مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

حلم منسي

أخرجها من شرودها صوت انهمار المطر المختلط مع تلك المتزحلقة عبر الميزاب، وهي تتصايح وتتعارك أيها يخرج أولاً ليصافح عشب البستان بعد طول غياب، يتداخل ضجيجها مع زقزقة العصافير المتململة في أعشاشها تنتظر بفارغ الصبر انتهاء المطر لتكمل رحلة البحث عن القوت، وصرير ضرب مطرقة بسطح صلب، يأتي رتيباً متكرراً وشاذاً يفسد تناغم سيمفونية المطر الجميلة..
 (هل هذا وقته؟!) فكرت بضجر لتُكمل مندهشة: (ترى منذ متى وهي تمطر!!)
وقبل أن تسرقها لوحة المطر البديعة مجدداً والتي فوتت بدايتها، تبعثرت من بين شفتيها (آه) متحسرة، فتواً تذكرت أنها خرجت من شرود جميل، كان حلماً عابراً، لا تزال حلاوة طعمه عالقة في تفاصيل روحها، أغمضت عينيها لتعيد فصل روحها عن العالم الخارجي وتعود لتكمل شرودها لكنها لا تدري من أين تبدأ فقد نسيت أين توقفت بل بماذا كانت تحلم!!
فتحت عينيها متحسرة لتنعكس على مقلتيها حبات المطر المنهمرة بجنون وابتسامة خيبة تترنح على شفتيها: (نسيتُ تماماً) تمتمت متحسرة.
كان طيفاً عابراً مر بانسيابية خلال خلايا جسدها، كان مروراً سريعاً لكنه كفيل بقلب تفاصيل كياناتها المستترة. فقط لو أنها تستطيع تذكر تلك الإغفاءة التي غيبت روحها لعالم اللاوعي والإدراك، ارتشفت خلالها شراباً أسكرها حد الثمالة، لدرجة أنها حين عادت لوعيها نسيت التفاصيل كاملة وبقي فقط أثر جميل يداعب روحها العالقة في سماء الحلم كحبة مطر تأبى أن تنزل إلى الأرض أو تبقى في رحم السحب.
حكَّت أرنبة أنفها بقلمها المخنوق بين أناملها، وبعناد أغمضت عينيها مجدداً محاولة العودة إلى الغرفة الزاهية جدرانها، المخفية بإتقان في دهاليز عقلها الباطن، آه لو يفتح هذا العقل العنيد أبوابه مجدداً أمام سرحانها في أي شيء، ليأخذها لما كان كل شيء قبل لحظات قليلة، ليصهر روحها في تفاصيل حلمها الجميل المنسي، فلعلها تختزل هذه المرة التفاصيل فلا تتوه عنه بمجرد خروجها لجسدها الجالس منذ ساعات في شرفة منزلها في انتظار ما يجود به الإلهام لسطره على الورق الذي تجمد من البرد، وما أن جاء أخيراً حتى تبخر كسراب.
(الطَرق المستفز لا يتوقف!!) تنهدت وهي ترنو إلى السماء التي أوشكت أن تعصر آخر القطرات في معطفها الموشى بخرز تماهى مع لونه الرمادي الذي أخذ يبهت بين الفينة والأخرى، معلناً قُرب انتهاء مهرجان المطر، غافلت عقلها في لحظة تأمله وتسللت خفيه لدهاليزه الخفية، طرقت أبوابه باباً باباً وتسكعت بين تلافيفه الملتوية وأزقته الجانبية لعله يفصح عن تفاصيل الشرود الذي ترك شفتيها منفرجة عن ابتسامة رضا عذبة، تتوق لعيش تلك اللحظات الجميلة المنسية مجدداً، لتسطرها عطراً ندياً على الورق، لكن من يعاند عقله!! وكيف لها أن تغافله ومطرقة الجيران تدق وتدق دون توقف.
لعنت في سرها الطارق والمطروق، وعقلها العنيد، والحلم الجميل الذي لم يكتمل ولم يمتثل أمام ذاكرتها الهزيلة، وعندما تعبت من البحث دون جدوى، خرجت متلكئة من دهاليز عقلها، ولم تنس أن توصد الأبواب جيداً حتى لا يتسرب شيء في غفلة منها.
زفرت الضيق المتجمّع في رئتيها، وبعد استنفاذ كل أسلحتها، لملمت أوراقها، حدجت جهة الإزعاج بغضب، وغادرت الشرفة مستسلمة.
لم تنس أن تترك فتات الخبز للعصافير التي بدأت تطير هنا وهناك يحركها الجوع والضجر، ولسوء حظها نسيت ورقة كانت قد دونت فيها بعض العبارات أثناء شرودها، وقبل أن تنتبه لها حملها النسيم بعيداً، حلقت بعيداً لتكمل الحلم بعيداً حيث لا مطرقة ولا جيران مزعجين.

ذو صلة
التعليقات