مجلة شهرية - العدد (538)  | يوليو 2021 م- ذو الحجة 1442 هـ

نوادر الكنافة والقطائف في الأدب العربي

الكنافة والقطائف.. من معالم شهر رمضان المبارك، يتسابق الناس –غنيهم وفقيرهم– في شرائها، والتفنن في إعدادها، فتحتل مكان الصدارة على موائد الصائمين طوال ليالي هذا الشهر الكريم.
ويشير بعض المؤرخين إلى أن أول من قدمت له (الكنافة) هو معاوية بن أبي سفيان عندما كان والياً على الشام، فقال ابن فضل الله العمري في (مسالك الأبصار): (كان معاوية يجوع في رمضان جوعاً شديداً، فشكا ذلك إلى محمد بن آثال الطبيب، فاتخذ له الكنافة فكان يأكلها في السحور، فهو أول من اتخذها)!
وقد شغلت (الكنافة والقطائف) الشعراء والأدباء منذ جاءت دولة بني أمية، شغلت شاعر العربية الكبير ابن الرومي، الذي كان يسر بها سرور (ابن الأحنف) بقرب حبيبته (فوز) وقد كان ابن الرومي نهماً:
قطائف قد حشيت باللوز
والسكر الماذي حشو الموز
تسبح في آذيّ دهن الجوز
سررت لما وقعت في حوزي
سرور عباس بقرب فوز
فلما جاءت دولة الفاطميين، وامتدت ظلالها الوارفة على العرب بالخير، وجعلت من رمضان موسماً كريماً للبذل والعطاء، اختفى أو كاد ما كان يقوله الشعراء في هجاء رمضان.. بل إن الشعراء أخذوا يتنافسون لا في إظهار مشاعرهم نحو هذا الشهر المبارك، الذي أظل الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها بالخيرات.. وإنما تنافسوا وأسرفوا في الحديث عن مباهج رمضان وخيراته، التي كان يجود بها الفاطميون تمكيناً لدعوتهم وتحبيباً للناس في مذهبهم.
تحدثوا وأطالوا الحديث في الكنافة والقطائف وغيرهما من أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون. تحدثوا وأطنبوا في الحديث عن الفانوس، كمظهر من مظاهر الحفاوة برمضان.. وقد اكتسب هذه العادة من جاء بعدهم في عصر الدولة الأيوبية، عصر سلاطين المماليك ثم عصر الإمبراطورية العثمانية.
ولم يقف حديث الشعراء عند حد وصف الكنافة وموائدها، بل تعدى ذلك إلى الحب.. حب الكنافة والهيام بصوانيها، ونبض لياليها والتغزل فيها، حتى صار لها من العاشقين من تغنى بحبها ودلالها وصدها. فهذا شاعر من شعراء الدولة الأيوبية هو أبو الحسين يحيى الجزار، أحب الكنافة حباً عظيماً ملك عليه بطنه وكل مشاعره وأحاسيسه!
فكما تغنى ابن زيدون بحب ولادة، وهام جميل بحب بثينة، وتدله الأحنف في عشق فوز، أحب أبو الحسين الكنافة وتغنى بها.. فالكنافة فتاة أحلامه، وهي المعشوقة التي تأبى عليه وترميه بالغدر تارة، وتحرمه من صوانيها تارة أخرى.. وهو المعذب الولهان الذي يتعجب كيف تتهمه الكنافة بالغدر.. وهو الأمين على العهد، الحافظ للود:
ومالي أرى وجه الكنافة مغضباً
ولولا رضاها لم أرد رمضانها
عجبت لها في هجرها كيف أظهرت
على جفاء صد عني جفانها
ترى اتهمتني بالقطائف فاغتدت
تصد اعتقاداً أن قلبي خانها
ومذ قاطعتني ما سمعت كلامها
لأن لساني لم يخاطب لسانها
وهو يرى في الكنافة والقطائف لذة أعذب وأحلى من لثم المراشف، وشم المعاطف:
تا الله ما لثم المراشف
كلا ولا شم المعاطف
يا ألذ وقعاً في حشا
ي من الكنافة والقطائف
قلما ذهبت الدولة الأيوبية التي كانت تحب الأدب، وتجزي عليه وتفيض بعطفها على الشعراء، وجاءت دولة المماليك البحرية من الأعاجم الذين لم يرحبوا بالشعر والشعراء لأنهم لم يفهموا العربية ولم يتحدثوا بها، لم يجد أبو الحسين بغيته في الكنافة، فراح يبكي لياليها الغر الحسان:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر
وجاد عليها سكراً دائم الدر
وتباً لأيام المخلل إنها
تمر بلا نفع وتحسب من عمري
ففي هذين البيتين نلمح نفسية الشاعر متبرمة ساخطة على أوقات الفقر والضيق التي لا يأكل فيها سوى المخلل وفي ذكره كلمة (تبا) ما يدل على حالة نفسية خاصة. أما البيت الأول فهو دعاء للكنافة بالسقيا بماء الورد والسكر، وهو يدعو لها لأنه يحبها فهو في دعائه يعبر عن شعور داخلي نستشف منه الجوع والحرمان!
وكان الفقراء من الشعراء يستهدون الكنافة من الأعيان والموسرين بشعر فيه إلحاح كبير ودعاية مضحكة وفكاهة مطربة.
وصلة الجزار برمضان صلة طريفة كشخصه الطريف، كما يشير د.رجب البيومي، فقد كان ينتظر هذا الشهر المبارك، لا ليفرغ لصومه وصلاته، كما يفعل الزهدة المتورعون، بل ليلتهم حلواه الجميلة، وليتغزل في كنافته وقطائفه، وليستهدي المياسير من الناس نماذج لذيذة من مشتهياته ومغرياته وشاعر يحتفل بمأكولات رمضان هذا الاحتفال جدير أن نتذكره في شهر الصيام ليكون طرفة من طرائف العذاب!
نشأ الشاعر في أواخر العصر الأيوبي، والملوك يومئذ يقربون الشعراء، ويهتمون بالأدباء، فانتجع الجزار ساحتهم، وأرسل أمداحه في الرؤساء والوجهاء من علية القوم، ثم عاد بالهبات الوافرة والعطاء الكثير، وقد ذاع صيته في مصر فروى العامة شعره، وقرب الخاصة مجلسه منهم، فمازحهم وفاكههم وآكلهم وشاربهم، ورأى على موائدهم من أطايب الطعام، ورقائق الحلوى ما أغراه بالنهم والالتهام، وكانت الكنافة أحب طعام إليه، يتلهف عليها إذا احتجبت عنه، ويتساءل عنها لدى ندمائه وخلانه تساؤل العاشق العميد، فإذا لم يوفق إلى طلبته فرغ إلى شعره يبثه شجونه، ويكاشفه أساه، وأنه ليتخيلها فتاة عاقلة تصد عنه دلالاً ونتهمه بمحاباة القطائف دونها، وترميه بالخيانة الصريحة مع أنها سيدة قلبه ومالكة هواه!! فمحال أن يخون عهدها الزاهر، أو يسلو صباها الفينان!
وعندما ضاقت الدنيا بأبي الحسين الجزار ذرعاً، ورأى أبواب الحكام موصدة دونه، أرسل بقصيدة إلى صديقه (شرف الدين) الذي مازال على عهد الوفاء والجود، قال فيها:
أيا شرف الدين الذي فيض جوده
براحته قد أخجل الغيث والبحرا
لئن أمحلت أرض الكنافة أنني
لأرجو لها من سحب راحتك القطرا
فعجل بها جوداً فما لي حاجة
سواها نباتاً يثمر الحمد والشكرا
والظاهر أن هذا الصنف من الطعام كان له عند هؤلاء الشعراء المحرومين مكانة لا تدانى. فالشاعر هنا يمهد لطلبه بوصف الممدوح بالكرم ثم يشكو فقره واشتياقه إلى الكنافة. وفي البيت الأخير تتجلى نفسية هذا الشاعر المسكين، فهو يريد من الممدوح أن يعجل بإهدائه الكنافة. وقد خشي أن يعطيه شيئاً سواها وهو لا يريد غيرها. لذلك قال بأن الكنافة وحدها هي التي تستوجب عنده جزيل الشكر وعظيم الثناء.
