مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الشُعراء الجوالون في المدن رحلة سردية ترصد الغربة داخل الأوطان

الغريب شخص ترفضه الجماعة أو يلفظه المكان دونما سبب جوهري، أو هو الذي يرفض المكان والناس، فيشعر بعدم التجانس والانسجام مع من حوله، وأكثر الذين يشعرون بوطأة هذا الشعور هم الشعراء، الذين يملكون روح التمرد فيحاولون تغيير ذلك الواقع أو يرمونه وراء ظهورهم ويرتحلون إلى أماكن أخرى، بحثأً عن تحققهم أو قول كلمتهم. من هذا المنطلق نرى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي والغربة تعتريه قد كتب معبراً عن زهقه من المدينة ورغبته في الرحيل:

محطة في أسفل المدينة
مسقوفة تضاء في نصف النهار
مواكب المسافرين ضجة حزينة
وساعة تحصي عذاب الانتظار
ويلاقيه الشاعر صلاح عبد الصبور من بعيد، ويحاول الاثنان أن يصلا لبعضهما فيضيعا في الزحام، ويبادره صلاح عبد الصبور قائلاً:
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت .. لا يبكي أحد
ويطل على المشهد من بعيد الشاعر بدر شاكر السياب فينتفض مما ألم بصاحبيه الشاعرين فيصيبه الأسى والحزن ويعبر عن أذرع تلك المدن الموحشة وقد ارتكن إلى السكون:
وتلتف حولي دروب المدينة
حبالاً من الطين يمضغن قلبي
وفي استقبال هؤلاء الشعراء يقف الشاعر عبد الوهاب البياتي في محطة الوصول، ومن وقت لآخر ينظر في ساعة يده، متطلعاً إلى القطار القادم، وما أن يسمع صوته القادم عبر القضيبين يقول:
والعائدون من المدينة:
يا لها وحشاً ضرير
صرعاه موتانا، وأجساد النساء
والحالمون الطيبون
وتجمع الشعراء بعد وصول القطار، وذهبوا للعزاء، فرأوا الشاعر أمل دنقل يستقبل المعزين، ويشد على أيديهم، والدموع في العيون على وشك أن تُذرف فيواسيهم، وهو يضغط على جرحهم:
وخرجت من باب المدينة
للريف: يا أبناء قريتنا أبوكم مات
قد قتلته أبناء المدينة
ذرفوا عليه دموع إخوة يوسف، وتفرقوا
تركوه فوق شوارع الأسفلت والدم الضغينة
يا إخوتي: هذا أبوكم مات.
وهنا يستجيبون إلى دعوة الشاعر سعدي يوسف للخروج من ذلك الحزن المتفجر حولهم ويرددون وراءه:
ونود أن نمضي إلى مدن غريبة
ثلجية الطرقات، مزهرة الأغاني والمنائر
أبوابها صدف، وعتمتها ضفائر
مدن من البلور تجري في منازلها المعاصر.
وينضم إلى القافلة الشعراء نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس فيركبون جمالهم، ويتركون مدنهم، إلى المدن الثلجية البعيدة، وقبل أن ينيخوا جمالهم يلوح لهم من بعيد قسطنطين كفافيس، قلت:
«سأمضي نحو أرض أخرى
فوق بحر آخر
مدينة أجمل من هذه ستتراءى لي
اللعنة تطارد هنا كل أعمالي
وعلى قلبي شاهد من شواهد القبور
حتى متى تبقى روحي في هذا القفر؟».
وما إن يطرقوا باب باريس حتى يطاردهم شبح الشاعر جمال الدين بن الشيخ، فيحدثهم صراحة عما ينتظره من مجهول، فيتكأ عليهم، ويسير معهم في حيرة من أمره:
أحاذي شارعاً بلا ذاكرة
ألفظ الكلمات المنتفخة في فمي
من لغة غريبة
كل خطوة تقطعني من جذر ويداي
تلاطفان حجارة بلا صدى
كل ما هنا يشارك في تلفيقي ويشتت زهوي.
ويلاقيهم الشاعر الفرنسي جيوم أبولينير ويؤكد الصورة المرتبطة بالجدة والغرابة، ويكتب أشعاراً تمزج عالم الواقع بعالم الذكرى:
أيتها المدينة إنك ساذجة كالقلب
وقد أحسست في يدي بخفقان القلبين
قلب المدينة التي لا تؤسر
وقلبي المفاجأ بحياة تملؤه، بعنف.
ومن مكتبة الكونجرس الأمريكي يهل على فضاء باريس الشاعر سان جون بيرس (الحاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1960م) في لغة مشرقة، وغنى يعكس الغرابة والجزالة:
الأردواز يغطي سقوفهم، أو القرميد
حيث تنمو الطحالب
وعبر أنابيب المداخن تتسرب أنفاسهم
. . . . . .
يا لك من مدينة فوق السماء!
وهذه المدينة سرعان ما نجد الغريب عنها وقد انقلب عليها، وغمس قدميها بدماء المقهورين في ضجتها، فيأتي رامبو بأشعاره التي نظمها فيما بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة من عمره:
هذه مدن!
وهذا شعب لأجله قامت من العالم هذه الجبال!
تلك الضجة تقلق صمت الشاعر الإيطالي جوزب أونجاريتي، الذي يتغنى بجمال العالم الجديد في أسلوب متقن، وشكل كلاسيكي، مع سعي للتعبير عن وجدان العصر:
تعرف مدينة
تمتلئ كل يوم بالشمس
كل ما فيها إذن مغتصب
ذات مساء دخلتها
كانت الحشرات تثرثر في قلبها بدأب.
ومن بعيد تظهر عصابات فرانكو المسلحة، في بداية الحرب الأهلية الإسبانية، يصوبون بنادقهم المشرعة إلى الشاعر فيدريكو جارسيا لوركا. وقبل أن تنطلق الطلقات لتخترق قلبه دوت أشعار لوركا ليسمعها العالم:
الحياة ليست حلماً من الأحلام
انتبه! انتبه !انتبه!
نحن نتدحرج إلى أسفل السلالم لنأكل الأرض الرطبة.
وينغلق كتاب التاريخ على المشهد الدامي، تاركاً الآثار الشعرية، والتشكيلية، لتروي تفاصيل فرق الإعدام كما في لوحة الفنان الإسباني جويا «إعدام الثوار».
وتصل القافلة إلى استهلالات ت. س. إليوت الذي فتح عهداً جديداً في الشعر الإنجليزي، فحاز عنه نوبل في الآداب عام 1948 وتأثر به كثير من الشعراء العرب المجددين، المأزومين من الحضارة الحديثة:
إني منفعل بأحلام اليقظة
التي تدور حول هذه الصور
وتتباطأ حين تكون الفكرة
لكائن عذب بلا حدود
يتوجع بلا حدود
امسح شفتيك بيدك واضحك
الكلمات تدور في الحلقة ذاتها بين العجائز
تلملم الحطب من بعض الأراضي المهجورة.
ومن أراضي إليوت المهجورة والخربة تتحرك القافلة إلى روسيا في عهد ستالين، وتقف دقيقة حداداً على روح الشاعر المقهور فلاديمير ماياكوفسكي، التي حررتها خيبة أمل فدفعته إلى الانتحار، وانضموا إلى جان كلارانس لامبير مع برنار نويل اللذين أنشأا جمعية «شعراء بلا حدود» لإقامة صلات بين شعراء العالم فيتعرفون على –عميان- شارل بودلير:
تأمليهم يا نفسي إنهم حقاً بشعون.
وتستمر الرحلة زمن العمر، ويرى بعضهم أنها حلقة مفرغة، فيسلمون بالأمر الواقع، فينتقدهم الشاعر أوجين جيفيك ويخبرهم بما توصل إليه بشكل بسيط ورائق:
المدينة رغم كل شيء
هي كل شيء
عليها أن تكون كل شيء
لأنه لا شيء
نجد أنفسنا فيه سواها.
وتظل الغربة تطارد الشعراء في مدنهم، التي ولدوا فيها، والمدن التي عاشوا فيها، فيرتحلون إلى مدن أخرى أو يعودون إلى مدنهم الأولى، وهم مكتفون بغربة واحدة هي غربتهم داخل أوطانهم.


pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات