مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

هناك

أنا هنا وهم هُناك، ذاك النفس المخبأ داخلي، والنبض الواقع أيسر صدري، والكون الواسع في عمق أعماقي. هُناك في الفراغ يركضون، يسبحون، يحلقون، وينعمون بحياة بيضاء فاقدة للتفاصيل وخالية من الملامح مثلي تماماً. فهم قد انتقلوا إلى هُناك منذ ساعات، أيام، أشهر، أعوام، قرون بعيدة بعيدة.
أوه صحيح، لم أعرفكم بنفسي بعد، حسناً! في الحقيقة أعتقد أن اسمي سوسن، هذا إن لم يكن فاتن أو جمانة أو حتى رفيف، وما الأسماء إلا كلمة معرفة متكررة، تطلق على العديد من البشر دفعة واحدة، متناسين اختلاف كينونة كل واحد منهم، فلقد مضى زمن طويل على آخر لقاء بيني وبين كياني، زمن أنساني معه اسمي، حياتي، ذكرياتي، كياني المنتقل هُناك، زمن حولني لامرأة مشوشة بلا ملامح واضحة، تستيقظ صباحاً، ترتدي نفس الفستان الرمادي الذي ارتدته في آخر لقاء، تعد فطوراً بائساً وتلبس قناعاً باسماً طيلة النهار المطابق لما قبله، وفي عودتها ليلاً تعاود ما قامت به طيلة ستين عام، منذ آخر لقاء، تعيد فيلم هايدي الوحيد في خزانتها، تأكل قطعة من البسكويت المخزن داخل العلبة الموضوعة في وسط صالونها، تنزع قناعها لذاك اليوم، وتحاول بصعوبة البحث عن ملامحها أمام المرآة، مطفئة العينين، مشوشة الوجه، متلاشية الملامح، فارغة الكيان، في حياة بيضاء مزيفة تعيش. تشيح بوجهها وتهرب من واقعها الاعتيادي إلى سريرها، المتلقف الوحيد لي بعد ما حل بي في آخر لقاء بيننا، يوم ارتديت فستاناً رمادياً باهتاً، وحررت شعري المجعد الواصل أسفل ظهري من رباطه، يوم بقيت أنتظرهم تحت ضوء القمر، بعد أن اتخذتني الحياة هدفاً مغرياً لتدميره، بعد أن أحرق المجتمع اختراعاتي وبحوثي العلمية، رواياتي وقصصي البوليسية، أحاديثي وخطبي الفلسفية وروح الطموح داخلي، بعد أن أصبح أقرب الناس، ينظر لي ككائن مقزز، يستهجن تصرفاتي ومعتقداتي الغريبة المجنونة بالإبداع والخيال، أولهم أمي وثانيهم أبي وآخرهم إخوتي، هذا إن صح لي أن أطلق عليهم ذلك، بعد أن تحولت أحلامي إلى سراب وأهدافي إلى كومة أوراق ملقاة في سلة المهملات، بعد أن خان الأصدقاء، ونقضت العهود، وسرق القدر العديد. استسلمت استسلمت، هذا ما فعلته في ذاك اللقاء، استسلمت لرغبة العالم في تحولي إلى شبح مثل من على أرضه يعيش في فراغ لأجل لا شيء، يولد ليدرس ويعمل ويتزوج كما تقتضي سنة الحياة حسب رأيهم، من غير أن يحلم ويسعى ويصر على ما يبتغيه، من غير أن يحمل داخله كياناً نابضاً وكوناً واسعاً، يجعله يعيش حياة حقيقة مليئة بالتفاصيل والتناقض الذي يجعل من الحياة حياة. نعم هذا كل ما في الأمر، صرخت يومها لأول مرة بعد أن ظنوا يوم ولادتي أني بلا روح، صرخت فيّ، في كياني وما يحمله معه، للسماء والأرض والحياة وكل من فيها، أجهشت بالبكاء، ورجوت الموت أن يتمنن علي بأخذي معه، فأنا لم أعد أحتمل أكثر من ذلك، كدت ألقي بنفسي إليه، ولكنهم منعوني، أمسكوا بي وقيدوني إليهم، لم أكن أرغب بهم (بيّ)، ولا بجسدي، لم أكن أرغب في البقاء على قيد الحياة، أغمضت عيني، احتضنتهم بقوة، بكيت على صدورهم، ولفظتهم من داخلي، تجردت منّي، وأدرت ظهري وأنا أرفع راية استسلامي عالياً، بكيت يومها كثيراً، بكيت الكون الواسع والكيان النابض الحي الذي كان في عمق أعماقي، الحياة الظالمة والمجتمع القاسي، ونظرات من حولي المشمئزة، بكيت ضعف حيلتي وحالي، لأني كنت غير طبيعية حسب أقوال الأطباء، وقوة إيماني بعجزي عن مواجهة الطريق الذي اختاروه لي، والألقاب التي أطلقوها علي: من معاقة إلى مختلة مجنونة، حتى وعلى الرغم من الكيان المتوهج الذي كنت أحمله داخل أعماقي قبل أن يلقى بي في سجن مصحة العقول!

ذو صلة
التعليقات