مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

نصير شمه.. نخلة العود والنغم النبيل

 

كان الموسيقار العراقي الفذ نصير شمة - ولا يزال - واحداً من أكثر المؤلفين الموسيقيين العرب والعالميين إبداعاً وأثراً، ناسجاً من ألحانه ومؤلفاته الموسيقية أقصوصة حب عذبة تجوب بك في عوالم إنسانية فريدة.
تحكي لك بين الأوتار شيئاً عن أسرار آشور وبابل، تأخذك بلا إذن أو إنذار في جولة روحية فريدة عبر ثنايا الحاضر والماضي والمجهول.
لم يقتصر حبه للعود على الكتابة الموسيقية، بل زاد حتى صار معلماً وأباً - شاباً - لجيل كامل من عشاق العود ومبدعيه، فكان، كشجرة زيتون عريقة، يزخرُ حباً وأصالة، دائم الخضرة والعطاء، باثاً عبر عوده أبهى رسائل الحب والسلام من بيت العود إلى العالم.
وقفنا معه (على حافة الألم) نستعرضُ (أحلاماً عتيقة) وهواجس يافعة، وحكايات جوى وهيام لمنجز العود المثمن، خبرنا عبره جماليات (ليل بغداد) في انتظار (رحيل القمر) حتى آخر هزع من الليل، تماماً قبل (إشراق) شمسه على (أرض السواد)، وتعلمنا منه كيف لأيقونة الموسيقى العربية أن يقف (صامتاً يعلن حبه) لملايين من عشاقه وعشاق العود حول العالم.
(من القلب) أنجزت «المجلة العربية» مع المبدع العربي نصير شمة، هذا الحوار.


ـ من هو الأستاذ الأول الذي يشعر نصير شمة أنه تتلمذ على يده؟ أهو منير بشير أم معتز البياتي؟
الأستاذ علي الإمام هو مدرسي الأساسي عندما انتقلت لدراسة الموسيقى في بغداد لست سنوات في معهد الدراسات النغمية - أصبح اسمه لاحقاً معهد الدراسات الموسيقية - وبعد ذلك تولى تدريسي الأستاذ سالم عبد الكريم ثم الراحل الكبير روحي الخماش، ولكني كنت أيضاً قريباً جداً من الراحل الكبير منير بشير لسنوات، واستفدت من تجارب كل الأساتذة والزملاء وما زلت أتعلم كل يوم. الرغبة في التعلم إحساس وفعل لا أتمنى أن يغادرني، على الرغم من أني علّمت وخرجت المئات من العازفين الشباب لكنني أشعر دوماً بأني ما زلت ذلك التلميذ الشغوف بالعلم والإصغاء والتعلم.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنني تعلمت من جميع رموز العود الحقيقيين الراحلين أمثال الشريف محي الدين حيدر، والسنباطي، وسلمان شكر، والأقرب لروحي البارع جميل بشير، إضافة إلى المدرسة الكلاسيكية التركية في العود. وكما يقال: لا يوجد نص بريء، نحن خلاصة أجيال سبقونا.
ـ (قبل أن أُصلب) هو اسم المقطوعة التي ألّفتها في مقتل الحلاج.. وبالطبع لا يخفى على أحد أن التصوف قد احتل جانباً واسعاً من فؤادك وحياتك وعزفك.. كيف ينظر نصير شمة إلى علاقته بموسيقاه الصوفية؟
ـ لأكون أكثر دقة، لا توجد لدينا موسيقى صوفية عربية اليوم بالمعنى الحقيقي، بالقدر الذي يتواجد فيه شعر صوفي أو نصوص نثرية صوفية، لأن أغلب الصوفيين استخدموا اللغة للتعبير عن علاقتهم بالله عز وجل، ولم نجد بينهم من عبَّر عن تلك العلاقة موسيقياً، كل ما هو متوفر من موسيقى تحت هذا الاسم لا يمت بصلة للصوفية، والفرق كبير بين الذكر والمدائح من جهة والنتاج الموسيقي الصوفي من جهة أخرى. عندما يترجم الصوفي الحقيقي مشاعره وأفكاره بكتابة موسيقية عندئذ نقول إن هذه موسيقى صوفية. كل الموسيقيين الكبار في مختلف ثقافات العالم حاولوا الاقتراب من معنى الصوفية لكنني حقيقة لم أجد سوى محاولات شكلية لا تلامس الجوهر، باستثناء قداس موتزارت الـ (ريكوييم) الذي لم يسبقه إليه مؤلف آخر كمعنى صوفي حقيقي.
ـ لجأت باكراً لبناء مؤلفات موسيقية تمزج بين الموسيقى والشعر، وتضمنت أعمالك العديد من الحوارات الموسيقية الشعرية أو القراءات الموسيقية للشعر.. إلى أي حد تأثر نتاجُك الموسيقي بالشعر؟ وكيف تصف علاقتك بالقصيدة العربية عموماً؟
ـ الشعر الجيد منجم للصور والأفكار والمواضيع، ومحرك ذهني فعال نحو مناخات عميقة، أقصد تلك النصوص التي يبدعها شعراء يقفون على ثقافة كبيرة ومرجعيات متعددة. بدأ اهتمامي بالشعر مع اهتمامي بالموسيقى والمسرح والرسم والسينما وبقيت تلك المتابعة متواصلة بكل الأشكال، لكن الشعر يغريني ويحفزني، لذلك كرست مراحل مهمة في حياتي لدراسته بعمق حتى أفهم دلالات وإشارات الشاعر التي تقود لمرجعيته الفكرية وقاموسه الشعري.
 بعد القصيدة العمودية، سحرني بدر شاكر السياب بتفرده وانعطافاته التي ربما غيرت أو ساهمت بتغيير شكل القصيدة، وجع السياب أنيق، استعاراته دقيقة وعميقة وتحتاج لثقافة حقيقية لسبر أغوار نصه، وقد خرجت منه بعمل عرض كامل مع الفنان العراقي عزيز خيون قدم في اتحاد الأدباء في بغداد في ثمانينات القرن الفائت، وبعدها ونحن داخل العمل وجدته أعمق بكثير من فهمي له أول مرة، وقررت الخوض بعرض آخر لقصيدتين له؛ أنشودة المطر وغريب على الخليج، لم ألحنهما، بل وضعت رؤية موسيقية لهما، وكان الفنان جواد الشكرجي أميناً على نص السياب ومخلصاً في تقديمه بأفضل ما يمكن.
كان لك تجربة خاصة مع أدونيس؟
طلب أدونيس أن أكون في تكريمه بمعهد العالم العربي بباريس عام 2000 وكنت قد قرأت فيما سبق معظم دواوينه وحتى مقالاته، وسرعان ما أسعفني ذلك الاطلاع بعمل ليلة أطلقنا عليها عنوان (ليلة استثنائية) نجحت في باريس، ثم في القاهرة بالمجلس الأعلى للثقافة، ودبي في حفل العويس، والدوحة معرض الكتاب، وافتتاح معرض الكتاب في فرانكفورت والعام الماضي في أبو ظبي وغيرها من دول العالم. كانت تجربتي مع المفكر والشاعر أدونيس ثرية وفتحت لي آفاقاً مهمة جداً في مساري في الفن والحياة خصوصاً عبر حواراتنا المتواصلة، خلال تحضيرنا لتقديم عرض مشترك، وتعلمت منه أشياء كثيرة. الجدير بالذكر هنا أنه حتى إن اختلف معه كثيرون، فأنا أجده في منطقة فكرية بعيدة أحياناً عن خصومه، وهذا ليس تقييماً بقدر ما هو رأي ومعرفة عن قرب.
كيف تقيم تجاربك الموسيقية الأخرى مع محمود درويش وأمجد ناصر؟
انطلقت التجربة المشتركة مع محمود درويش بعد صدور ديوانه (لماذا تركت الحصان وحيداً) وسرعان ما بدأت النصوص تتنافس في جلب اهتمامي لتحويلها إلى أعمال موسيقية قدمناها معاً في تونس وبرلين في دار ثقافات العالم، وآخر عرض مشترك كان قبل رحيله بفترة قصيرة في العاصمة الأردنية عمان. هذه التجربة لها خصوصيتها في وجداني وروحي وأحببت فيها محمود الإنسان الطيب والعنيد والمشاكس وصاحب المشروع الشعري الأبرز.
كذلك كان هناك تعاون مع عدد من الشاعرات في ليلة شهرزاد في مدينة سوسة أواخر التسعينات وأخرى مع الصديق الشاعر أمجد ناصر في القاهرة في المجلس الأعلى للثقافة.. أعتز جداً بالتجربتين لتنوع الأولى وجمالها في طرح قصيدة النثر بطريقة جديدة، والثانية لحضور نص أمجد ناصر القوي والعالي. اليوم أقرأ كل شعراء قصيدة النثر على مستوى العالم وما زلت أخرج من كل نص بفكرة لعمل موسيقي جديد وأخيراً أشعر بالغبطة لأني أرتبط بشاعرة لها نصها الخاص والمختلف، المهتم بالتفاصيل المنسية، ربما هي الأقرب للتصوف مني، الشاعرة السورية لينا الطيبي، شريكة حياة وحلم وأمل.. وقد منحنا الله معاً أجمل قصيدة؛ ابنتنا ليل.
كانت ظاهرة (بيت العود) -وما زالت- أنجح مشروع موسيقي عربي، ما الذي يضمن برأيك استمرارية وازدهار هذه الظاهرة؟
المنهجية، الجدية، دخول الطالب لبيت العود برغبته خارج قوانين العمر والشهادة والدراسة المتعارف عليها في المعاهد الرسمية، طريقة التدريس المكثفة التي تقود الطالب للتطور بسرعة تحفزه على التورط أكثر في عالم الموسيقى، حرصي على متابعة كل طالب على حدة، نجاحات الخريجين في بلدانهم وخارجها شجع الأخرين على اللحاق بأحلامهم وتحقيقها، الاعتماد على جيل من الخريجين من بيت العود كمدرسين كلهم في عمر العشرينات، الحوافز التي يقدمها البيت للطالب وتقديمه على حسب اجتهاده في المحافل المحلية والدولية، وغيرها من الأمور التي يشعر معها الطالب أن الهدف الأساسي لمشروع بيت العود هو تنمية الثقافة، وليس الربح.
 ألا يفكر (مصمم / مُنجز العود المثمن) و(العازف بيد واحدة) أن يصدر كتاباً تعليمياً على غرار جميل بشير؟
لا بد أن أنوه أولاً أنني لم أدّعي يوماً أنني من صمم العود المثمن، بل ذكرت مراراً أنني نفذته، أو حققته بناءً على تصميم ورقي للمعلم الفارابي. بالنسبة للكتاب فقد ظهر كتابي الأول منذُ أعوام بعنوان (أحلام عازف الخشب) من مهرجان أبو ظبي، وله إصداران، الأول مؤلفاتي الموسيقية، وكل ما يحتاجه الطالب، مكملاً لكتاب الراحل جميل بشير، ومنه يدرس طلبة بيوت العود، والثاني كتبه الصديق الذي رحل مؤخراً خضير ميري وهو بمثابة سيرة روائية.
المدرسة العراقية التي تنتمي إليها هي الأكثر حضوراً في ساحة الموسيقى العربية، ورغم ذلك هناك من يزعم أن هذه المدرسة تكرر نفسها دون تجديد.. ما رأي نصير شمة في ذلك؟
إذا كانت هي الأكثر حضوراً فهذا يلغي فكرة التكرار، لكن هنالك -داخل المدرسة نفسها- كثيرون ممن يقلدون تجارب ناجحة، هؤلاء أصبح عددهم كبيراً وهم منتشرون في كل مكان، قد يدفع أداء البعض من هؤلاء لمقولات كهذه، كون التقليد الضعيف ممل، لا يصدقه المتلقي، لذلك يبدو مكروراً، لكن الرموز الأساسية في المدرسة ناجحون بالتأكيد وتلقى عروضهم حضوراً مهماً.
لا بد من القول إن المدرسة أسلوب وشكل يتجدد من جيل لآخر، مهما تغير التكنيك فالهوية حاضرة، ومن لحظات سماع خاطفة تستطيع أن تتعرف على هوية العازف والمدرسة التي ينتمي إليها، وهذا تراكم لن يأتي بسهولة ولن يذهب سدى.
شوهدت مراراً في مخيم الزعتري للاجئين السوريين ضمن سياق أنشطة ومبادرات إنسانية مهمة.. من المؤكد أنه لا يمكن للفن الحقيقي أن يغرد خارج نطاق قضايا الحياة المعاصرة. إلى أي حد انعكست الظروف التي تمر بها المنطقة العربية على الموسيقى العربية عامة؟ وعلى نصير شمة خاصة؟
ما حصل للشعب السوري غير مسبوق في التاريخ بين حاكم ومحكوم، شخص يدمر كل مدن دولته من أجل أن يبقى على كرسي بلا أقدام وبلا قاعدة، مأساة شعب تفرق منه بالشتات ما يتجاوز العشرة ملايين، خارج ديارهم، بلا مأوى، بلا مال، ولا أفق، تتناهشهم المنافي، ثم تلقفهم العالم الذي لم ينصفهم لا عربياً ولا إسلامياً بشكل حقيقي فتركهم مداداً للبحار، عدا دول جوار سوريا التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها أمام امتحان أخلاقي وإنساني، نجح فيه البعض، والبعض يحاول، والكثير أخفق. على المستوى الشخصي غيرت هذه الأحداث والحروب مفاهيمي بعد أن أثرت نتائجها سلباً على مستقبل أطفالنا، نسائنا، ومجتمعاتنا.
لو كنتُ على سدة حكم العراق لبنيت للسوريين مدناً لا خياماً وسط العراء، الشعب السوري قبل ثورته شارك قوته اليومي ومدارسه ومستشفياته مع قرابة مليوني عراقي هربوا من جحيم الحرب والاحتلال.
المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل أحرجت العالم أجمع بقوة موقفها، الذي تستحق عليه جائزة نوبل للسلام بجدارة، لأهمية ما قدمته في لحظة حاسمة، كان البحر يبتلع كل يوم مئات الأشخاص، كانت المراكب تضرب من حرس البحار قبل أن تصل لدولهم، لكنها هي -والشعب الألماني الذي خرج مرحباً ماداً يد العون للشعب السوري- وضعت أوروبا بأكملها والعالم أمام مسؤوليته الإنسانية وساعدت على احتواء آلاف العوائل الذين سرعان ما انتشروا يعملون ويخدمون الأوطان المؤقتة بالوقت الذي لا يُسمح لهم بالعمل في معظم الدول العربية.
 من كل هذا الوجع كان لابد أن أفعل شيئاً، كنت في أول أيام النزوح السوري إلى العاصمة الأردنية التي احتضنت قرابة المليون أو يزيد رغم شح المياه والوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه كما شقيقتها لبنان، وبدأنا حملة (كرفان لكل عيلة) الذي ساعد إلى حد ما في تخفيف معاناة العديد من الأسر المنكوبة وضغطنا كثيراً بعلاقتنا لفتح الحدود العراقية لاستقبال الهاربين من جحيم البراميل المتفجرة والطائرات التي دفع الشعب السوري ثمنها لتقصفه وتلاحقه من مكان لآخر. وبعد ذلك، ونتيجة لسياسات دولية خرقاء، ظهر تنظيم (داعش) الذي حرق الناس والأرض وبدأت جموع النزوح العراقي وأطلقنا (حملة أهلنا) التي أردناها عراقية في انطلاقها والحمد لله افتتحنا مخيمات جيدة بخدمات أساسية وأوصلنا الدواء والمؤن لكل مكان استطعنا الوصول إليه ومازال عملنا متواصلاً.. لدينا الآن مشروع كبير عبر جمعيتنا (أهلنا) يقوم على تحويل الأطفال الأيتام وأولئك الذين بلا مأوى إلى مبدعين في كل مجالات الحياة هذا بالإضافة إلى مشروعي الأساسي جمعية (طريق الزهور) الذي نعالج من خلاله أطفالاً من مختلف مدن العراق، ونتكفل عبره بإجراء عمليات القلب المفتوح في مدينة بانكلور الهندية على يد الجراح العظيم ديفي شتي، وتساعدنا فيه شخصيات إنسانية مهمة من السعودية والبحرين والإمارات ومصر والعراق. وآخر مجموعة مكونة من ثلاثين طفلاً ستسافر خلال أيام إلى ذويهم بعد أن قدم لهم العلاج، لا يوجد في هذه الحياة ما يبهج قلبي أكثر من عودة طفل معافى إلى حضن والديه.
 إلى أي حد تضر السياسة بالموسيقى؟
ليست الحروب وحدها سبب الضرر الذي لحق بالموسيقى والفنون بل عوامل كثيرة، والموسيقى اليوم على المستوى العربي تضررت وتأخر تطورها وتقدمها لصالح التشدد والتطرف والتحريم الذي صار يعتقد أنصاره أنهم فقط من يمتلكون الصواب، عدا عن أن بعض الدول العربية إلى هذه اللحظة لم تفتتح معاهد للموسيقى، أو لا تسمح قوانينها بذلك، مع أن الموسيقى تكاد تكون الشكل الإبداعي الأهم من حيث التأثير الإيجابي على الإنسان وتحويله من مشروع مجرم يفجر نفسه بالأبرياء إلى إنسان حقيقي يحترم النفس التي حرم الله قتلها.
والموسيقى التي أتحدث عنها هي الشكل الإبداعي الذي يسمو بالنفس لأعلى المراتب، وتأخذ بيد الإنسان إلى راحة النفس والسكينة والتأمل، الموسيقى التي صارت علاجاً وعنصراً مساعداً للدعم النفسي والقادرة على جلب حالة من التوازن الروحي للإنسان، الموسيقى التي تخلصه من ضغط الحياة ومكننتها.
ألم يكن الكندي، أحد أهم علماء الإسلام، يعالج بالموسيقى، وله فيها رسائل عميقة وعلمية جداً، ألم تكن الموسيقى بديلاً للمخدر في المرحلة العباسية والأموية والأندلس؟ إذن لماذا هذه الحرب من المتشددين على جمال صنعة الله في الإنسان؟ أليس الوهاب من يمنح البشر مواهبهم وأصواتهم وإبداعهم؟ إذن من أين يأتون بمنطقهم المعادي لطبيعة الإنسان؟ نحن بأموال الموسيقى عالجنا الآلاف من الأطفال بعمليات قلب مفتوح منذُ بداية التسعينات إلى يومنا هذا.
بدءاً بأول مؤلفاتك (الأميرة)، وليس انتهاء بـ (أناجيه على ملأ) احتلت المرأة مكانة مقدسة في الإبداع الموسيقي لنصير شمة. لكننا بالنظر للساحة العربية السابقة والمعاصرة نلحظ غياباً لحضور المرأة العازفة مقابل الرجل. كيف تعلل ذلك؟
من الطبيعي أن يتناول الفنان المرأة في أعماله لأنها المحرك الأول لأهم الإنجازات الشعرية والإبداعية. أقدر المرأة بكل مراحل حياتها وخصوصاً في العالم الثالث، حيث تواجه أقسى الظروف. كذلك أقدر المرأة التي تهتم بفكرها وروحها، المرأة التي أراد الله أن يجسد بها كمال الخلق والعطاء والنبل والتسامح. المرأة أكثر من نصف الحياة والمجتمع ومن لا يعرف قدرها يستحق الشفقة.
أما المرأة العازفة فهي موجودة في بيوت العود وتدرس منذُ سنوات وتقدم عروضاً موسيقية ناجحة ولها دور لا يختلف لا بالحقوق ولا بالواجبات عن زميلها الشاب.
كان العود مكوناً رئيساً في تجربة جيل من العمالقة من الفنانين السعوديين أمثال طلال مداح وعبادي الجوهر، على عكس فناني الحاضر سعودياً وعربياً.. كيف ينظر نصير شمة لهذا الاتجاه؟
العود خليجياً يكاد يكون كما الملح لا يخلو منه بيت، ورواده كُثر، وكذلك من برعوا بالتعامل معه وحققوا لأنفسهم وأوطانهم نجاحات مهمة وجماهيرية كبيرة، وليس غريباً أن هذه الأداة العجيبة كانت على مر ما يزيد عن أربعة آلاف عام مرتبطة بالعلماء والملحنين والمغنين من الكندي والفارابي إلى إسحاق وإبراهيم الموصلي وصولاً لزرياب وهكذا إلى أن نصل إلى يومنا هذا. ولا يمكن أن نتخيل صورة أي اسم كبير من الملحنين والعازفين دون عوده منذ أيام السنباطي إلى عبد الوهاب والقصبجي، ثم إلى طلال مداح، والصديق عبادي الجوهر وقبله فريد الأطرش وهكذا.
كيف تصف علاقتك بالتراث الفني السعودي؟
بالتأكيد تربطني صداقات كثيرة بالجمهور السعودي وبالفنانين السعوديين من التشكيليين إلى الشعراء إلى الموسيقيين والمطربين والصحفيين وكذلك المتذوقين، وكثير منهم يتابعون عروضي في دول العالم، وفي آخر حفل منذُ شهرين حضر عدد كبير من مدن المملكة إلى باريس حيث شهدوا حفل مسرح الأولمبيا الذي خصصناه للسلام العالمي الذي نحتاجه في كل مكان.
أما التراث الحجازي والمكي وغيرهما والأشكال الإيقاعية التي ميزت المنطقة فأعتبرها كنوزاً نغمية نستفيد منها، ولكن مازالت تحتاج إلى دراسة ومنهجية وحصر للفلكلور الشفاهي الذي توصي به اليونسكو كونه يمثل إرثاً إبداعياً جمعياً للمجتمع، ومن هنا تأتي أهميته ولابد من تسجيله في كل مدن المملكة عبر مسح ميداني، والاستفادة من كبار السن الذين يحفظون الكثير منه، وعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها الفنان السعودي فقد استطاع أن يحقق لبلده انتشاراً ومكانة متميزة على مستوى الغناء والتلحين، لكن على صعيد الموسيقى مازال الأمر يحتاج لتوفير مناخ ملائم ومعاهد مختصة، قبل عدة سنوات طُرحت فكرة إطلاق بيت العود العربي في جدة من قبل مهتمين، وقد وافقت على الفور رغم علمي بما سنواجهه من صعوبات، لأن هناك آلاف الشباب ممن يراسلونني راغبين بتعلم الموسيقى، لدي يقين أن العدد سيكون أكبر من التصور في حال حصوله، لكن المشروع اصطدم بعقبات حالت دون اكتماله.
آمل أن يتمكن الجيل الجديد بمساعدة المثقفين السعوديين من مبدعين وغيرهم من أن يأخذ بزمام المبادرة ويحقق أحلامه طالما هي في قلب الجمال ولا تؤذي أحداً.
ليس بعيداً عن الموسيقى، أعجبتني مجموعة تشكيلية من الفنانين الذين اطلعت على تجاربهم، من مختلف مدن السعودية في معرض مشترك أقيم في دار الأوبرا المصرية، وفوجئت بمستوى البعض منهم لما يتمتعون به من حداثة وانفتاح على تطور حركة الفن التشكيلي في العالم، والفن الحديث. بصراحة لم أكن أتخيل ذلك المستوى المتميز كوننا لم نتعرف على الواقع الثقافي والإبداعي لدى أبناء المملكة العربية السعودية إلا في حالات الرواية وقصيدة النثر.
اقترحتم نشيداً وطنياً لبلدكم العراق. كيف كان التجاوب معكم؟
أنجزت منذ فترة وجيزة نشيد العراق وهو من اقتراحي ليصبح النشيد الوطني وطلبت من كل الفنانين العراقيين القادرين على تلحين عمل يليق بأن يكون نشيداً وطنياً للعراق أن يقدموا اقتراحاتهم للشعب، وهو الذي يجب أن يختار ما يمثله وما يليق به، هذه المهمة ليست سهلة، لكن حبي وانتمائي لبلدي يدفعني لمساعدته في كل الطرق والاتجاهات إلى أن تأتي حكومة تقوده لبر الأمان.
كيف تنظر إلى عراق اليوم؟
لقد دفع شعبنا العراقي ثمناً غير مسبوق في تاريخ البشرية من دم أبنائه وسيادته وحرماته وتهجير وتشريد الملايين بين نازح ولاجئ وجريح أو قتيل، ونسأل الله أن يعوض شعبنا خيراً ويمنحنا السلام الذي نحلم به. لابد من وقوف الدول العربية إلى جانب العراق لئلا يُترك فريسة (لن تكون سهلة) بيد دول مجاورة تحلم بالسيطرة عليه مثل إيران أو غيرها.
عودة العراق إلى وضعه الطبيعي ستجعل منه سنداً قوياً للدول العربية، فقوة العراق قوة للعرب، وإضعافه سيجر خراباً مديداً يذكر بغزو هولاكو والتتار، ووجود داعش اليوم ليس إلا غزواً جديداً للتتار، لكن باسم الدين هذه المرة.
ماهي المشاريع التي تعكفون عليها هذه الفترة؟
أعمل على أسطوانة جديدة ستظهر هذا العام وقد تشكل انعطافة مهنية جديدة لعلاقتي مع العود. وأعمل كذلك على افتتاح بيت عود عربي في أوروبا سيكون جسراً بين الثقافتين العربية والأوروبية. كذلك سيشهد بيت العود في القاهرة تخريج دفعة من طلبة سودانيين جاؤوا بمنحة من مؤسسة دال الثقافية في الخرطوم ودرسوا لعامين وبعد تخرجهم قريباً سوف يكونون مؤهلين لتدريس العود وتقديم العروض الموسيقية وتمثيل بلدهم وأنفسهم في المحافل الدولية. كذلك سيشهد بيت العود في أبو ظبي في النصف الثاني من الشهر القادم مايو/ أيار سيشهد حفل تخرج دفعة من عازفي القانون.
كيف يصف نصير شمة هؤلاء:
يوسف عمر
أيقونة المقام العراقي.
طلال مداح
جسر الخليج في المشرق والمغرب.
فيروز
حارسة الأحلام وصديقة العشاق.
محمد عبد الوهاب
الحنجرة النبيلة والأذن الفذة والملحن الاستثنائي.
صباح فخري
صوت لا نشبع من شدة عذوبته.

 

pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات