مجلة شهرية - العدد (530)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الأول 1442 هـ

إعلام الأزمات في العالم العربي

تعد الأزمات مادة خصبة وثرة لوسائل الإعلام الجماهيرية وتحظى بتغطية على نطاق واسع، وتسعى تلك الوسائل لإرضاء جماهيرها حيث إن الحاجة إلى المعلومات متأصلة بعمق في النفس?البشرية، فالناس في حاجة إلى أن يعرفوا الأخبار وخاصة الأخبار السيئة، فالأزمات والكوارث والفضائح والحوادث الطارئة تكون جوهر الأخبار المؤثرة وتحظى بمساحات واسعة في وسائل الإعلام، فالقنوات الإخبارية تركز في تقاريرها  على الأخبار السيئة والأخطاء والحوادث والفضائح التي تقع في المجتمع.

مفهوم الأزمة
من الصعب إيجاد إطار موحد لما يعرف بمفهوم الأزمات لاختلاف وتنوع العلوم التي تناولت هذا المفهوم وقد حدد الباحثون مجموعة من المداخل لدراسة الأزمات، فالمدخل الاقتصادي  يحدد فيه  علماء الاقتصاد مفهوم الأزمة من خلال معايير مثل التضخم والبطالة والكساد وعجز الميزانية.
أما المدخل السياسي فيرجع فيه علماء السياسة الأزمة إلى بعض الظواهر مثل فشل القيادة السياسية أو عدم صلاحية النظام السياسي أو الفشل في تطوير نظام سياسي دولي عادل والمدخل الاجتماعي يمكن رده إلى عدم تحقق المساواة الاجتماعية ونقص الحوافز والدوافع في المجتمع و يرى علماء التاريخ الأزمات كنتيجة لتراكم عوامل عدم الانسجام بين عناصر المجتمع وفيما يتعلق بالمدخل النفسي يعرف علماء النفس الأزمة بأنها انهيار لكيان الأفراد وشعورهم بانعدام أهميتهم ويرجعون ذلك إلى دوافع غريزية أو تأثير قوى اجتماعبة غير واعية.

مفهوم الأزمة إعلامياً
 أصبحت دراسة الأزمات من الدراسات التي تحظى باهتمام متزايد في العصر الحالي، و بالرغم من أهمية دور الإعلام في إدارة الأزمات إلا أن علم إدارة الأزمات إعلاميا مازال اتجاها حديثاً نسبياً وقد أشارت العديد من الدراسات التي تناولت دور الإعلام في إدارة الأزمات سواء الداخلية مثل الأزمات الاجتماعية والبيئية والصناعية أو الأزمات الخارجية الدولية إلى أهمية الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام أثناء وبعد الأزمات، بل إن هذه النوعية من الأزمات تعتمد في إدارتها على وسائل الإعلام كأحد مكونات استراتيجية مواجهة الأزمة.
 ومن الملاحظ أن دراسة الأزمات من المنظور الإعلامي قد تشكلت ملامحها في إطار تناول وسائل الإعلام - وبالتحديد التغطية الإخبارية للأزمات ذات الصبغة السياسية والعسكرية حيث ركزت الدراسات على الحروب وحوادث العنف والإرهاب والأزمات السياسية الداخلية والحروب الأهلية وتعتمد هذه الدراسات بصورة كبيرة على الخبرة الأمريكية في استثمار الإعلام في تحقيق أهداف سياسية بحيث تخدم الاستراتيجية الإعلامية الاستراتيجية السياسية والعسكرية ونرى ذلك بدءاً من حرب فيتنام وصولاً إلى حرب الخليج والحرب على أفغانستان  واحتلال العراق.
وعلى الرغم من أن إعلام الأزمات يعد أحد المجالات البحثية التي نالت اهتمام الباحثين والمتخصصين الإعلاميين في الجامعات ومراكز البحث الأوروبية والأمريكية منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن وتبلورت مفاهيمه النظرية وتطبيقاته العملية إلا أن الدراسات العربية في مجال علاقة الإعلام بالأزمات السياسية والأحداث الأمنية لم تظهر بشكل ملحوظ إلا بعد عقد الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي  وحتى بعد ظهور هذا النوع من الدراسات الإعلامية المتخصصة فإن ما هو موجود منها إنما يمثل بدايات تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة من ناحية والربط بين مجالاتها النظرية والتطبيقية من ناحية أخرى، وما هو موجود في الدراسات الإعلامية التي تتناول الأزمات إنما هو امتداد طبيعي لما هو سائد في نظريات ونماذج التأثير الإعلامي المعروفة  والتي سبقت هذا النوع من الدراسات المتخصصة.
التناول الإعلامي  للأزمات يمكن استخدام وسائل الإعلام في إدارة الأزمات من خلال استخدام الحملات الإعلامية المكثفة للقضاء على الظاهرة أو للإعلام والتوجيه الصحيح لمعالجة هذه الأزمة.
وعلى الجانب الآخر قد تؤدي وسائل الإعلام دورا  سلبيا في معالجة الأزمة عن طريق التعتيم الإعلامي القائم على التجاهل التام للأخبار وعدم إعلام جمهور الأزمة بها. حيث يتم هذا التجاهل بصورتين هما: تجاهل وتعتيم كلي ويتم بعزل جمهور الأزمه عن أحداثها عزلا تاماً..
-  تجاهل وتعتيم جزئي ويتم بإعلام أحد أطراف الأزمة وتجاهل الطرف الآخر.
ويؤكد الباحثون في مجال الإعلام أن التناول الإعلامي للأزمات ينبغى أن يمر بثلاث مراحل يؤدي الإعلام دورا محددا في كل مرحلة:
- مرحلة نشر المعلومات وتكون هذه المرحلة  في بداية الأزمة ليواكب الإعلام رغبة الجماهير في مزيد من المعرفة واستجلاء الموقف عن الأزمة ذاتها وآثارها وأبعادها المختلفة.
- مرحلة تفسير المعلومات وتقوم وسائل الإعلام في هذه المرحلة بتحليل عناصر الأزمة والبحث في جذورها وأسبابها ومقارنتها بأزمات أخرى وفي هذه المرحلة تبرز أهمية تحليلات وآراء الخبراء وموقف المسؤولين وصانعي القرار تجاه الأزمة.
- المرحلة الوقائية وهي مرحلة ما بعد الأزمة وانحسارها حيث لا يتوقف دور وسائل الإعلام على مجرد تفسير الأزمة والتعامل معها بل يتخطى ذلك إلى التعامل مع طرق الوقاية وتعريفها للجماهير للتعامل مع أزمات مشابهة قد تحدث في المستقبل.
ومن واقع متابعتنا ومراجعتنا للدراسات التي تناولت الأزمات وكيفية تعامل الإعلام معها يمكن أن نحدد بعض الضوابط التي يجب مراعاتها في التغطية الإعلامية لأي أزمة:
1 - الدقة في عرض الحقائق والمعلومات وتقديمها للرأي العام بصدق  دون تلوين أو تحريف للحقائق ويجب أن يصاحب ذلك السرعة في نشر المعلومات لإيجاد مناخ صحي يحتوي آثار الأزمة لكن مع هذه السرعة يجب التدقيق في المعلومة المقدمة دون تسرع، وفي الوقت نفسه هناك بعض الأزمات والكوارث ذات التأثير في الرأي العام الداخلي وقد يتطلب التعامل معها حجب أو منع بعض المعلومات حرصاً على المصلحة العامة لكن يجب ممارسة هذا الحجب للمعلومات وفق معايير واضحة وبحرفية إعلامية عالية.
2 - الاهتمام بالتصريحات ذات الطبيعة الرسمية السياسية من مصادر موثوق بها من أجل تشكيل الرأي العام تجاه الأزمة. 
3 - القدرة على التعامل باتزان وعقلانية وعدم الانفعال والانسياق مع الرأي العام فيجب أن تتحلى وسائل الإعلام في وقت الأزمات بالعقلانية وتبتعد عن إثارة وتهييج الرأي العام.

إعلام الأزمات في العالم العربي
تعد المنطقة العربية من أكثر المناطق توتراً في العالم فقد شهدت في العقود الأخيرة العديد من الحروب والصراعات والخلافات السياسية والتي كانت مادة ثرة لوسائل الإعلام الأجنبية والعربية على حد سواء، فمع حرب الخليج الثانية عام 1991 انفردت قناة الـ CNN الأمريكية  بالتغطية ولم يكن هناك سوى الصوت والصورة الأمريكية للحرب وضاع الصوت العربي ومن ثم الرؤية العربية للحرب، أما في حرب الخليج الثالثة فقد نشطت الفضائيات العربية بشكل ملحوظ وأ ثبتت مصداقيتها إلى حد كبير، مثل الجزيرة وأبوظبي وغيرها في التغطية الإعلامية وأصبحت القنوات الأمريكية والغربية تنقل لأول مرة في تاريخها عن القنوات العربية كما حدث في حربأفغانستان وبث رسائل بن لادن زعيم تنظيم القاعدة التي خص بها قناة الجزيرة  وبذلك أصبحت القنوات الفضائية العربية تعمل بشكل مستقل عن المصادر الإخبارية العالمية، وصار للفضائيات العربية مراسلون في الخطوط الأمامية للحرب مما أعاد التوازن لعملية التدفق الإخباري وأكسب تلك القنوات صبغة عالمية وليست عربية وإقليمية فقط.
ولكن مع تعامل وسائل الإعلام العربية وبخاصة الفضائيات العربية  مع الأزمات ولاسيما الحروب وقع الإعلام العربي في أزمة أو لنقل أكثر من أزمة تجلت مظاهرها في المبالغة والتهويل في وصف الأحداث أو السياق الذي ترد فيه  والانتقائية  للقضايا والموضوعات والمواقف تبعاً لمصلحة القوى الفاعلة في الأزمة والوقوع أحياناً في فخ التشخيص الإعلامي الذي يزكي نمطاً معيناً في تعامله مع الأحداث والتركيز على الشخوص والزعامات دون التركيز على الحدث أو الوقوع في فخ أخطر وهو التبعية الإعلامية سواء للسلطة السياسية في الداخل أو للقوى المسيطرة على الأحداث والمعلومات على المستوى الدولي  فالاستقلالية شرط أساسي -في رأينا- في تقديم تغطية تحترم عقل  المتلقي العربي ولا تضلله ومن دون هذا الشرط من الصعب أن تكون موضوعياً ومتوازناً في عرض المعلومات وتفسيرها فحق المتلقي في المعرفة حق أصيل يجب أن يضعه كل إعلامي يحترم مهنته نصب عينيه وأن يعلو هذا الحق على أي مصلحة أخرى.
في النهاية يجب التأكيد أنه في وقت الأزمات تكون وسائل الإعلام أمام اختبار حقيقي، ففي تلك الأوقات من الطبيعي أن يزداد اعتماد المتلقي العربي عليها وقد نجحت وسائل الإعلام العربية ولا سيما الفضائيات العربية إلى حد كبير في هذا الاختبار بالرغم مما شاب أداءها من بعض أوجه القصور وبخاصة غياب التنسيق فيما بينها فقد أدت المنافسة فيما بينها أحياناً إلى تخبط المتلقي العربي وتشويه الحقائق وتقديم تغطيات مجزأة لا تنقل الصورة بشكلها الأوسع  فوسائل الإعلام يجب أن تكون  مرآة للحقيقة لدى المشاهد العربي فهي عين المشاهد الثالثة التي يجب أن تنقل الحدث وتفسره كما هو وأن يكون ولاؤها الأول والأخير له.
ذو صلة
التعليقات