مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

أكد أن الحداثة لا تلغي تراثنا بل تحميه من النسخ المزيفة.. الناقد محمد جودات: الإبيستيمولوجيا آلة تعصم الفكر من الزلل

يبسط الناقد الدكتور محمد جودات الأستاذ بجامعة محمد الخامس في كتابه الصادر أخيراً بعنوان (ذاكرة النص) رؤاه حيال النص الشعري الحديث من منطلق إبيستيمولوجي يعتبر التناص قراءة مركزية للنص.. ويتطرق في هذا الحوار إلى الظواهر التي طبعت الشعرية الحديثة في إطار نظري واحد وزاوية مركزية تحاول تقديم تفسير للنصية وتحولاتها وامتداداتها.. مؤكداً في هذا الحوار أيضاً على أن الإبيستيمولوجيا ضرورة معرفية لا فضلة نحوية.. معتبراً أن تأويل الظاهرة الشعرية من منطلقات غير شعرية قد يكون ممكناً أحياناً وذلك بسبب منطق الإسقاط والفكر المسبق وغيرهما.. فإلى تفاصيل الحوار:

من العنوان الذي ذيلت به كتابك وهو: ذاكرة النص في الشعرية العربية الحديثة يبدو الموضوع مثيراً للذائقة الثقافية العربية التي ظلت إلى حقبة قريبة تؤمن بالشفهي والمروي، حدثنا عن مؤلفك هذا الذي صدر أواخر هذا العام؟
  ذاكرة النص هو بحث في أركيولوجيا بناء النص الشعري الحديث، بحث في مكوناته، وتداخلاته السرية والعلنية، من منطلق إبيسيمولوجي يعتبر التناص قراءة مركزية للنص. وهي قراءة داخلية للنص ترصد جغرافياته المضيئة والمعتمة في آن، بهدف رصد ووصف مكوناته بعيداً عن كل إسقاط يضفي على النصية دلالات تعسفية تموقعه ضمن مفهوم نقدي قائم. إنها بكل بساطة وصف قد ينطبق عليه مفهوم الدرجة الصفر لرولان بارت في بعد من أبعاده، لأن الدراسات النقدية على اتساعها وكثرتها ومقارباتها العديدة للنص قد تصير أحياناً عائقاً للقراءة.
من خلال (ذاكرة النص في الشعرية العربية الحديثة)، ما الذي بحثته فيما له علاقته باللغة في مؤلفك؟
 كتابي دراسة في محاولة فهم كل الظواهر التي طبعت الشعرية الحديثة في إطار نظري واحد وزاوية مركزية تحاول تقديم تفسير للنصية وتحولاتها وامتداداتها، انطلاقاً من النص ذاته، باعتباره علاقة تناصية مفتوحة مع العالم: كتابية وشفوية وأسطورية ودينية وخرافية وإبداعية، عربية وغربية، قديمة وحديثة.
إن حرية الشاعر الحديث في تبني هذا الحوار المفتوح مع العالم ومع الذات والآخر والتاريخ والأسطورة والدين...إلخ، هو المشروعية الإبيستيمولوجية لاعتبار ذاكرة النص معبراً تناصياً جوهرياً للتعامل مع النص الإبداعي الشعري العربي.
بهذا التناول النصي سنكتشف أن المقاربات النقدية العربية على تنوعها وتآلفها واختلافها رصدت زوايا نظر متعددة كل حسب منطلقاته لمقاربة ظاهرة يجمعها مفهوم ذاكرة النص في تصور تنظيري تكاملي وشبه بنيوي.
هل من توضيح لتلك العلاقة التأثرية بينك وبين الفلسفة والبلاغة التي تعمل على تدريسها حالياً؟
صاحبت الفلسفة الحديثة منذ أول درس تلقيته بالجامعة مع أستاذي محمد هشام الذي أعتبره ذاكرتي النصية الفلسفية، وأسرني الدرس الفلسفي في صحبته داخل وخارج الجامعة حتى بعد حصولي على الدكتوراه: فلازمت فيه باشلار وفوكو ودريدا وقبلهم نيتشه. الفلسفة وخصوصاً الفلسفة المعاصرة والإبيستيمولوجيا تخصيصاً ضرورة نقدية كما كنت أؤكد دائماً وكما أوضحت مع أحبتي في محاضرة ألقيتها سابقاً في أسرة الأدباء بالبحرين. إن الأركيولوجيا التي أشرت إليها مجازاً جواباً عن سؤالكم تمكنك من التعامل مع النصي عملياً، وهي لا تعني الفعل الفلسفي الذي يشير إليه ميشيل فوكو بقدر ما يحيل إلى المعنى البسيط للحفريات كدلالة تقنية، مع رفض هذه الترجمة كما كان يقول أستاذي وصديقي محمد هشام. وقد عرفت بعد حين أن الدراسة والمصاحبة مفارقتان: وأظن أني أحسنت حين عكست على حد تعبير تلميذ الإمام مالك.
إلى ماذا قادك ذلك الشغف الذي تكنه للفلسفة؟
قادني شغفي الفلسفي إلى تدريس الإبيستيمولوجيا لطلبة السلك الثالث بجامعة الحسن الثاني ولغيرهم حين كنت أستاذاً من الدرجة الثانية، لأن الأستاذية في العالم العربي ليست في الكفاءة إذا لم تصحبها صفة تقنية، لكن المتعة التي تخللت هذه النقدية التي دفعني إليها تخصص الشعر منذ 1989 مع الشاعر محمد الشيخي هي قراءة النقدية العربية من بُعد إبيسيمولوجي، ولكني أعتبر أن هذا الهم الإبداعي الجميل لن يفارقني، وكلما عشته ازددت غواية، لذلك أعتز وأحس سعادة لا توصف وأنا أدرس الشعر الحديث لأحبتي وأبنائي بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأحس كل محاضرة مغامرة لكشف الجديد والجميل دائماً في هذا الشعر.
ما الذي دفعك إلى الاعتقاد بأن الإبيستيمولوجيا ضرورة معرفية وليست فضلة؟
حين أعلنت صراحة الاحتماء بالإبيستيمولوجيا منهجياً فذلك لأنني أعدها ضرورة معرفية لا فضلة نحوية. لأنها حسب تعبير القدماء: آلة تعصم الفكر من الزلل. وهي في مثل هذه الدراسة النقدية ضرورة معرفية تمكن الناقد من الإنصات للنص، حتى لا يكون ضحية التصورات النقدية القائمة والأفكار المسبقة. ومعرفة الإبيستيمولوجيا وخصوصاً الباشلارية تجعل عملك محاطاً ومسيجاً بمفهوم العوائق الإبيستيمولوجية باعتبارها آلية ضرورية تجعل من النص مختبراً دلالياً لا نصدر الأحكام عنه قبل الخبرة والتمحيص، وهي آلية أيضاً تخرج الناقد من التأثر والإعجاب المخل بكشف خبايا النص، كما تبعده عن العصبية والتبعية التي تغفل الإنصات للنص في نقائه.
ورد في مقدمتك رأي للناقد الشاعر الدكتور محمد بنيس يقول: (إن مصطلح الحداثة هو ذو دلالات متعارضة إلى درجة التناقض وللحداثة الشعرية مفاهيم تؤالف بين تعارضاتها). ما تصوراتك التي تناولتها حول تلك النظرة لبنيس؟
كان محمد بنيس محقاً في وصف هذا التناقض، ولعل المنطلقات المعرفية والنقدية هي السبب المباشر لهذه الوضعية التي تقارب المتن الشعري العربي الحديث. ولغياب الرؤية الإبيستيمولوجية أيضاً دوره في هذا التناقض والتشعب، بحث يتم البحث لتعريف الحداثة من أصولها العربية أو الغربية وعن علاقتها بالتراث أو عدمه، وعن موقفها المضاد من التراث أو عدمه. وهي بحوث قد تكون لها مشروعيتها أحياناً، لكنها تُبعد عن البحث في النصية ذاتها، وفي مكوناتها وطرق اشتغالها، وفي علاقاتها العملية مع مكوناتها موضوعياً، من هنا حدثت مشروعية التعامل التناصي مع النص، وتقنياً إن جاز هذا التعبير، مشروعية رصد المساحات الإبداعية التي يقدمها النص كشفاً لعلاقاته التي يتم الانطلاق لمعرفتها من النص ذاته، وليس من خارج النص الذي يُسقط عليه تعسفاً، ويكون النص هو مُحَددُ خارجه في المحمولات النصية التي يتعامل معها عبر الأدوات التناصية التي يُشغلها المبدع. وحتى أكون عملياً أوضح أن العلاقة مع قصة كليب في نص أمل دنقل هي ذاكرة نصية فعلها الشاعر ويعتبرها هذا التصور خارجاً نصياً محولاً تناصياً داخل النص، وللناقد أن يفكك آليات استثمار النص لشبكة نصية واسعة من التناصات ضمن خارج نصي عملي قد يضم المقدس والشفوي والخرافي والحكائي والديني، ولكنه لا يجرؤ على تحديد متن خارج نصي غير ظاهر تناصياً، وتأويل التعالق النصي معه فيكون المنهج التحليلي تناصياً وإبيستيمولوجياً في آن: تحده المعرفة العلمية ولا تجعله التناصية نقدية إسقاطية أو أيديولوجية.
ذكرت بأن منطق الإسقاط والفكر المسبق للمعرفة يضعان الناقد أمام نتائج مسبقة أحياناً يؤدي إلى تراجع مستوى وقيمة ووعي الدراسة والنقد الأدبي ثقافيا؟ كيف فسرت الأمر على ذلك النحو؟
يمكن تأويل الظاهرة الشعرية من منطلقات غير شعرية أحياناً وذلك بسبب منطق الإسقاط والفكر المسبق وغيرهما، فذلك الأمر هو ما يجعل التأثر بالآخر أحياناً مركزاً للقراءة، أو تدميراً للتراث. قناعة نقدية قبل الإنصات للنص، أو تجاوزاً للعروض دون معرفة دقيقة بالتراث الإيقاعي، وطبيعي مع هذه المنطلقات المتحررة من رؤية إبيستيمولوجية إنتاج تعريفات متناقضة، وقد تكون الزوايا التحليلية في كثير من التحليلات مُقصية لزوايا النظر المحتملة. لذلك نحن بحاجة لتصور تنظيري متكامل ينظر إلى الحداثة تكاملياً لإنتاج تصور نظري يحيط بكل جوانب الظاهرة الشعرية الحداثية دون تجزيء.
على الضد مما يراه غيرك، تعطي لقضية الوزن في الشعر العربي الحديث أهمية كبيرة. فما أهمية الوزن في التقدم الشعري الحاصل من وجهة نظرك؟
 الآراء حول الوزن مجال الإسقاط بامتياز في النقد العربي المعاصر وهي آراء متعددة ومتناقضة بسبب المنطلقات المعرفية التي تحرمنا من حق الإنصات للنص والتعامل معه مباشرة. وحتى لا أدخل في أنواع التصورات عن العروض من اتجاهات تظن أن الشعر الحديث تجاوز العروض إلى تصورات أسقطت النبر على الشعر العربي وقد أشرت إليها في الدراسة، أقول إن العروض مادة تراثية قبل أن يكون مسألة موسيقية، وقد حضر في الذاكرة الشعرية بكل قوة، وقد مكنتني تجربة البيات النصي مبدعاً وناقداً ومدرساً ومتذوقاً لهذا الشعر أن ألمس الحضور القوي للعروض فيه رغم كل التحولات الطبيعية التي تطرأ على أي نص يدخل في علاقة تناصية. ولعل الجديد في هذا العمل هو النظر للعروض تناصياً. والنماذج النصية التي برز فيها كبار الشعراء من أمثال أدونيس ومحمود درويش وأمل دنقل كلها دالة على الحضور القوي للعروض إذا كان الدارس فاهماً للعروض أساساً. أما قصيدة النثر فهي تناص مع النثر ومع أشكال وأجناس أخرى، وللشاعر حق العبور إلى الأجناس والتناص معها، وهي ذاكرته المفتوحة على الأشكال التراثية والمعاصرة بكل تشكلاتها.
في تحليلك العلاقة التشكلية للخط العربي قلت: إن له دلالة الانخراط في لعبة الرضوخ والاستمرارية التي تتغياها التقليدية، ومثلت لذلك بالخط المغربي معالجاً دلالتي الاتصال والانفصال، هلا أو ضحت لنا هذه الإشكالية الدلالية؟
 الخط المغربي الذي أشرت إليه مشكورة يدخل ضمن هذا السياق الذي يخول للشاعر استحضار التراث ليس بمعناه الجامد الذي يجعل الميت حياً كما يقول ابن خلدون، ولكن بمعنى حياة الحديث والمعاصر وحقه في تحويل النص وجعله نمطاً شكلياً متصالحاً مع تراثه وذاته، بالاختيار الواعي الذي يشكل نصه على النحو يؤسس حداثته.
ذكرت بأن التناص هو ذاكرة النص وهذا الرأي يقف على الضد من التصورات المطروحة والمتداولة ثقافياً وأدبياً. فما هي أبرز المغالطات التي طرأت على ذلك المفهوم وحوله من وجهة نظرك؟
هذا الرأي مختلف عن منطق بعض الكتابات المعاصرة والتقليدية، ولا أقول الحديثة أو القديمة التي تدخل لعبة الشكل باعتباطية بعيدة عن الفهم الحقيقي لخطورة الشكل، فالشكل طقس وانتماء واختيار واع، والشاعر الحديث لم يؤسس حداثته إلا بعد الانخراط في شكل جديد يتجاوز العمودية. لذلك فإن التناص مع الأشكال النثرية في قصيدة النثر لم يأت من فراغ أو جهل عروضي، ورواد هذه القصيدة كتبوا الموزون واختاروا فسحة إيقاع أكبر من الوزن في حمل الصور، لذلك فتدمير العروض مغالطة تنفيها النصوص الإيقاعية الكبيرة للشعراء الكبار، ويمكن لو كان المجال محاضرة في الشعر أن أقطع لك مطولات شعرية لمحمود درويش وأدونيس دون زحافات أو علل على شاكلة النص الأب والذاكرة التي لا تموت: ذاكرة أجدادنا الجاهليين. ولبيروت (محمود درويش) أن تكون الشاهد الشعري إذ قال: بيروت شا/ هدة على/ قلبي وأر/ حل عن شوا/ رعها وعن/ ني عالقا/ بقصيدة/ لا تنتهي/ وأقول نا/ ري لا تمو/ ت على البنا/ يات الحما/ م على بقا/ ياها السلامْ. ويقول الشاعر الجاهلي: يادار عب/ لة بالجوا/ ء تكلمي/ وعمي صبا/ حا دار عب/ لة واسلمي، ولن أخوض في التفاصيل التي جعلت بعض النقاد يقعون في الأخطاء العروضية معتبرين أنها تجاوز للعروض إسقاطاً لبعض التصورات الغربية أو دخولاً في تخصصات عروضية لا يتقنها إلا ذوو الخبرة في الثقافة العربية القديمة. ولذلك فإن دارس الشعر الحديث مطالب بتذوق القديم والحديث لتحديد ذاكرة النص، كما أنه مطالب أن لا يدخل مساحات النص الحديث إلا برأسمال مفتوح على النصوص، لمصاحبة امتداداتها وظلالها.
الملاحظ على تجربتكم اشتغالكم بمجالات متباعدة فما أهمية هذا التنوع الثقافي والمعرفي مستوى تعليم طلبة الجامعيين حسب تجربتكم؟
أجد في هذا التنوع متعة وارتياحاً، بالنسبة لي فتح المنافذ العديدة للاطلاع على معارف وتخصصات متباينة أو متكاملة استراحة حتى من منظور البرمجة اللغوية العصبية، وأجد أن منطق الذاكرة المفتوحة تفسير منطقي إلى أبعد الحدود، فاشتغالي على الشعر بدأ منذ كتاباتي الشعرية الأولى، وحفظي لعدد من النصوص سماعاً منذ الطفولة. وانتمائي لعائلة علمية عبر قرون كانت العناية بالقرآن رسماً وتدريساً مهنتها إن صح هذا التعبير جعل الذاكرة التي أحملها رغم كل الجولات العلمية في الفلسفة والأدب حاضرة بقوة، لذلك كانت متعتي أكثر مما توصف في تدريس درس الإعجاز والتواصل الإسلامي لطلبتي بجامعة الحسن الثاني المحمدية، ووجدت أن درس النقد والشعر والعروض الذي أتشرف بتدريسه بجامعة كبيرة أكن لها التقدير مهم لفهم قضايا الإعجاز من منظورات جوهرية. والحقيقة أننا في العالم العربي وفي الراهن الذي يواجه هويتنا بحاجة إلى دراسات تكاملية لا تبقى حبيسة التكرار والإعادة، حتى لا تنتج نسخاً واستنساخات كانت القدامة أرحم منها في تلفنا. إن الحداثة لا تلغي تراثنا بل تحميه من النسخ المزيفة، وتمنح فرص التفكير بواقعية متصالحة مع ذواتنا، والهوية العظيمة التي ورثناها لا يقتلها إلا التقليد والجهل. إن شبابنا بحاجة لأدوات عقلانية لفهم تراثه حتى لا تسيطر عليه خرافات الدواعش وأساطير الغرب الجميل في واجهاته، بهذا المعنى تكون المؤسسة العلمية بانية للعقل و(تربيته) كما يقول غاستون باشلار. وهو التقاء علمي مع رؤية مالك رضي الله عنه حين أكد أن كثيرين يستسقى بهم ولا يؤخذ عنهم العلم.

ذو صلة
التعليقات