وقد أحب الشاعر المصري المعروف ابن نباتة الكنافة وقال متغزلاً فيها:
يا سيدي جاءتك في صدرها
كأنها روحي في صدري
كنافة بالحلو محشوة
كما تقول العسل المصري
قد خنقتني عبرتي كاسمها
وبادرت من خلفها تجري
ما خرج الفستق من قشره
فيها وقد أخرجت من قشري
ونشرها من طيبها لم يفح
فأعجب لسوء الطي والنشر
فهاك حلوا قد تكفلته
ولا تسل عني وعن صبري
وقال وقد أرسل إليه صحن كنافة، وتذكر بهذا الصحن ابنته التي تعيش في دمشق بعيداً عنه:
ذكرتك والأسماء تذكر بالكنى
فلله يا أسما الكنافة والذكر
يذكر صحن الوجه صحن كنافة
هما الحلو مما تشهد العين والفكر
ليالي فطر الصوم إذ كل ليلة
بإحسان نور الدين عيد: هو الفطر

وإنعامه عندي وشكري عنده
ولكن متى يوفي بإنعامه الشكر
إذا كان ذا جود وشعر يجيبني
وأحسن من شعري له ذلك الشعر
ولم أنس ليلات الكنافة قطرها
هو الحلو إلا أنه السحب الغزر
يجود على ضعفي فأهتز فرحة
(كما انتفض العصفور بلله القطر)
وهذا شاعر يتألم ويشكو لأنه لم يذق طعم الكنافة ولم ترها عينه إلا عند البياع في الدكان. قال:
ما رأت عيني الكنافة إلا
عند بياعها على الدكان
فما أتعس هذا الشاعر المسكين! وما أحوجه إلى العطف والرثاء!
فهذه الليالي التي نعم الشاعر فيها يأكل الكنافة اللذيذة باقية في ذاكرته ولن تفارقه ما دام حياً. ففي تلك الليالي السعيدة في نظره كان حينما يمسك الكنافة بيده يكاد يجن من شدة الفرح والسرور!
ومن الشعراء من وازن بينها وبين القطايف وفضل الكنافة عليها. ومنهم من أظهر الكنافة بمظهر الساخر من القطايف المحتقر لها. ومثال ذلك قول ابن عنين:
غدت الكنافة بالقطايف تسخر
وتقول إني بالفضيلة أجدر
طويت محاسنها لنشر محاسني
كم بين ما طوي وآخر ينشر
لحلاوتي تبدو، وتلك خفية
وكذا الحلاوة في البوادي أشهر
ففي هذه الأبيات ترى الكنافة تزهو بنفسها وتشمخ بأنفها وتتيه كبراً ودلالاً، وتسخر من القطايف سخرية مرة. وتقول الكنافة هنا إنها أحق بالفضيلة من القطايف لأن محاسن القطايف مطوية وحلاوتها محشوة في جوفها، وهذا يغض من قدر القطايف في نظر الكنافة التي تمتاز منها بظهور محاسنها وجمالها، فالكنافة متبرجة سافرة تتصدى للناس وتلفت إليها الأنظار ببهائها وحسن روائها فيعرضون عن القطايف وينهالون عليها. فهي ناجحة في كسب الزبائن بما تثيره فيهم من كامن الشهوة. وهذه ميزات اكتسبت للقطايف.
وكان الشعراء يتبادلون الألغاز في هذا الموضوع، ومثال ذلك ما كتبه ابن نباتة إلى صديق له:
يا واحداً في عصره بمصره
ومن له حسن الثناء والسنا
أتعرف اسماً فيه ذوق وذكا
حلو المحيا والجنان والجنى
والحل والعقد له في دسته
ويجلس الصدر، وفي الصدر المنى
فأجابه بقوله:
عرفتني الاسم الذي عرفته
وكاد يخفي سره لولا الكنى
يقصد بالكنا (الكنافة).
أما القطايف فقد عرفت منذ العصر العباسي، وجاء ذكرها في شعر ابن الرومي وكشاجم وغيرهما، ومنهم من شبهها بحقاق من العاج، ومنهم من شبهها بوصائف قامت بجنب وصائف، ومنهم من شبهها وقد رصت في الأطباق بالمصلين الذين يسجدون وراء الأمام. فالشاعر الذي يقول:
لله در قطائف محشوة
من فستق دعت النواظر واليدا
شبهتها لما بدت في صحنها
بحقاق عاج قد حشين زبرجدا
راعى المنظر العام لهذه القطايف ورأى أن كل واحدة منها تبدو في شكل حق له لون العاج بداخله حشو يشبه الذهب الخالص والشاعر الذي يقول:
وقطائف محشوة بلطائف
طافت بها أكرم بها من طائف
شبهتها نضدت على أطباقها
بوصائف قامت بجنب وصائف
لم ينظر إلى لون القطائف ولا إلى شكلها ولا إلى ما حشيت به بل نظر إلى الطريقة التي وضعت بها في الطبق ولذلك قال. (شبهتها نضدت على أطباقها).
ومنهم من تناول القطايف ولا هم له إلا التلاعب بالألفاظ وإظهار القدرة على استخدام المحسنات اللفظية والمعنوية.
ومن رقيق نظم ابن نباته في القطائف قوله:
وقطائف رقت جسوماً مثلما
غلظت قلوباً فهي لي أحساب
تحلو فما تعلو ويشهد قطرها الـ
فياض أن ندى على حساب
أو قوله:
أقول وقد جاء الغلام بصحنه
عقيب طعام الفطر يا غاية المنى
بحقك قل لي جاء صحن قطائف
وبح  باسم من أهوى ودعني من الكنى
وقال صلاح الدين الصفدي:
رعى الله نعماك التي من أقلها
قطائف من قطر النبات لها قطر
وشكا إلى قاضي القضاة مستهدياً القطر:
لجود قاضي القضاة أشكو
عجزي عن الحلو في صيامي
والقطر أرجو وما عجيب
للقطر يرجى من الغمام
وهذا هو الإمام البوصيري صاحب القصيدة المعروفة بالبردة والتي نظم على غرارها أمير الشعر شوقي قصيدته الشهيرة (نهج البردة) يعتب على قاض في أيامه اسمه (عماد الدين) أنه لم يقدم له كنافة رمضان قال:
ما أكلنا في ذا الزمان كنافة
آه.. وأبعدها علي مسافة
قال قوم إن العماد كريم
قلت هذا عندي حديث خرافه
أنا ضيف له وقد مت جوعاً
ليت شعري لم لا تعد الضيافة
وهو إن يطعم الطعام فما
يطعم إلا لسمعة أو مخافة
ويقول أبو الهلال العسكري في القطائف:
كثيفة الحشو ولكنها
رقيقة الجلد هوائيه
رشت بماء الورد أعطافها
منشورة الطي ومطويه
كأنها من طيب أنفاسها
قد سرقت من نشر ماويه
جاءت من السكر فضية
وهي من الأدهان تبريه
قد وهب الليل لها بردة
ووهب الخصب لها زيه
وقال السراج الوراق في القطائف:
قطائفك التي رقت جسوماً
لماضغها كما كثفت قلوباً
كغيم رق لكن فيه قطر
غدا المرعى الجديب به خصيباً
وقال المرصفي:
وحقك ما أوليتني من قطائف
ألذ وأحلى من وصال القطائف
وقد ضمنت مثل العتاب حلاوة
ألم ترها ملفوفة كالصحائف
ولصلاح الصفدي أيضاً:
أتاني صحن من قطائفك التي
غدت وهي روض قد تنبت بالقطر
ولا غرو أن صدقت حلو حديثها
وسكرها يرويه لي عن أبي ذر
وقال:
ألذ شيء على الصيام
من الحلاوات في الطعام
قطائف فضفضت فتحكي
فرائد الدر في النظام
وقال ابن هبة المصري في القطائف:
وافى الصيام فوافتنا قطائفه
كما تسامت الكثبان من كثب
أهلاً بشهر غدا منه لنا خلف
أكل القطائف من شرب ابنة العنب
من كل ملفوفة بيض إلى آخر
حمر من القلي تشفى جنة السغب
وكتب برهان الدين القيراطي إلى القاضي نور الدين بن حجر:
مولاي، نور الدين ضيفك لم يزل
يروي مكارمك الصحيحة عن عطا
صدقت قطائفك الكبار حلاوة
بفمي وليس بمنكر صدق (القطا)
وقال سيف الدين بن قزل المنشد:
وقطائف مثل البدو
ر أتت لنا من غير وعد
قد سقيت قطر النبا
ت وطيبت بالماء ورد
فحسبتها في صحنها
لما بدت أقراص شهد
وقال (جحظه البرمكي) في بخيل دعاه لأكل القطائف:
دعاني صديق لي لأكل القطائف
فأمعنت فيها آمناً غير خائف
فقال، وقد أوجعت بالأكل قلبه
رويدك مهلاً فهي إحدى المتالف
فقلت له: ما إن سمعنا بهالك
ينادى عليه: يا قتيل القطائف!
وقال كشاجم:
عندي لأضيافي إذا اشتد السغب
قطائف مثل قراطيس الكتب
كأنه إذ تبدى من كثب
كوائر النحل بياضاً وثقب
قد مج دهن اللوز مما قد شرب
وابتل مما عام فيه ورسب
وجاء ماء الورد فيه وذهب
وغاب في السكر عنا واحتجب
فهو عليه حبب فوق حبب
إذا رآه واله القلب طرب
أطرب منه إن أراه ينتهب
كل امرئ لذته فيما يحب
وقال زين القضاة السكندري:
لله در قطائف محشوة
من فستق دعت النواظر واليدا
شبهتها لما بدت في صحنها
بحقاق عاج قد حشين زبرجدا
وقال سعد الدين العربي:
قال القطائف للكنافة ما
بالي أراك رقيقة الجسد
أنا بالقلوب حلاوتي حشيت
فتقطعي من كثرة الحسد
وإن كان عاد فجمع بين القطائف والكنافة فقال:
وقطائف مقرونة بكنافة
من فوقهن السكر المذرور
هاتيك تطربني بنظم رائق
ويروقني من هذه المنثور
وكتب القاضي زين الدين أبي كثير زيد بن عبد الرحمن المغربي إلى صلاح الدين الصفدي ملغزاً في القطائف:
يا مولانا أثقل الله بفواضلك الكوامل، وأجمل بفضائلك الأوايل من الفضائل إن أمكنك أن تلمح هذا اللغز اللطيف، وتعطيه حظاً من سيال فكرك الشريف، تقلد المملوك بدماثة الفكر العميم، وتحل بورود لفظه كما يتحلى بوجود شخصه بين يدي سيد كريم: ما اسم يعتني الصائمون غالباً بتحصيله، وتتنافس الأكابر في جملته وتفصيله، خماسي الحروف في الترصيف والترتيب، سطح الشكالة في البساطة كرسي عند التركيب، إن حذف خمساه رأيته طائراً وسيماً، طالما قص الأثر فاهتدي به وغالب في طرق اللؤم تميماً، وإن اختلس في أوله كان في النفور الحسنية كالبال في الليل البهيم، وفي سورة القلم ناراً أحرقت الجنة التي أصبحت كالصريم.
عزمت على إهدائه غير مرة
إلى بابك العالي فأمسكت عن قصدي
فقد قيل عادات البحاير إنهم
بإهدائه أولى فما جزت عن حدي
فأوضحه لي قولاً وإن شئت صورة
وإن شئت فارسمه فإني له أبدي
قال صلاح الدين الصفدي: فكتبت له الجواب وجهزت له منه صحناً:
أمولاي زين الدين منك مهندي
نداه وإن كان الصلاح عدا يهدي
بعثت بلغز قد حلا منك لفظه
فأجمل ذكر الفضل فضلاً عن الشهد
فسامح فقد أوضحته لك صورة
على أنه لابد من شرح ما عندي
يا مولاي لغزك هذا بديع المعنى، بعيد المبنى، يترشفه السمع سلافة، ويتلقفه البصر ورد اختصاص أراد اقتطافه، فأغربت في قصده، وأحكمت عقد شده دلني على معناه حسن مبناه، وقرب التبيان من معناه، فلك الفضل في حله!
وقال ظافر الحداد:
جام حوى في الظرف كل باب
مستملح منه ومستطاب
فالحسن فيه واضح الأسباب
منقطع الأشكال والأضراب
قطائف لواطف روابي
لم تحش بل رصت بلا أصحاب
في المسك والفستق والجلباب
كأنها ألسنة الأحباب
في الشكل والنكهة والرضاب
ملمسها كوجنة الكعاب
فطعمها كلذة العتاب
من بعد صد طال واجتناب
ومن طريف ما يروي أن المصريين تقدموا بشكوى منظومة إلى (المحتسب) عام 917هـ يتظلمون فيها من ارتفاع أثمان الحلوى، وإن جاءت الشكوى -القصيدة- مهلهلة المبنى والمعنى، حيث قالوا:
لقد جاد بالبركات فضل زماننا
بأنواع حلوى نشرها يتضوع
حكتها شفاه الغانيات حلاوة
ألم ترني من طعمها لست أشبع
فلا عيب فيها غير أن محبها
يبدد فيها ماله ويضيع
فكم (ست حسن) مع (أصابع زينب)
بها كل ما تهوى النفوس مضيع
وكم كعكة تحكي أساور فضة
وكم عقد حلت بها البسط أجمع
وكم قد حلا في مصر من (قاهرية)
كذاك (المشبك) وصله ليس يقطع
وفي ثوبه المنقوش جاء برونق
فيا حبذا أنواره حين تسطع
وقد صرت في وصف (القطائف) هائماً
تراني لأبواب (الكنافة) أقرع
فيا قاضيا محتسباً عسى
ترخص لنا الحلوى تطيب ونرتع!!
ويحضرني ما كتبه الكاتب الصحفي الكبير (أحمد بهجت) الفيلسوف الساخر: (لقد دخلت الكنافة والقطايف تاريخ المسلمين حين خرج الحب من القلوب.. وصار الإسلام سبحة معطلة وفانوساً أثرياً!).
ذو صلة
التعليقات