مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

ثاليدومايد: قصة درامية لدواء حير الأطباء

بعض المركبات الكيميائية لها تركيبة حساسة جداً في مجال الأدوية، لدرجة أن زيادة ذرة واحدة في دواء ما أو فقده لذرة يخل بوظيفته بشكل جوهري, ويكلف اختلاله الكثير والكثير. هنالك مركب كيميائي اسمه ثاليدومايد Thalidomide, ومركب آخر اسمه ريفليميد Revlimid، كل الفرق بينهما في ذرة واحدة، ذرة الأوكسجين في المركب الأول استبدلت بذرة نيتروجين في المركب الثاني, وتغيرت مع هذا الاستبدال خصائص الدواء من وضع خطير سام، إلى أفضل حال يمكن أن يكون عليه الدواء.
ولأهمية الموضوع لا بأس أن نحكي حكايته بالتفصيل.
في عام 1956 طرحت شركة الأدوية الألمانية Grunnenthal دواء ثاليدومايد كأفضل دواء يسكن ويهدئ الألم دون أي أعراض جانبية بزعم الشركة، وقد تأكدت لديهم هذه الحقيقة من خلال العديد من التجارب على الفئران، ووجدوا أن زيادة جرعة الدواء ولو بكميات كبيرة لا تحدث آثاراً سلبية، وكانت لديهم حقيقة قاطعة بارتفاع مؤشر أمان الدواء.
طرح الدواء في السوق الألماني وازداد الطلب عليه حتى في السوق الأوروبي وفي معظم دول العالم, إلا أمريكا رفضت استيراد الدواء. أصبح هذا الدواء بمثابة بندول ذلك العصر، يصرف بشكل اعتيادي ومصنف أنه من الأدوية الآمنة التي تباع فوق الطاولة ودون الحاجة لوصفة طبية.
في بداية مطلع الستينات لاحظ كثير من أطباء الأطفال ظاهرة تشوه غريبة للمواليد، حيث يولدون بدون أطراف، بعضهم بدون أيادٍ وبعضهم بدون أرجل وبعضهم بدون آذان، وسميت تلك الحالات بأعراض (الفقمة) لقصر أطرافهم أو انعدامها. ومما زاد الأطباء حيرة أن مثل هذه الأعراض عادة ما تترافق مع التلوث الإشعاعي إلا أن هذا السبب مستبعد.
في عام 1961 كتب الطبيب نيلسن Nulsen مقالة نشرت في مجلة علمية متخصصة أشار فيها بالأرقام الإحصائية إلى أن دواء ثاليدومايد قد يكون السبب في إحداث تأثير على أجنة الأمهات، وقد نشر مقالته في مجلة علمية لم تصل للرأي العام، بدأ العلماء والأطباء بعد تلك المقالة، بمراقبة حالات الولادات المشوهة، وبعد التمحيص استقر في قناعتهم صدق نتائج بحث نيلسن، وتأكد لدى الجميع أن تناول دواء ثاليدومايد للمرأة الحامل ولو بكميات قليلة (حبتين فقط) يؤدي لإصابة طفلها بتشوهات مستديمة.
وبعد 6 شهور من كتابة نيلسن لمقالته العلمية حصرت حالات الإصابات بتشوهات ثاليدومايد بعدد زاد عن 8 آلاف حالة، معظمها في أوروبا، ومن حينها أصدرت منظمة الصحة العالمية في عام 1962 حظراً على تداول هذا الدواء وتحريمه بشكل مطلق.
ولعظم كارثة دواء ثاليدومايد لم يقتصر تحريمه على النساء الحوامل فقط، بل كان قانون التحريم سارياً على تداول الدواء حتى على الرجال.
نشرت صور تلك التشوهات في الصحف, وأصبح (ثاليدوميد) حديث القاصي والداني في ذلك الوقت، واعتبر أكبر كارثة مر بها تاريخ الطب الحديث، وبدأ الرأي العام يشكك في جميع الأدوية الأخرى حتى أصبحت عند البعض مخاوف من استخدام أي دواء، واستبدل بعض المرضى الأدوية الكيميائية بأدوية عشبية, وزاد الطلب على الطب البديل. توالى التفاعل مع الحدث، حتى أجبرت الشركة الصانعة في ذلك الوقت على دفع غرامة مالية زادت عن 27 مليون دولار.
في الجانب الآخر من العالم الغربي، حُصنت الولايات المتحدة من الإصابة بمرض ثاليدومايد، بسبب قرار حكيم اتخذته وزيرة الصحة الأمريكية الدكتورة كلسي (F. Kelsey)، واعتبرت كلسي بعد ظهور كارثة ثاليدومايد بأنها أكبر حكماء الشعب الأمريكي حينما منعت توريد الدواء إلى أمريكا، ولولا قرارها ذلك لقدر أن يكون هنالك 5 آلاف طفل مشوه في أمريكا بسبب دواء ثاليدومايد.
وكان سبب منعها استيراد الدواء هو أمر يخص عدم اكتفاء التقارير الدوائية المرفقة عن ثاليدوميد في تأثيره على الأجنة، رغم أن الشركة المصنعة أكدت بشكل خاطئ سلامة الدواء للأجنة, وأوصت بأنه آمن للحامل، إلا أنها لم تقتنع بكفاية التقارير.
وبعد مضي 15 سنة من منع الدول وتحريمه عالمياً، بدأ بعض الأطباء يراجعون إمكانية الإفادة من الأعراض الخطرة لدواء ثاليدومايد وتوظيفها في علاج أمراض تتناسب مع آثار الدواء السلبية، فاقترح أحدهم فاعلية الدواء في علاج الجذام leprosy، ذلك المرض المعدي الذي يمتاز بانتفاخات جلدية متضخمة يصاحبها إفرازات مخاطية كثيفة، وكانت حيثية الإفادة من الدواء نابعة من حجة أن الانتفاخات الجذامية هي زيادة في الأورام وأن ثاليدومايد له دور في إيقاف نمو خلايا الجسم كما أوقف نمو جسم الجنين، وأن دواء ثاليدومايد يمنع تدفق الدم عن أجزاء الجسم النامية كما منع تدفق الدم لأطراف الأجنة النامية. 
وبالفعل جرب ثاليدومايد على المصابين بالجذام وأثبت الدواء فعاليته بعد أن فشلت أدوية الجذام في علاج الجذام، وعلى نفس المنوال اقترح أطباء آخرون إمكانية فعالية الدواء لعلاج سرطان الدم المتعدد Myeloma والتصلب اللويحي MS وبالفعل مع تجريبه على المصابين بالسرطان والتصلب اللويحي فأثبت الدواء فاعليته، مع الأخذ بعين الاعتبار منع الحوامل بتاتاً من استخدام الدواء أياً كانت مرحلة الجنين. 
وهكذا، أصبح هذا الدواء محيراً لعلماء الأدوية والأطباء على حد سواء، فبينما كان أكبر مسبب للتشوهات، إذا هو في الوقت نفسه الحل الأمثل لمعظم الأمراض المستعصية. 
 ومع ذلك، لم تدم فرحة دواء ثاليدومايد بتكفيره عن أخطائه السابقة كثيراً، إذ عادت في الثمانينات حالات التشوات الجنينية رغم إرفاق ورقة تحذيرية مع الدواء تحذر الحوامل من استخدامه بشكل قاطع، إلا أن حالات من نساء حوامل استخدمنه جهلاً فأدى ذلك لخروج أطفال مشوهين، كان ذلك الحدث في المناطق الفقيرة من العالم التي تقل فيها التوعية الطبية وسجلت معظم حالات تشوه ثاليدومايد في دولة البرازيل.
وبحادثة البرازيل، عاد موضوع شبح وضحايا ثاليدومايد إلى السطح من جديد بعد غياب دام عشرين سنة، وضج الرأي العام مرة أخرى بحملات تحذيرية لتجميد استخدام ثاليدومايد لأي سبب كان، إلا أن موجة التحذير لم تنجح هذه المرة، إذ لازال يروج لهذا الدواء إلى اليوم كعلاج فاعل للسرطانات والتصلب اللويحي والجذام، وهنالك من دول الشرق أوسط من روجت للأسف للدواء وحضرته في مختبراتها كما في أيران.
في مقابل ذلك كله، وجه علماء الدواء بضرورة تغيير صيغة ثالدومايد الكيميائية، ومحاولة إيجاد صيغ كيميائية أخرى للدواء تعطي فعاليته دون آثاره الجانبية الخطيرة على الحامل، ومع التجريب والاختبار، توصلوا إلى صيغة جديدة للدواء أكثر أماناً، فاستبدلت فيه إحدى ذرات الأوكسجين في بذرة نيتروجين، وارتفعت بهذا التغير البسيط درجة أمان الدواء، وسمى هذا الدواء الجديد ريفليمايد Revlimid. 
قصة ثاليدومايد قصة درامية تجمع بين التراجيديا والكوميدية أبطالها ثاليدومايد والوزيرة كليسي وأشرارها ثاليدومايد نفسه والتشوهات الجنينية.
إن الفصل بين الدمار الكارثي للنفس والأعضاء خيط بسيط يصل لمجرد ذرة واحدة، كما هو حال ثاليدومايد الذي لو تغيرت فيه موقع ذرة واحدة، لتغير معها ثاليدومايد بوصفه أخطبوطاً مخيفاً إلى وصفه غزال وديع، وحال ثاليدومايد يشبه حال أي مركب من مركبات الجسم الحيوية، والتي لو اختلفت صيغتها لصاحب ذلك اختلال نفسي أو صحي على الجسم كحال الثلاسيميا (تكسر الدم المنجلي) الذي هو ناتج من اختلال وحدة واحدة من وحدات جين الهيموقلوبين.
أخيراً، هذا النظام الحيوي في الجسم الرتيب ما كان ليحدث بهذا التصميم البارع إلا من خلال صانع قدير، ولذا خرج على سطح العلم الغربي نظرية جديدة تنافس نظرية التطور وهي نظرية التصميم الذكي Intelligent design تهدف إلى التأكيد على أن النظام الحيوي في الحيوانات والنظام الكوني نظام مرتب وبديع وذكي لا يمكن أن يكون جاء بمجرد صدفة معتبرة. (فتبارك الله أحسن الخالقين).
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات