مجلة شهرية - العدد (530)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الأول 1442 هـ

الرسام التشكيلي السوري ممتاز البحرة.. براءة ريشة

تميز بتبحره في عالم الطفولة فخلق للأطفال التصور الجميل عن العالم وعزز لهم برسوماته قيماً اجتماعية مهمة.
بطريقة بسيطة حاكى عقلية الطفل العربي، وبالألوان الحيوية والشخصيات المبتكرة أرسل رسائل متعددة منها تصوير أصالة العروبة، والقضية الفلسطينية والبطولات العربية.
صدقُ أسلوبه أعطاه لقب محترف الرسوم التوضيحية وكاريكاتير الأطفال فكان ريادياً في مجاله.

 ولد الفنان التشكيلي ورسام الكاريكاتير السوري ممتاز البحرة في 9 أيار عام 1938 في مدينة حلب.
ينتمي لعائلة دمشقية عريقة محافظة، عمل والده الرياضي والمربي الأستاذ محمود البحرة كمفتش لمادة التربية الرياضية في مدينة حلب وبعدها استقرت أسرته في دمشق.
هو أكبر إخوته ما حمله مسؤولية كبيرة عندما توفي والده ولم يكن البحرة قد تجاوز الخامسة والعشرين فتولى رعاية أخويه. أما وفاة أخيه الأوسط مخلص عن عمر 24 ربيعاً فكانت أعمق جرح في قلبه، ما دفعه لعكس أحزانه وتحويلها إلى أفراح في قلوب الآخرين وأهمهم الأطفال.
منذ طفولته ظهرت موهبة الرسم عنده وتبلورت خلال المراهقة، فاختار أن يدرس الفنون في القاهرة إبان الوحدة بين سوريا ومصر مع زملاء سوريين مثل نذير نبعة وغازي الخالدي، ومصريين مثل محمد اللباد، لكن وفاة والده في السنة الدراسية الرابعة والانفصال بين الإقليمين السوري والمصري حالا بينه وبين إنهاء دراسته هناك، حيث اضطر للعودة إلى سوريا والبدء من السنة الثانية لإكمال دراسته في جامعة دمشق كلية الفنون الناشئة فتخرج مع دفعة الخريجين الأولى لكلية الفنون اختصاص تصوير فني بمعنى (الرسم الفني) حاصلاً على بكالوريوس الفنون الجميلة وكان من المتميزين بدفعته بشهادة مدرسيه محمود حماد وحسين إسماعيل ومحمود جلال، وسعيد تحسين، وبعد تخرجه تزوج من السيدة فردوس البحرة وأنجبا ثلاثة أولاد.
بداياته كمدرس لم ترضي طموحه حيث درّس في مدينة الحسكة وبعدها دمشق في عدة ثانويات وفي معهد إعداد المدرسين لكنه وجد من الصعب الجمع بين التدريس والعمل الفني فاستقال مبكراً.
عام 1955 بدأ حياته الفنية بامتهان الرسم الصحفي والكاريكاتيري، واعتبر البحرة أحد أهم مؤسسيهم في (سورية) فضلاً عن محاولته إدخال مفاهيم الفن التشكيلي، ويعدّ أحد رواد الجيل الثاني في الحركة التشكيلية السورية، وعضواً بارزاً في مجلس نقابة (الفنون الجميلة) في (دمشق).
كان أول رسام كاريكاتير يعتقل بسبب رسومه في سوريا في الستينات حيث صدر حكم ميداني عسكري تعسفي بلا محاكمة بإعدامه مع عدد من المعتقلين السياسيين الآخرين مثل الصحافي نصر الدين البحرة وعباس الصوص وغيرهم وقد ألغي حكم الإعدام قبل تنفيذه بساعات إثر تغلب المجموعة البعثية على الناصريين يومها في انقلاب 8 آذار.
بعد هذه المحنة العصيبة عاد ليعمل في عدة صحف منها جريدة الصرخة السورية التي كان يصدرها أحمد علوش وجريدة الرأي العام، وجريدة صدى الشام، وصحيفة الطليعي، وجريدة الثورة، وفيما بعد جريدة تشرين، كذلك عمل بمجلات عدة مثل مجلة المعلمين ومجلة الجندي ومجلة التلفزيون العربي السوري.
عد من أهم رسامي أدب الأطفال إذ رسم شخصيات المناهج المدرسية التابعة لوزارة التربية السورية والتي اعتُمدت أيضاً في كل من فلسطين والأردن، فتناقلها الأطفال في السنوات المدرسية الأولى على مدى ثلاثة عقود وأحبوا الشخصيات التي ابتكرها أشهرها شخصيتا (باسم ورباب)، ولعل أكثر ما كان ذا تأثير جلي على الأطفال في سوريا والعالم العربي رسومه للمسلسلات المصورة (الكوميكس) التي أبدع فيها في السبعينات، حيث كان الأب الروحي لمجلة (أسامة) التي أسسها عام 1969 مع الكاتب المسرحي سعد الله ونوس والقاص زكريا تامر وأسامة دعبول وخيري الذهبي، إضافة لكونه مؤسس مجلة (الطفل العربي)، الصادرتين عن وزارة الثقافة في دمشق.
جل ما أمتع به قراءه كان إبداعه في شخصيات مثل أسامة وشنتير وماجد وسندباد من قصص من ألف ليلة وليلة.
 بعد ذلك توجه البحرة للعمل في مجلة الأطفال اللبنانية الصادرة في بيروت (مجلة سامر) حيث قدم عدة مسلسلات لنصوص صغيرة لعادل أبوشنب.

في بداية الثمانينات قرر اعتزال رسم الكاريكاتير بعد أن تعرض لعدة مضايقات وتهديدات من مجهولين طالت عائلته وشخصه بالإضافة لتدخلات من مديري التحرير لتعديل حدة رسومه، إلا أن أحداث الانتفاضة في الأرض المحتلة قد دفعته للعودة مجدداً فقام بتنفيذ معرض كاريكاتيري في دمشق عن الانتفاضة ومعاناة أهلنا في فلسطين والأراضي المحتلة زار خلاله عدة مدن عربية وأجنبية.
شارك في المعارض الرسمية في سوريا وخارجياً شارك في معرض (ملامح من الفن العربي السوري) في المهرجان العالمي في (كوبا) عام 1978 وفي معرض شخصي في مدينة (يريفان) في (أرمينية) ومن أعماله البارزة العمل البانورامي الضخم لوحة (ميسلون) المعروضة في متحف (نصب الجندي المجهول) على سفح جبل قاسيون الدمشقي ومساحتها 25 متراً مربعاً.
رحل صاحب الريشة السرمدية ممتاز البحرة في دمشق صباح يوم الاثنين 16 كانون الثاني 2017، عن عمر ناهز الـ79 عاماً، بعد عزلة اختيارية في (دار السعادة) للمسنين، فسلام على روح تميزت بإبداعها وخلقها للسعادة في قلوب أجيال عربية تستحق الحياة.

 

pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات