مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

فيلم (المغادرون) وموت الموت

إن مقاربة الموت هي من أعسر السبل وأكثرها مغامرة، فمن ذا الذي يستطيع المساس بهول الموت وقداسته، والاقتراب من ذلك الموضع المرعب في قالب فني دون أن ينزلق؟!
هذه المقاربة تم تمثلّها في فيلم (المغادرون) الفائز بالجائزة الكبرى لمسابقة أفلام السعودية في نسختها الرابعة، وهو فيلم يواصل فيه المخرج عبدالعزيز الشلاحي مسيرة تميزه بأرشيفه الثري الذي يضم 14 فيلماً روائياً قصيراً، وتسعة أفلام وثائقية، وأكثر من 86 إعلاناً وفاصلاً قصيراً، فضلاً عن مشاركاته في مهرجانات عالمية وعربية من أهمها مهرجان كان ومهرجان برلين، وتوكيد تميزه في مسابقة الأفلام السعودية بعد فوزه بجائزة مماثلة عن فيلم (كمان) في النسخة الثالثة من المسابقة ذاتها.
مقاربة التكامل
يستجمع عبدالعزيز الشلاحي أدواته السينمائية ابتداء بالسيناريو المكتوب بعناية فائقة بقلم (مفرج المجفل) القادم من رحم الكتابة الأدبية بأربعة إصدارات: (على شفا شفرة)، و(وخز)، و(الحب على قدم واحدة)، و(شيء ما يتدلى)، لتكتمل بتعاون المخرج والكاتب معادلة الأعمال الإبداعية، فيضيف عبدالعزيز الشلاحي إلى رصيده ما يتميز به مفرج المجفل، والعكس يحدث أيضاً إذ يضيف مفرج المجفل إلى تميزه السردي تجربة جديدة تتمثل في كتابته للسيناريو للمرة الأولى، إذ امتازت تلك التجربة بحوارات قصيرة جداً، قادرة على حمل دلالات عميقة لمن يتأملها، فالعبقرية بنت الإيجاز على حد قول تشيكوف، وذلك الإيجاز ما يتميز به مفرج المجفل في قصصه القصيرة جداً التي أفاد منها كثيراً في اكتناز الحوار.
ويواصل عبدالعزيز الشلاحي تكامله باختياره الموفق لبطلي فيلمه: الممثل (محمد القس) الفائز بجائزة أفضل ممثل عن أدائه في هذا الفيلم، والممثل (خالد صقر) الفائز أيضاً بجائزة أفضل ممثل عن أدائه في فيلم (300كلم) عن فئة الطلاب، والذي سبق له التعاون مع عبدالعزيز الشلاحي في فيلمي (عطوى) و(عود) وربما غيرهما.
فضلاً عن أماكن التصوير التي انتقاها، والموسيقى المستفزة والمحرضة لإلباس المشاهد ثوب الشك في شخصية خالد صقر (وديع) المؤدي دور ممثل سافر للقيام بشخصية إرهابي، فحاول (وديع) تقمص الدور حدَّ تصديق المشاهد من خلال: منبه الساعة المنسية في الشنطة، ونداء (وديع) في بداية الفيلم للممثل الآخر محمد القس (سالم) بـ(أبي عكرمة) على غرار الكنى الحركية، لتكريس الشك في الشخصية، وختمها بتلصص (سالم) على ما يسمعه (وديع) من أناشيد جهادية، ومفاجأته بذلك.
موت الممثل
ضمن سلسلة الموت التي انطلقت بـ(موت المؤلف) لرولان بارت، وما تلاها من ميتات مثل: (موت النص) و(موت الناقد) و(موت القارئ).. وما إلى ذلك من ميتات بحسب القاتل؛ يقدم لنا فيلم المغادرون ميتة جديدة في التباس دور خالد صقر الذي يلبس ثوب شخصية (وديع) ابتداء، فيقتل بالتمثيل ذاته، وفق رؤية (سالم) الذي صارحه في حواره بأن الممثل ما هو إلا منتحر، يتخلص من شخصيته الحقيقية، ليلبس دور الغني تارة، والفقير أخرى، وهكذا في سلسلة من الميتات التي يمارس فيها الممثل قتل ذاته، وإحياء الشخصية لساعات، والعودة لذاته من جديد في عبث لا يقل جريمة عن الانتحار في نظره.
ويبدأ عقبها التحول لينتقل خالد صقر بعد ذلك من ميتته التمثيلية لميتة أخرى، حين يخرج من هذا الدور، ليميت الممثل في ذاته، ويمارس دور المنقذ بتدخله في إلغاء ما عزم عليه (سالم) من تحديد مصيره، وتأجيل الأمر بتنويمه، وتفويت الفرصة عليه، وهنا يظهر التباس موت الممثل بهذا الفعل، وإن كان حيّاً في شخصية وديع، إذ لم يخرج من جلباب الممثل كلية، وإنما خلع قطعة واحدة وأبقى الثانية.
موت الأسماء
يختار فيلم المغادرون أسماء بطليه (سالم) و(وديع) بعناية، ويبني أحداثه على ثنائية الاسم وتضاده في جدلية وتأرجح، فـ(سالم) الذي اختير للبطل كان وسيلة لحياة البطل بعد فقد والد (سالم) عدداً من بنيه بعد أشهر من ولادتهم، حتى سماه بهذا الاسم، لينجو من الموت، وإن كانت تلك سلامة من الموت فحسب، إذ ذاك لم يدم طويلاً، حين دخل (سالم) في موت الاسم من بوابة أخرى، فالسلامة تضاد المرض، وهذا ما لم ينجُ منه (سالم)! فصار حبيس المرض والدواء، حتى قاده ذلك إلى ما يريده من خلاص اختاره.
أما (وديع) الرافض لاسمه الغريب في مجتمعه، فهو ضحية لما يراه تقلباً موجياً وفق أحداث العصر الذي عاشه والده، فأسماء إخوته نتاج تقلبات والده الفكرية، إذ سمى أخاه الأكبر (جمالاً)، وهو اسم مناسب لعصر ولادته وانحيازات والده العروبية والقومية وقتها، وسمى أخاه الأوسط (خطاباً)، وهذه التسمية نتاج الحركات الجهادية وموجة الجهاد الأفغاني وما بعدها، فهذا التدرج المضاد من رمز قومي، وما يعقبه من رمز حركي راديكالي، وما انتهى إليه (وديع) من سكون ووداعة مضادة لما قبلها نتيجة سماع والده لأغنية (وديع الصافي)، كل ذلك لا يتماشى مع الدور التمثيلي الذي يؤديه في شخصية الأداء المقدمة، والتي أمات فيها اسمه (وديع)، ليلبس ثوب الدور التمثيلي المفترض تأديته في تركيا، ولكنه عاد مرة أخرى ليميت الاسم التمثيلي، ويلبس ثوب (وديع)، ليقوم بدوره الإنقاذي، وعمله البطولي الذي حفظ به (سالم)، وأنقذه من رحلة التحول التي اختارها، ليدخله رحلة تحول أخرى، في تقلب ومساءلة للأسماء وحياتها أو موتها المقصود في ثنايا الفيلم وبعثها من جديد.
الجلوس على الظل
الهرب من الموت مضيعة للوقت، ولذلك واجه سالم معاناته مع المرض -المؤدي للموت لا محالة- باستباقه، ووظف الفيلم فكرة التقمص وتناسخ الأرواح بوصفها وسيلة لموت الموت فور الانتقال إلى جسد آخر، واستثمر الفيلم ذلك بتحويله إلى موضوع نقاش بين (سالم) المؤمن بالتقمص حدَّ تهيئه الظروف المناسبة للموت في السماء والتحول إلى حمامة، وبين محاوره (وديع)، المنكر لذلك حدَّ السخرية، ولعل في فعل (سالم) هرباً ملموساً من حجم المعاناة، واستجماع القوى إلى حد تجاوز الوقوف أمام الموت حتى الجلوس عليه، فـ(زوانج زو) يرى أن الهروب من الظل ليس الحل لمواجهته، وإنما الجلوس على الظل هو السبيل لاختفائه، وهذا ما حاول سالم فعله حينما قرر الجلوس على الظل، ليختفي ويستطيع بعدها التحليق حمامة تطير أنّى شاءت، بينما يواجه (وديع) الأمر بالسخرية والضحك، فهي وسيلة أخرى لا تقل فعالية عن الأولى.
المواجهة بالضحك
يظل موضوع الموت الأكثر تعقيداً، وربما من أكثر المواضيع رعباً، وأشدها تراجيديا؛ ولكن فيلم (المغادرون) قلب المعادلة حين جعل نقاش الموت نقاشاً كوميدياً، منطلقاً من شخصية (خالد صقر) الكوميدية، وابتداء من تعاطيه مع المواضيع منذ حواره مع المسافر الخائف من الطيران، وتأجيج الخوف لديه بعدم تهوين الأمر، بل تهويله! وضربه بأن أفضل وسيلة لمقاومة الخوف هي التنقل بسيارة نقل الموتى شريطة أن يكون راكبها هو الميت ذاته.
إن هذا المنطلق لمواجهة الموت بالضحك امتد ليصل إلى اختلاف مفهومي بين (سالم) و(وديع) حيال فكرة طريقة (سالم) المختارة للموت تحديداً، ولعل الانطلاق من تلك الثيمة ترك مساحة للظرافة في تناول الموضوع. مساحة تم استثمارها حدَّ الشطط في الحوار الذي ينتهي من قبل سالم بقوله لوديع (مزحك ثقيل من جد)، مروراً بتمرير بعض النقد الاجتماعي من خلال الحوار بمناقشة موضوعات كبيرة بجمل قصيرة عابرة كَرَدِّ سالم عقب دعوة وديع للتفكير في تحوله لحمامة أنثى بقوله: (بيمنعوني أطير مثلاً) في إيماءة لموضوع قيادة المرأة للسيارة، فيصدمه (وديع) بعدم تفكيره بما هو فوق ذلك بكثير، مذكِّراً حين يكون حمامة أنثى بمدى استعداد سالم وتأهبه لأن يبيض!، ومواصلة نقد (وديع) بأسلوب مضاد لبعض السلوك المجتمعي في صورة مجموعة حمام تطير من جامعة الملك سعود مروراً بجامعة الإمام، آيبة من جامعة الأميرة نورة، وهذه القفشات ما هي إلا ثمرة التكثيف الذي تم توظيفه لتمرير النكتة، وهي من قبيل النكت التي أشار إليها فرويد، وتحمل سمات لفظية قائمة على التوريات واللعب بالألفاظ، وملامسة القضايا دون تصريح ومباشرة، والاكتفاء بالإيماء، وإعمال فكر المتلقي/المشاهد الذي ظهر تواصله من خلال ضحكه تارة، واندهاشه أخرى أثناء المشاهدة.
التحول/ الخاتمة
يذكر رولان بارت من خلال تصوره لمن يخرج بعد مشاهدة فيلم بأن عليه أن يخرج، ليجد نفسه من جديد في شارع خال مضاء يمشي صامتاً، إذ لا يحبذ الحديث مباشرة عن الفيلم الذي شاهده، لأنه يسير مخدراً بعد تحول جسده إلى شيء ناعم وهادئ لين مثل قط نائم، ويحيل هذا الأمر إلى أثر التنويم المغناطيسي.
إن خابت مساعي (سالم) في التحول إلى حمامة، فلقد نجحت مساعي (وديع) حين انتصر على من يراه أكثر منه معرفة ووعياً، فهل نجح عبدالعزيز الشلاحي على الجمهور حين استطاع أن يسترق ضحكاتهم، ويعليها في مواجهة ثيمة مرعبة كالموت؟!
هل خيبة (سالم) في التحول، قابلها تحول مشاهد خرج للشارع المضاء صامتاً، بجسد لين وهادئ كقط نائم؟!
هل استطاع فيلم (المغادرون) أن يخرجنا بأسئلة أجاب عنها، وأبقى علامة الاستفهام التي لا تقبل التحول في نهاية الجواب؟!

ذو صلة
التعليقات