مجلة شهرية - العدد (494)  | ربيع الأول 1439 هـ- ديسمبر 2017 م

تشخيص المرض في الشعر العربي

الشعر فن العربية الأول خلد للعرب أمجادهم وفتوحاتهم وأرخ لحياتهم وأهم أحداثها وهو ضمير هذه الأمة وروحها وحادي قوافلها في متاهات الحياة إلى حقول النور وشادي جيوشها في معامعها وحروبها إلى ألوية النصر وخازن تقاليدها الرفيعة وشيمها الإنسانية الراقية ولقد أدرك العرب ما للشعر من رسالة فنية وعلمية وأخلاقية فحوى ديوان شعرهم كافة مناحي الحياة فهو عيونهم وآذانهم وجميع حواسهم التي يطلون من خلالها على عالمهم الخارجي، والشعر مادة طيبة لنشر العلم فهو مادة جيدة وأداة طيعة لتوصيل الأفكار النافعة وحمل أعباء رسالة العلم السامية فلقد ترك لنا كبار الشعراء في ديوان الشعر العربي أشعاراً علمية وأحاجي وألغازاً ومسائل رياضية أتعبت ذهن علماء الرياضيات على عهدهم، أمثال أبى نواس وابن يونس وحمزة والأصفهاني ومحمد بن يحيى وأبى الحسن بن طبا طبا وأحمد بن عمر بن رسته وقبلهم النابغة الذبياني وغيرهم كثير فقد أورد كل واحد مقاطع شعرية أودعها مسائل حسابية لولا الإطالة لاستعرضنا بعض هذه المسائل.

ومن بين ما حوى ديوان الشعر بين أبوابه و أغراضه التي نظم الشعراء فيها قصائدهم بابا لعلم الطب خاصة الناحية التشخيصية لذا نرى شعراء كباراً تلمع أسماؤهم في ديوان الشعر العربي طرقوا هذا الباب وتركوا لنا أشعاراً تحتاج بالفعل إلى إحكام العقل وكد الذهن (بعيدا عن مجالات الجمال ورؤى الإلهام والخيال التي يحتفل بها الشعراء العرب) حتى نقدم وصفا لبعض الأمراض والعلل كما وردت في الشعر العربي.
الحمــى
الحمى نفسها ليست مرضاً ولكنها تظاهرة مرضية بارزة تدل على حدوث خلل ما في الجسم البشري وتعد إشارة حساسة وملموسة على حدوث الإصابة المرضية والحمى أو ارتفاع حرارة الجسم لا تتأثر بالظروف والمنبهات الخاصة مثلما يتأثر النبض والتوتر الشرياني لذا فإن قياسها وحساب معدلاتها يساعدان على تقدير خطورة المرض ومعرفة تطوره ومن ثم التنبؤ بمدته وطرق معالجته.
وترافق الحمى أعراض مزعجة كالصداع وآلام المفاصل والنوافض تمنع المريض لذيذ العيش.
يقول الشاعر يصف الحمى:
وزائرة تزور بـلا رقيب
وتنزل بالفتى من غير حُبّهِ
وما أحد يحب القرب منها
ولا تحلو زيارتها لقلبــه
تبيت ببـاطن الأحشاء منه
فيطلب بعدها من عظم كربـه
وتمنعه لـذيذ العيش حتى
تنغصه بمأكلــه وشربه
أتت لزيارتي من غير وعد
وكم من زائر لا مرحبا به
ومع هجمة الحمى يتبدل لون العليل فيميل إلى الشحوب والاصفرار وإذا ما انتهت نوبة الحمى أعقبها صداع مزعج في الرأس – يقول أبو هلال العسكري:
وأخبر أني رحت في حلة الضنى
ليالي عشر ضامها الله من عشـر
تنفضني الحمى ضحى وعشيــة
كما انتفضت في الدجن قادمتا نسر
تذر علي الورس في وضح الضحى
وتبدله بالزعفران لـــدى العصر
إذا انصرفت جاء الصداع مشمـرا
فأربى عليها في الأذيـة والشـــر
والعماد الكاتب يصف الحرارة التي كانت تنتابه نهارا فيقول:
وزائـــرة وليس بها حيــاء
فليس تزور إلا في النهـار
أتت والقلب في وهج اشتيــاق
ليظهر ما أواري من أواري
ولو عرفت لظى سطوات عزمي
لكانت من سطاي على حذار
تقيم فحين تبصر من أنـــاتي
ثبات الطود تسرع في الفرار
أيا شمس الملوك بقيت شمســا
تنير على الممالك والديــار
أحماك استعارت لفح نــــار
لعزمك لم تزل ذات استعـار
أما المتنبي فقد كان هناك نوع من الحمى تنتابه وقت النوم فتمنعه الرقاد ولذيذ النوم فهي تصيبه ليلا وعندما يطلع النهار وتريد مفارقته تبكي مدامعها سجاما دلالة على ما تجده من التعرق الشديد عندما تفارقه فيقول:
وزائرتي كأن بها حيـــاء
فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعه بأنواع السقـــام
كأن الصبح يطردها فتجري
مدامعها بأربعة سجـام
أراقب وقتها من غير شوق
مراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصدق شر
إذا ألفاك في الكرب العظام
ولما زارت الحمى السفير والأديب أحمد بن علي المبارك أنشأ يقول:
زارت مفتتة العظام وأسرعت
في الدب بين جوانح الأعضاء
لما رمت مني الضلوع بحرها
تركت لرأسي أوفر الأدواء
فبقيت بين قرابتي ملقى على
ظهري أنادي أرحم الرحماء
النقرس
مرض مؤلم يحدث في مفاصل القدم وأصابعها كما يحدث في أصابع اليد يقول الشاعر شاكيا إلى الله من ألم أصابعه من هذا الداء:
أشكو إلى الله ما أصبت به
من ألم في أنامل القــدم
كأنني لم أطأ بها كبـــدا
من حاسد سر قلبه ألمي
ومن المعروف أن النقرس يصيب ذوي النعمة والترف لذلك يسمى داء الملوك، ولكن الشاعر العربي رقيق الحال يتعجب من إصابته فيقول:
أقام بأرض الشام فاختل جانبي
ومطلبه بالشام غير قـريب
ولا سيما من مفلس حلفُ نقرس
أما نقرس في مفلس بعجيب؟
الجدري
مرض جلدي معروف يتميز بظهور بثور حمراء بيض الرؤوس تنتشر في البدن وتتقيح سريعا فيبدو وجه المجدور قد امتلأ بنقط حمراء بارزة و الفيروس المسبب للجدري لا يعيش إلا في جسم الإنسان والجدير بالذكر أن هذا المرض اختفى من سطح الأرض بعد أن أشاع الخراب والأسى آلاف السنين عام 1977م – شوهدت آخر حالة منه في الصومال عام 1977م والجدري هو المرض الوحيد الذي استطاع الإنسان أن يقضي عليه نهائيا، يقول شاعرنا العربي واصفا الجدري:
وجهه للحسن معدن
فتأمل وتبين
 نقــط مـــــن جــــــدري
كدباقي معين
الآم الأسنان
تتوافق آلام الأسنان مع أعراض قوية مؤلمة منها ما يتصل بالأعصاب فتسبب صداعا ومنها ما يكون سببه بعض أنواع البكتيريا والتي تسبب النخر والتسوس ورائحة الفم الكريهة مما يجعل المصاب لا يذوق طعم النوم لذا وصفها شاعرنا العربي قائلاً:
يا من يبيت الليل في تألمه
سهران من نار تشب في فمه
ما ذاك إلا ورم في اللثـة
ربمـا غير طعم الفكهة
تورم في أسفل الأسنان
كــان فيه لهيب النيـران
وربما صير سقف الحلق
كأنــه أحـرق أي حـرق
التِهابُ اللوْزَتَين
اللوزتين هما خط الدفاع الأول ضد أمراض الجهاز التنفسي في الإنسان، والتهابهما هو مرض مؤلم ناتج عن إصابة إحدى اللوزتين أو كليهما بالبكتيريا أو الفيروسات، وأكثر الفئات العمرية إصابة بالالتهاب ما بين العاشرة والأربعين. والسبب: العدوى البكتيرية أو العدوى الفيروسية. حيث إن اللوزتين هما بوابة الحماية للجسم من جهة الفم والأنف. وأعراض إصابتهما: هو ظهور انتفاخ أو ورم مصحوب بألم في الحلق، وصعوبة في البلع، وتشتهر الحالات المزمنة منه بالصداع وآلام في الظهر والشعور بالغثيان وتشنج في الرقبة، كما يبرز في الحلق خراج (تجمع صديدي) بجانب إحدى اللوزتين.  العلاج: الالتهاب البكتيري يعالج بالمضادات الحيوية، وينصح الأطباء بالغرغرة بالماء والملح لتخفيف حدة الألم، كذلك الراحة في الفراش مهمة في مثل هذه الحالات. ويعالج الالتهاب الفيروسي إذا تعددت الشكوى باستئصال اللوزتين، حيث إن العلاج بالمضادات الحيوية لا يجدي في حالة الإصابة الفيروسية.
 يقول الشاعر محيي الدين عيسى، وقد مر بتجربة التهاب اللوزتين:
التهاب اللوزتين
نقمة في نقمتين
أضنتا جسمي فعانيـ
ـت الحمام ليلتين
لم تذق طعم الكرى من
فرط ما قاسيت عيني
سدتا حلقي كسد
شيد بين الصدفين
فيئست العيش أن اليـ
ـأس إحدى الراحتين
فإذا رمت طعاما
لقمة أو لقمتين
كنت كالبالع موسى
حددت من طرفين
أشتهي الماء وأين الماء؟
من ذي الجمرتين
فإذا ما رمته أحسـ
ـب أن قد حان حيني
وحديثي ليس يجتاز
حدود الشفتين
عائدي قد يدرك المعنى
بتحريك اليدين
وجوابي هز رأسي
أو بفعل الحاجبين
أنا إن لم أسطع القول فمـ
ـا ذاك بشين
ما اكتفى دهري ببلوى
فرماني باثنتين
زارت الحمى فدارت
بينها الحرب وبيني
جندها النار وجندي
عبرات ملء عيني
وزفير يتوالى
مئة في لحظتين
وشهيق كدت لا
أوصله للرئتين
ودوي وطنيــــــــــــــن
دائب في المسمعين
بت أخشى منه أن
يخرق سد الطبلتين
فكأني غرض الدهر
تقاضاني بدين
كيف لا أشكو وقد
حاربني من جهتين
أمراض الشيخوخة الشيب « الهرم»
 هي جملة الأعراض الطبيعية التي تصاحب كبار السن منها وهن عام في الجسم وضعف في أعضائه وقلة الحركة والشيب من الظواهر الطبيعية التي تحدث مع تقدم السن وينجم عادة عن نقص تدريجي في وظيفة الخلايا المختلفة في الجسم والتي يتكون في مجموعها وعمرها نشاط الجسم من خموله وفي الشيخوخة يشكو شاعرنا بقوله:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا
أملك رأس البعير إن نفـرا
والذئب أخشاه إن مررت بـه
وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وآخر حزين على ما أصبح إليه حاله في هرمه فيقول:
كفي حزنا أني أدب على العصـا
فيــأمن أعدائي ويبغضني أهلـي
ويوصى بي الوغد الضعيف مخافة
علي وما قام الحواضن عن مثلي
أقم العصا بالرجل والرجل بالعصا
فما عدلت ميلي عصاي ولا رجلي
وقال أعشي بني ربيعة:
فإما تريني حليف العصا
فقد كنت من وثبه خامعا
وساومني الدهر حتى اشترى
شبابي، وكنت له مانعاً
وقال لبيد بن ربيعة:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
لزوم العصا تُحني عليها الأصابع
أخبِر أخبار القرون التي مضت
أدب كأني كلما قمت راكع
وسئل الشاعر العربي الهرم كيف أصبح فقال:
أصبحت لا يحملُ بعضي بعضا
أشكو العروق النابيات نبضا
كما تشكي الأرحبي الغرضـا
كأنما كان شبابي قرضـا
 الأمراض النفسية  «الاكتاب»:
مع أن هذه الأمراض لم تعرف إلا في العصر الحديث، إلا أن الشاعر العربي القديم أسبق في تشخيص هذه الأمراض والحديث عنها، قال أبو الطيب المتنبي:
والهرم يخترم الجسيم نحافــة
ويشيب ناصية الصبيُ ويهرم
وقال آخر:
أناخ علي الهم من كل جـانب
بياض عذاري في سواد المطالب
وما راعني شيب الذوائب بعده
وعندي هموم قبل خلق الذوائب
ولكنه وافي وما أطلق الصبــا
عناني ولا قضى الشباب مآربي
 شحوب الجلد علامة من علامات اعتلال الجسم:
 للشحوب في الطب أسباب فقد يكون لسبب نقص صباغ الملامين في الجلد وقد ينجم الشحوب عن تقلص في الشرايين الصغيرة في الجلد وقد يحدث ذلك أثناء هبوط ضغط الدم الشديد أو الألم المبرح وفقدان الدم الشديد أما في فقر الدم فينجم الشحوب عن نقص خضاب الدم في أوعية الجلد وقد ينجم فقر الدم عن سوء التغذية يقول شاعرنا العربي القديم:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا
كأنك يحميك الطعام طبيب
وهذا آخر ينفي أن يكون قلة الطعام سببا لهزاله فيقول:
وفي جسم راعيها شحوب كأنه
هزال وما من قلة الطعم يهزل
ولم يكن الشعر يقوم بدور التشخيص للأمراض فقط بل أيضا قام بدور علاجي.
ذلك أن تراثنا الشعري العربي لم يكن بعيدا عن فكرة العلاج بالشعر وإنما كان شعراؤنا منذ امرئ القيس على وعي بذلك فأعملوا الشعر لتطهير النفس، فامرؤ القيس الذي يشار إليه بأنه أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى هو أيضاً أول من أشار إلى فكرة الشفاء عن طريق البكاء أو الشفاء بالدموع، يقول امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرة مهراقة فهل
عند رسم دارس من معول؟
والشفاء بالشعر تجربة أكثر نضجاً عند مجنون ليلي أكثر منها عند امرئ القيس حينما يقول:
فما أشرف الأيفاع إلا صبابة
ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وبعد أن طوفنا في هذا المقال مع تشخيص المرض في الشعر العربي نستطيع القول: إن الشعر العربي هو الديوان بل والديوانية أيضاً.

ذو صلة
التعليقات