعد أمد من الدعوة الصادقة إلى الله؛ لأن خالق البشر ومنزل الشرائع جعل للإسلام آخر الأديان الحاكمية ابتداء من أرضه؛ وهو مسؤولية أمتنا بعد ارتداد تاريخها.. وأهم مصائب الأمة الفقر والبطالة والجريمة بارتفاع الوازع بلا رقابة من أحد؛ وكل هذه المصائب إنتاج غث قاتل الدساتير والقوانين الوضعية؛ ومع هذا الضرر الخانق كان دستور مصر وقانونها أفضل الأوبئة في الأقطار العربية من جهة الأحوال الشخصية.. وأعرف قانوناً في بعض البلاد العربية؛ (وهي تونس في عهد ما قبل الحريق العربي) بلغ الذروة في الإرهاب ومصادرة الحريات أمام من يريد عبادة ربه لا غير؛ فالسنهوري عمل أقصى ما يقدر عليه بجعله الشرع من مصادر الدستور، وجعل حواشي موسوعته الرائعة (الوسيط) مفاتيح خير من ظواهر الرجحان في المذهب الحنفي.. والشعب المصري شعب متدين، عامرة مساجدهم في الأرياف في حين أن المساجد في كبريات المدن والعواصم قليل روادها، كما أن جمهورهم يرجعون إلى علماء الشريعة، ويتحاشون ما يقدرون على تحاشيه مما يسمى (سيادة القانون)؛ فالتحاكم كان إلى علمائهم.

ذو صلة
التعليقات