مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

قاص وروائي مغربي مفتتن بالجمال.. إدريس الصغير: أريد أن أصبح ساحراً!

وجدتني مأخوذاً بعوالم هذا الكاتب الكبير، فور إهدائه لي روايته (إشاعات في مهب الريح)، سحرتني بساطته العميقة، وأداؤه الواضح المتقن، وتذكرت فوراً عبارة (تولستوي) حين قرأ إحدى روايات (بوشكين) وهو يصرخ: (ما أجود هذا، وما أبسطه، هكذا ينبغي للمرء أن يبدأ، إن بوشكين هو أستاذي).! وجدته يكتب في لحظة غرام بالكتابة، أصابعه الودودة بريئة من هذا النزيف، والمتهم-البريء هو جسده كله، عبر أوركسترا روحية جارحة، يقرأ من خلالها إدريس الصغير بمتعة وتلذذ وألم أيضاً، وكأنه (يترك قطعة من لحمه في المحبرة) حسب تعبير دوستوفسكي!
إدريس الصغير مبدع خاشع في محراب لغة لها ظلال حروف ساحر، لا تخطئ خيالها المنتج والمبتكر، ولهذا يرى القصة (فسيفساء) نادرة الجمال، وتحتاج أبداً إلى مبدع وفنان ماهر، أصابعه من كرستال اللحظة، وصبره صبر شجرة تجيد هندسة ثمارها وأوراقها، وتأدية تحية الصباح لعصافيرها الملونة!
القصة القصيرة لا تمهد الطريق إلى الرواية
 عرفت كاتب قصة قصيرة متميزاً أولاً.. أليس كذلك؟ قل لي هل تمهد القصة القصيرة الطريق وتضيؤه إلى الرواية فعلاً؟ يقولون إن القصة القصيرة هي الأصعب.. ماذا تقول؟ ما وجه الصعوبة؟ وما الفارق بين هذين الفنين الجميلين؟
 - بدأت النشر سنة 1966 كاتب قصة قصيرة، كنت يافعاً لا يتعدى عمري ثماني عشرة سنة. أغرمت بهذا الفن الجميل الذي عكفت على مطالعته منذ بدأت أفك الحرف -كما يقال، كنت حين أشتري المجلة أبادر إلى قراءة (قصة العدد) قبل أن أتفرغ إلى بقية مواد العدد. تعرفت على أمهر كتاب القصة القصيرة شرقاً وغرباً، وسعدت بقراءة التحف التي ازدان بها تاريخ الإبداع العالمي، واكب ذلك التعرف على هذا الجنس الأدبي من الناحية النظرية والأكاديمية، بسبب دروس المقرر في مرحلتي الدراسة الثانوية والدراسة الجامعية في مادتي دراسة المؤلفات، والفنون الأدبية. ثم المشاركة في الندوات التي كانت تنظمها الجمعيات الثقافية على طول خارطة الوطن، كذا النقاشات الحامية التي عاشها المغرب خلال سنوات الرصاص. بعد هزيمة 67 تخلق في المغرب جيل من القصاصين، سمي بجيل السبعينات -والتسمية لا علاقة لها بالتحقيب الزمني، فليس كل من كتب في هذا التاريخ سبعيني بالضرورة؛ لتظهر قصصي رفقة جيلي امتداداً لكتاب الستينات، مع تشكيل منعرج في تطوير الشكل الفني الذي رأينا أن ينأى عن القصة التقليدية، التي كانت في نظرنا متفرجة على الحدث بينما سعت كتاباتنا إلى أن تكون مشاركة في الحدث تصطلي بناره، داخل أتون الحياة اللاهبة، وتجعل من القارئ مساهماً في إنتاج النص، بدل أن يكتفي بدور المتلقي.
غير أن القصة القصيرة -في نظري- لا تمهد الطريق ولا تضيؤه إلى الرواية؛ ذلك أننا أمام جنسين أدبيين مختلفين كل الاختلاف، رغم أن يافطة السرد تجمعهما، وتيمة الحكي توحي بانتمائهما معاً إلى نفس التقنية، في الشكل الفني.
القصة القصيرة، تقتنص اللحظة من شريط الحياة الطويل المستطيل اللانهائي، بينما تسعى الرواية إلى أن تكون حياة متكاملة، قد لا تمل من سرد تفاصيل التفاصيل. القصة القصيرة فسيفساء، تجنح إلى التركيز، ووضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب، دون حشو أو استطراد أو إطناب إنها بناء محكم، كل زيادة فيه، وكل نقصان يسيء إلى جمالية النص، وقد يهوي ببنائه، في فشل ذريع للعملية الإبداعية. ومن ثم، فإن كان كل إبداع صعباً، فإن القصة القصيرة هي الأصعب على الإطلاق. كاتبها مطالب في حيز صغير أن يمتع القارئ/المتلقي، بأعلى درجات الفنية. لذلك فاللغة تصبح بين يدي المهرة من الكتاب جواهر، ينسجون منها قلائد تزين أعناق الفاتنات لتزيدهن فتنة.
والشائع عند النقاد والدارسين، في الفترة التي أتحدث عنها، أن القصة القصيرة فن الأزمات بامتياز، وهي فن المسحوقين، يسهل ذيوعها بين القراء لسهولة نشرها في المجلات والجرائد، بسبب حجمها، ويسر قراءتها. لذلك وجدت قصصي سدوداً أمامها في الجرائد الحزبية المغربية، لأجد لي متنفساً في مجلة (الآداب) البيروتية و(الأقلام) و(آفاق عربية) العراقيتين، و(إبداع المصرية)، و(المصير الديمقراطي) اللبنانية حتى أنني لم أترك منبراً تقدمياً في الوطن العربي إلا ونشرت فيه. غير أنني ولحد الآن، أعتبر القصة القصيرة، أمتع الفنون الكتابية وأصعبها على الإطلاق.

القصة القصيرة فسيفساء تحتاج حباتها إلى مبدع ماهر

يرى الكاتب الكولومبي الكبير غارسيا ماركيز أن القصة القصيرة هي (كالسهم في الهدف) والرواية (أشبه بوضع قوالب الطوب في البناية)؛ ما مدى صحة هذين القولين الجميلين؟ وما تعريفك الشخصي للقصة والرواية؟
 - القصة القصيرة فسيفساء، رائعة الجمال، تحتاج حباتها إلى مبدع ماهر، وبدون مهارة، يستحيل كتابة قصة قصيرة ناجحة. جزئيات قطعة الفسيفساء، في القصة القصيرة، هي المفردات اللغوية، التي لا بد لكاتب القصة القصيرة أن يختارها بعناية، لا بد من حساسية مفرطة إزاء المفردة، خصوصاً في اللغة العربية الغنية بالاشتقاقات والمجازات في فصاحة وبلاغة، تمثل قمة سحر البيان. فالبلاغة الإيجاز، وإذا كان من حق، بل من واجب كل عصر أن يبني بلاغته الحديثة الخاصة الجديدة المتجددة؛ فإن نفس المطمح الجمالي، سيظل هاجس كل المبدعين على مر العصور. كيف يمكن أن أبلغ ما يعتمل بداخلي، بفنية، بأعلى درجات الفنية. أريد أن أحاكي الساحر والحاوي في إبهار المتلقي، شكلاً ومضموناً. أليس هذا هو السهم الذي يصيب الهدف. غير أن الرواية، تبنى فصلاً فصلاً مما يجعل حبكتها تتطلب نفساً أطول، يعتمد على عنصر التشويق دفعاً للملل، فالملل عدو كل الفنون. إن وضع قوالب الطوب في البناية، لا يتطلب مهارة التصفيف فحسب، بل يتطلب كذلك هندسة، حتى لا ينهد البناء، إن هندسة النص، سواء في الرواية أو القصة القصيرة ليس ترفاً أو موضة أو حذلقة، بل هو ضرورة فنية.
لنعد إلى قالب الطوب أو إلى اللبنة، إنها محور كل الإبداعات. وهي اللغة في الأعمال السردية، بها نبني صرحاً شامخاً يسر الناظرين. أين الشكل وأين المضمون إذن؟! إنهما لا ينفصلان إلا في التحليل، لتسهيل عملية التذوق الفني، إنهما في الأصل لحمة واحدة، يتشكلان في الآن نفس اللحظة، كما هو الخلق في جميع المجالات.
لا فن مع فبركة النص، أو طلاء المضمون بشكل لغوي، يفسده لأنه غريب عليه.
حين عزم (ميكل أنجلو) على نحت تمثال موسى، نظر إلى الصخرة التي سيستخدمها وقال مشيراً إليها:
- موسى موجود هنا، الله وضعه داخل هذه الصخرة، وما على النحات سوى استخراجه.
أخلص إلى القول بأن القصاص والروائي، عادة لا تهمه قضية التجنيس، إذ هي بعدية حتماً وليست قبلية. يهمه أكثر ما يعتمل بداخله بفنية، بأعلى درجات الفنية.


سأظل مجرباً إلى آخر رمق في حياتي 
في كتابه الرائع (فن الرواية) كتب ميلان كونديرا يقول: أنا تجريبي، وفي أكثر من مناسبة قال بورخيس (طوال حياتي وأنا أجرب) ما رأيك في التجريب؟ لماذا يتحسس البعض من ذوي الأذهان التقليدية من هذه المفردة، ويخاف تداولها؟ قل لي هل أنت تجريبي؟ أعمالك الروائية تقول ذلك.. ما ردك؟
 - إذا لم تكن لي بصمتي الخاصة في الكتابة، فالأفضل لي ولقرائي أن أتوقف عن نشر ما أكتبه، سوف أفعل ذلك متى بدا لي أنني مستقر في مكاني، أكرر نفسي، أو أكرر تجربة غيري. أكره السكون والركود والقوالب الجاهزة، خلقني الله كثير الحركة، أزعج كل من يعيش معي، بكثرة تحركي في النوم واليقظة. سأظل مجرباً إلى آخر رمق من حياتي، لكني متشبث باستيعاب تجارب الآخرين شرقاً وغرباً، ماضياً وحاضراً، من جميع الحساسيات والأشكال والرؤى الفنية. (أعجبني كثيراً أن تصدر دواوينك في تجربة الهايكو العربي لأول مرة).. أنا لا أجامل ولا أستجمل، صريح مع نفسي ومع الآخرين إلى أبعد الحدود.
حين أكتب فإنما أكتب لنفسي، وحين أنشر أعمالي، فإني أوجهها أساساً لمن يحملون نفس القناعات الفنية وحتى الأديولوجية التي أحملها، سواء قلوا أم كثروا؛ إذ لا يمكن أن أكون وحدي حالة متفردة في هذا العالم الفسيح الشاسع. لابد أن يكون هنالك مماثلون لي، بعد المماثلين أسعى إلى استقطاب آخرين إن أنا أقنعتهم بالشكل الفني الذي أقترحه عليهم.
التجريب مجال صحي لتطوير أدوات العمل الفني، ولفتح مجاهل ما زالت معتمة في الجنس الإبداعي، وتوظيف إمكانات جديدة تيسر سبيل التعبير، وتبتدع جماليات جديدة، تسهل الولوج إلى المتعة واستمراء لذاتها.
التجريب ضرورة، لتطوير الفنون والرفع من الذوق الفني، أما ذوو الأذهان التقليدية -كما أسميتهم- فقد كانوا عبر كل مراحل التاريخ، حجر عثرة، في سبيل التقدم والرقي.
فليستنوق الجمل مرة ثانية، وحتى ثالثة ورابعة، لا يهم. ما يهمنا هو أن نبتكر أساليب جديدة في التعبير، وبلاغة حداثية ترقى إلى مستوى العصر، وتصبح أكثر ليونة وانسيابية ويسراً في تبليغ أحاسيسنا، وتشعرنا بالفرحة والبهجة، لتصل بنا إلى المتعة المثلى، شريطة ألا نخرق قواعد اللغة العربية التي توحدنا، من المحيط إلى الخليج والتي بدونها يستحيل أن نتفاهم تمام التفاهم.
اليوم يتم تدمير هذه اللغة في وطننا، وإحلال الهجانة محلها، فرنسا تدمرنا بعد أن دمرت لغتها.


فن (القصة القصيرة جداً) تجريبي بامتياز
يسود في الساحة الثقافية المغربية والعربية أيضاً فن القصة القصيرة جداً.. أهو فن حداثي تجريبي؟ ما رأيك؟ هل ينتمي إلى السرد فعلاً أم كما يراه البعض (قصيدة ظلت الطريق)؟ هل عشت تجربتها؟ ألا ترى أن بعض النماذج المنشورة تفتقد إلى شروط هذا الفن؟ كيف تقيم ما كتب من القصة القصيرة جداً على المستوى المغربي؟
 - لحد الآن، لم أطلع إلا على نماذج رديئة جداً من القصص القصيرة جداً بواسطة الفيسبوك. وأصدقك القول إنني قد أتوقف عن قراءتها، إذ العمر قصير، والتراث الإنساني الجيد متوافر الآن بقديمه وجديده، ومن العبث إضاعة الوقت في شيء غير مجد.
أبدأ أولاً بقضية التجنيس، سألت الكثيرين من كتاب الفيسبوك إن كان الأمر يتعلق بجنس أدبي، فأكدوا ذلك. غير أنني غير مقتنع، إذ التسمية باللغة العربية، جملة وصفية، غير صالحة بتاتاً للدلالة على تجنيس يلم بحيثيات هذا النوع من الكتابة، بينما مقابلها بالحروف اللاتينية ictionF قد يكون قريباً من الصلاحية للتدليل على جنس إبداعي، رغم عموميته المطلقة.
من جهة أخرى، قرأت الكثير من التنظير المفبرك والمصطنع وغير المقنع، حول القصة القصيرة جداً. طوله يناقض قصرها، ويحملها ما لا تحتمل، مما يجعلني أتذكر مقولة المرحوم جبرا إبراهيم جبرا، حين اطلع على المقدمة التي كتبها إبراهيم الخطيب، لمجموعة إدريس الخوري: (حزن في الرأس وفي القلب).. إذ علق قائلاً:
 - كأنه يشرح فراشة بسيف.
وأنا أحذو حذوه، فأعلق على التنظيرات التي نحن بصددها:


 - كأنهم يشرحون نملة بساطور.
إذا كان الكاتب الكواتيمالي أوجيستو مونتيرو، قد كتب قصته المشهورة: (وعندما استيقظ، كان الديناصور ما يزال هناك)؛ فإنه كان قد راكم تجربة طويلة في الكتابة القصصية، وأصبح اسماً متداولاً في الساحة الأدبية لبلده والناطقين بلغتها. أما أن يبدأ المرء بكتابة القصة القصيرة جداً، مستسهلاً الكتابة، ضارباً عرض الحائط بتجارب السابقين في تطويع السرد شكلاً ومضموناً؛ فإنه يركب أول منزلق نحو الإسفاف.
وفي انتظار أن أقرأ، ما يمكن أن يغريني ويمتعني، من كتابات في هذا الشكل الإبداعي، أتحفظ كثيراً في الحكم النهائي عليه.
تسألني إن كان هذا الفن حداثياً تجريبياً؟ أكيد إنه كذلك، إنه تجريبي بامتياز والإقبال على كتابته ونشره، يجعله أمراً واقعاً إلى أن يحدث العكس. أما عن انتمائه إلى السرد، فإن الالتباس سيخيم على مراوحته بين الخاطرة، والحكمة، والمثل.. بمعنى أنه ليس جنساً إبداعياً خالصاً غير مسبوق، كما هو الحال في تاريخنا الأدبي العربي بالنسبة للموشح وعروض البلد والمقامة.. والهايكو العربي الذي أنت رائد في كتابته.
وإذا كان الكاتب الكواتيمالي أوجيستو مونتيرو، قد كتب ذلك السطر المشتمل على جملتين -على الأقل في ترجمته إلى العربية- فإنه لم يقل لي أي شيء -كما يحلو للفرنسيين أن يعبروا- ولا أجد أنه فتح جديداً إطلاقاً، فليس هو أول من قيد الأوابد -كما هو الحال في تراثنا الشعري العربي، الموغل في الأصالة والجودة- لن أتعب نفسي أبداً في كتابة، ما لا يسعى إلى الإمتاع.
الحركة النقدية عندنا تستعرض مصطلحات محفوظة
أعجبتني عبارة الشاعر الفرنسي فيرلين (فلندع الاتجاهات والمناهج والمدارس جانباً، فهذا إبداع)؛ هل تؤمن بما يوضع من مناهج ومدارس، ومن اتجاهات هي خلاصة ذهن تقليدي؟ هل تعتقد، كمبدع كبير، أن الإبداع يمكن أن يسجن ويوضع في الأصفاد؟ أليس جمال الإبداع أن نعطي الكلمات الحرية للمبادرة؟ ماذا تقول؟ حدثني!
 - المدارس الفنية والتصنيفات والاتجاهات والمناهج والقواعد..
بعدية وليست قبلية، الإبداع هو الأصل وهو الأسبق، وهو الأهم، وكل ما غيره من إنتاج سواء أكان كتابياً أم شفوياً، في الجامعات بإطارها الأكاديمي أو الندوات بطابعها الشفوي الذي يركب المناظرة والمحاججة أو على صفحات الجرائد والمجلات؛ ليس سوى تبسيط يسهل عمل الدارسين والمتمدرسين.. إنه مجال تربوي تعليمي تلقيني، يقرب النص الإبداعي للمتعلمين محاولاً أن يلج بهم إلى مجال التذوق الفني.
وكل محاولة لجعل البعدي قبلياً مصيرها الفشل الذريع، المؤدي إلى الإسفاف، انطلق من التنظير إلى الإبداع تقع في محذور فبركة النص. وهنا لا بد أن نعرج على قول كلمة بسيطة حول الحركة النقدية عندنا: إنها لا تستخدم المناهج النقدية للكشف عن متعة النص؛ بل تستعرض مصطلحات محفوظة، مثل الانزياح والتبئير والتناص.. عشوائياً، مما يمكن أن يقال عن أي نص، مستعرضة مضمون النص، متحاشية وعاجزة عن مقاربة الشكل الفني للكتابة. إن كانت المدارس الفنية، قبلية، فلن تؤدي إلا إلى سجن الإبداع، لكنها بعدية، مما يكسب الإبداع أهم صفاته، وهي الحرية.
الرواية أولاً.. هكذا يقول معظم النقاد!
(الزمن زمن الرواية)؛ كروائي هل تنحاز لهذه المقولة وتقر بها؟ ولماذا؟ قل لي هل هناك فن يمكن أن يتنازل عن كرسيه الوثير لفن آخر؟ وكيف تفسر هذا الجري حتى اللهاث من قبل كتابنا ومبدعينا (شعراء نقاد صحفيين وفنانين) لكتابة الرواية؟ أهي الرغبة في الحضور والانتشار أم ماذا؟
- إنها فعلاً الرغبة في الحضور والانتشار والفوز بالجوائز التي كثرت في الآونة الأخيرة، حتى أصبحت المبرر الوحيد والأوحد لكتابة الرواية. ولنا في المغرب فضائح في هذا الشأن لا يجود الزمان بمثلها مرتين. الكل الآن يكتب الرواية، إنه استسهال للعملية الإبداعية، وتمييع لشرف الكتابة وقدسيتها. فمنذ سنوات حين أطلق حنا مينة رأياً له في أحد المنابر الإعلامية، مفاده: (الرواية ديوان العرب الحديث)؛ وحمّى كتابة الرواية تستقطب كل من يحمل قلماً. لن نفرض حجراً على أحد، ولن نجعل من أنفسنا جمارك أو شرطة للثقافة والإبداع. كل الناس أحرار، في كتابة أي جنس يحلو لهم. لكن لا يعقل أن نترك الحبل على الغارب، ونركن إلى الإسفاف، لأن الإسفاف يحطم الأمم. وقديماً تعلمنا منذ الأقسام الابتدائية القولة الخالدة (إذا أردت أن تعرف قيمة أمة، فانظر إلى فنونها وآدابها). فنوننا اليوم وآدابنا رديئة، لا نملك ناصيتها، تعبث بها فرنسا وأذنابها. وبدل أن نقول (الرواية أولاً..) أقول (الإبداع أولاً وأخيراً)، مازال في كل الأجناس الإبداعية طاقات فنية لم تستنفد بعد، فالقصيدة العمودية ما زالت قادرة على العطاء، حين تجد شاعراً مجيداً، وكذلك الأمر بالنسبة للرواية والقصة القصيرة التقليديتين المعتمدتين على قواعد: المقدمة والعرض والخاتمة، والعقدة ولحظة التنوير والحل.. إلخ.


نحن نعيش عصر الإسفاف بامتياز
الأستاذ إدريس الصغير، يشكو عديد المبدعين من النقد والنقاد، من عدم مواكبة هذا التفجر الإبداعي.. ما مدى صدق هذا الاتهام؟ وهل لدينا حركة نقدية جادة؟ كمبدع كبير هل أنصفك النقد؟ ومن ناقدك الأمثل مغربياً وعربياً وعالمياً؟
 يبدو أن حركتنا النقدية مسطحة تفتقد إلى العمق، والحرفية، ورهافة الحس في تذوق الأعمال الإبداعية. يضاف إلى ذلك هيمنة الحزبية الضيقة، والمحسوبية، والإخوانية، والأقلام المأجورة.
حين يتصدى ناقد لتمجيد، عمل رديء فإنما يسيء إلى نفسه، كثير من الكتبة مجدوا كتابات لوزراء وأساتذة جامعيين أو مسؤولين في السلطة، لكنهم توقفوا عن التمجيد حين يفقد الممجدون مناصبهم السلطوية. وإذا كان من شكوى موضوعية للمبدعين من عدم مواكبة هذا التفجر الإبداعي؛ فإنها نابعة من الوضعية التي أشرت إليها. أما عن أعمالي فإنها توبعت متابعات نقدية من طرف نقاد، رغم قلتهم، تعاملوا معها تعاملاً موضوعياً.
هل نحن -العرب- فعلاً ظاهرة صوتية، نتكلم أكثر مما نفعل أو نتكلم دون أن نفعل؟ حياتنا جعجعة بدون طحين.. نحن كذلك إما أن نمتدح الشخص، وننفخ فيه حتى ينفجر، أو أن نقزمه حتى لا يرى ولو بالمجهر.
جامعاتنا ضعيفة جداً وغير مصنفة عالمياً، البحث العلمي عندنا منحط بل إنه غير موجود أصلاً.
عفواً، عزيزي عذاب الركابي! الغرب متفوق علينا، ليس لأن بلادنا العربية عقيمة، ولكن لأننا نقبر الكفاءات في المهد، الإدارة عندنا تنشر الجهل والإسفاف عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، تكره الإبداع الجيد، وتحارب الفن الرفيع، تبذل في سبيل ذلك أموالاً طائلة، من جيوب دافعي الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وهكذا طفا على السطح الجهلة والمدعون والمحتالون، الذين يستخرجون كلاماً من الإنترنت ويتحدثون به عن نصوص لم يقرؤوها. تسهل لهم الإدارة، كل السبل لولوج مراكز حساسة للتحكم في التنشيط الثقافي داخل البلاد وخارجها، لتدمير المواطن من الداخل، وهكذا فنحن نعيش عصر الإسفاف بامتياز.


لا بد من عنصر التخييل 
كتب أندريه مالرو في كتابه الرائع (الإنسان العابر والأدب) يقول: (صار أحد طموحات الرواية هو الإمساك بالخبرة الإنسانية من خلال الخيال).. وقد لعب الخيال دوراً كبيراً في روايتك (إشاعات في مهب الريح) وحتى (خارطة القبور)؛ لماذا الخيال؟ لماذا الشخصيات الخيالية؟ أهو شرط التكنيك الروائي؟ أم هو عودة للواقع بشكل درامي؟ أم ماذا؟
- منذ أن كنت تلميذاً ثم طالباً في حجرة الدرس ومدرج الكلية  وأنا في حيرة، حين يحدثنا الأستاذ عن المدارس الفنية في الأدب والتشكيل والتمثيل.. إلخ، كان لي مفهوم مغاير عن تسمية الواقعية، لكنني لم أكن أجرؤ على كتابته، فسأكون مهدداً بنقطة موجبة للسقوط في الامتحان، كذلك لا أجرؤ على الإدلاء به في الندوات خشية أن ينظر إلي نظرة دونية أو عجائبية (وقد عانى جيلي من الإرهاب الفكري على كل المستويات). كل المدارس واقعية في نظري، أنا أعلم جيداً أن المدارس الفنية تقريبية، وليست جزمية، تطبق على النص الأدبي، كما يطبق قانون السير. لكن الواقعية ليست هي نقل الواقع كما هو، إذ لا بد من الفنية، ليس كل من يملك قصة يستطيع تحويلها إلى إبداع فني. الرهان هنا رهان فني إبداعي. ثم لا بد من عنصر التخييل، في الواقع يوجد الماضي والحاضر والمستقبل، والواقعي والمتخيل والغرائبي، والمفهوم والمنغلق، والسحري، وما وراء الطبيعة والمقدس والمدنس والدين والأيديولوجية.. إلخ؛ إنها حياة متكاملة. والفن حياة لا حد لها، يتجاوز الحياة نفسها.
سؤالك ليس سهلاً، وفي تركيبة مفرداته وجمله تكمن الإجابة التي تستهوي شعوري وإحساسي وطموحاتي الفنية.
لماذا الخيال؟ ولماذا الشخصيات الخيالية؟ أهو شرط التكنيك الروائي؟ أم هو عودة للواقع بشكل درامي؟
نعم سيدي، إنه ضرورة التكنيك الروائي والفني. إننا نصف الشخوص من الداخل ومن الخارج. هناك أشياء يبطنونها، ويظهرون على ملامح وجوههم، وتنميق خطابهم، ما يخفونه، باحتيال ماهر غادر، السينما تشتغل على إظهار الدواخل برسمها على ملامح الوجه بمساعدة الموسيقى والإضاءة والإيهامات، بينما يحتاج الروائي إلى جهد أكبر في إبلاغ ذات المواقف، وقد لا يساعده سوى المونولوج الداخلي، الذي يبدو كتقنية تساعد إلى حد كبير في التبليغ. لكن الشخصيات تحلم وتمكر وتتآمر وتركب نزواتها، تم تحلم أحلاماً ليلية سعيدة وكابوسية وأحلام يقظة شبقية أو فنتاستيكية.. إلخ، إنه الحلم المطلق الحر اللامتناهي الذي لا تحده حدود. ثم في الآخر فالحلم -كما قلت- عودة للواقع بشكل درامي. هذه العودة هي التي تهمني، وهي التي أنشد أن أصل إليها بأعلى درجات الفنية، إن استطعت. إنني يا عزيزي- وأنت كاتب وشاعر ومثقف كبير- أريد أن أصبح ساحراً، (وإن من البيان لسحرا).


قصصي القصيرة تركز على لحظة الاعتقال السياسي 
يشاع أن الكتاب المغاربة هم الأكثر تناولاً للثالوث المحرم (السلطة، الجنس، الدين) في أعمالهم الروائية والقصصية ما رأيك؟ وفي شهادة أحد الكتاب المغاربة أن هنالك من يتعمد هذا النوع من الكتابة، وآخر يكتب تلبية لرغبة الناشر، والسعي للحضور والانتشار أكثر لا سيما في صحافة الغرب الثقافية؟ أهو سبيل للجوائز؟ حدثني..!
 - أقسم القضية التي يطرحها سؤالك المهم جداً، إلى قسمين: القسم الأول متعلق بالباب الأول من الثالوث المحرم وهو السلطة: معظم قصصي القصيرة، بل كلها في السبعينات والثمانينات وما تلا ذلك تركز على لحظة الاعتقال السياسي، وقد رفضت نشرها المنابر الثقافية المغربية، ونشرتها ضداً عن ذلك في أهم المجلات العربية في لبنان ومصر والعراق وسوريا، وترجمت إلى لغات أجنبية في إسبانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا، مع العلم أن المنابر التي رفضت نشرها ليست منابر السلطة بل منابر المعارضة.
إن روايتي الأولى (الزمن المقيت) نشرت سنة 1983 ببيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وليس بالمغرب. مع أن هنالك دوراً بالمغرب تابعة للمعارضة. وكل كتاب السبعينات، قصاصين وروائيين وشعراء، التقدميين منهم، كانوا يركزون على تيمة القمع التي سلطتها السلطة على المواطنين، في حملة شرسة من الاعتقالات غير المسبوقة في تاريخ العالم وليس الوطن العربي فحسب.
أما القسم الثاني: فمتعلق بالجنس والدين، وهنا يبدو الأمر متعلقاً بكتابة المغاربة باللغة الفرنسية، أو بمترجمات محمد شكري أساساً.
أما ما هو مكتوب بالفرنسية أو لغة غير العربية، كالإسبانية والإنجليزية، فهو أدب فرنسي إسباني إنجليزي، مكتوب من طرف كتاب مغاربة. لذلك، وبتشجيع من ناشرين فرنسيين، يبحثون عن العجائبية للتفرج على واقعنا الاجتماعي البئيس، ظهر هذا النوع من الكتابة، عن قصدية وبشكل مفبرك مصطنع متعمد للحضور والانتشار وربح الجوائز في الغرب، حتى دون موهبة أو وعي بقدسية العملية الإبداعية، فعمل شكري يثير الشبقية، في وصف أب يمارس الجنس مع زوجته، في غرفة ضيقة تضم حتى الأبناء، الذين ينامون مجتمعين ليلاً. والطاهر بنجلون يجعل السجود مقوماً من مقومات صلاة الجنازة، عن جهل طبعاً.
والآن يتم التلويح بالمثلية، لبلوغ النجومية في الغرب، وترتفع النداءات بشكل وقح يدعو إلى هجران اللغة العربية، وتجاوز دراسة الأديان في المقررات التربوية، والبقية تأتي.


أدب أمريكا اللاتينية يعني الريادة في الإبداع
 أدب أمريكا اللاتينية، والرواية على وجه الخصوص الأكثر انتشاراً لماذا؟ غارسيا ماركيز كارلوس فوينتس ماريا باراغاس يوسا وآخرون هم الأكثر قراءة وترجمة في العالم.. لماذا؟ بم تتميز الرواية الأمريكية اللاتينية عن غيرها؟
 - بدأنا نعجب منذ سبعينات القرن الماضي بأدب أمريكا اللاتينية، وبكل الأعمال التي تنتج من وعن هذه القارة العجيبة، ونضالها ضد الإمبريالية.
أغاني فيكتورخارا وجان بايز أشعار بابلو نيرودا وأفلام عن النضال والمنظمات التقدمية، ومقاومة الطغمة العسكرية، ثم العجائبية في الأساطير، المبثوثة بين الجبال والوهاد والمسالك الوعرة والغابات، بين طقوس تراثية، تشوبها ثقافة ذات خصوصية موغلة في المحلية.
هل هؤلاء الناس يشبهوننا؟ هل يخاطبوننا من القلب إلى القلب؟ لكنهم الأكثر ترجمة في العالم، كما يقول سؤالك. هل المحلية هي التي قادت الرواية في أمريكا اللاتينية نحو العالمية، أم هو التداول في تسنم الريادة في الإبداع. متى إذن يصل دور الرواية العربية، لتخاطب الذوق الفني، والعشق الإبداعي، عند شعوب أخرى.

ذو صلة
التعليقات