مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

الأغنية الرمضانية: إبداع أم تخلف

لأن رمضان تسود فيه الروحانيات أصبح أكبر مواسم الإنشاد، فاعتاد بعض المسلمين لقرون إقامة سرادقات الذكر والأدعية والابتهالات والمدح، ووصل إلينا فن الإنشاد بصور متعددة كالتواشيح والغنائيات الإسلامية الشعبية. وفي الربع الأخير من القرن الـ19 لم تكن الحواجز مرتفعة بين الموشحين والمغنين؛ فكلهم مطربون لقب الكبير منهم بالشيخ: كسلامة حجازي وسيد درويش وزكريا أحمد بمشاركتهم في الأذان والتلاوة والابتهال والدعاء.
تحدث الشاعر خليل مطران عن إحياء عبده الحامولي ليلة رمضانية بمئذنة الحسين. وبنهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20 ظهرت مدرسة المشايخ التي فرخت القراء والمنشدين والموشحين: يوسف المنيلاوي، أبو العلا محمد، محمد رفعت. 
كان الغناء في تلك الفترة بدون مصاحبة آلية، اللهم إلا بعض مشايخ نقروا بالمسبحة على أكواب ليحدث رنيناً جذاباً، وتطور الإنشاد للتلحين فاستخدمت اللزمات الموسيقية والإيقاعات وفرق (التخت) و(الجوقة)، وتخرج عمالقة كالشيخ محمد الطوخي، طه الفشني، سيد النقشبندي، انتقلوا للتطريب والتعبير والتأثير وابتكار لزمات وإيقاعات وجمل حوارية سواء بين الآلات أو المنشدين، وتناولت الفرق التراث بقوالب مبتكرة كالدعاء المكثف روحياً ليغنى في خمس دقائق حتى ظهر (الغناء الإسلامي الشعبي) الملحمي لتحافظ في النصف الأول من القرن الـ20 على التراث الغنائي الموسيقي بانفتاحها على كل الإبداعات (صلاح الشهاوي، الإنشاد الديني فن ينتشر في رمضان، جريدة الفنون، العدد 104 – 2009م، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، بتصرف). 
من التقاليد التي عرفت إبان رمضان حفلات رؤية هلاله فكان يسير موكب أهل المهن المختلفة يتقدم كل طائفة نقيبها تسير معهم فرق موسيقية عسكرية من القلعة إلى مجلس القاضي يتقدمهم العلماء ويحفهم المنشدون والشعب، وعندما كانت تثبت الرؤية يقسم الجنود أنفسهم على الأحياء لإعلان الصيام، وكانت الليالي كلها حفلات تتنوع لترتيل القرآن والإنشاد والأهازيج والغنائيات الخاصة بالصيام؛ لاسيما أواخر رمضان. (د.زين نصار، الغناء الديني في رمضان، مجلة كل الناس). 
ويتساءل الملحن حلمي بكر: «هل يمكننا أن نصدق مطرباً يقدم طوال العام كليبات عارية ثم فجأة يغني لرمضان بروحانياته وعباداته.. ينطبق ذلك على مطربات شبه عاريات يروجن أنفسهن وفجأة يقررن الهداية بأغنية رمضانية.. أي سخافة تلك؟! المسألة مسألة مناخ وظروف عصر وهي أولاً وأخيراً مسألة ذوق وإحساس بدونهما لن يكون لأي شيء قيمة فلا تتفاعل الناس مع غنائياتهم لأن المطرب فقد الإحساس الداخلي بالعمل وبأهميته وفاقد الشيء لا يعطيه»، لذلك عاشت أغنيات زمان ولأن الأجيال الصغيرة تناقلتها عن أسرها وأجدادها كموروث تعايشوا معه فارتبط في أذهانهم بأشياء جميلة (أغنيات رمضان ماض يعيش وحاضر يندثر، أخبار مصر، 2008م). وهناك مئات الغنائيات الجديدة نسمعها مرتين.. مثلاً لا يبقى بعدها بداخلنا أو بذاكرتنا شيء منها لتظل أغنية (رمضان جانا) بطلة الشهر لمحمد عبدالمطلب عبدالعزيز الأحمر (1910 – 1980م) كلمات حسنين طنطاوي، تلحين محمود الشريف (منى فوزي، أغنية رمضانية بطعم البيوت، مجلة صباح الخير، 2009م). 
وعندما يغنى عبدالمطلب (من امتى واحنا بنحسب لك ونوضب لك ونرتب لك)، نجد تطويلاً في الإلقاء، فرمضان يحتاج لاستعداد خاص في المنزل والمأكل والمشرب والاستماع والمشاهدة، وعندما يأتي ذكر المسحراتي تصاحب الطبلة الكلمات (يا مسحراتي دق لنا تحت الشباك / سمعنا وافضل غنى لنا للفجر معاك / واعمل ليالي هليلة ثلاثين ليلة حلوة جميلة) (عبد الرازق فؤاد، زينة وفوانيس وإبحار في عالم الأغنية الرمضانية، جريد القاهرة، 2012م) لتضفي شعوراً بالسمو الروحي والفرحة بعد شوق وتزيد المستمع إليها شعوراً بالحب والعطاء للآخرين (سمير شحاتة، تأثير الأغنية الإذاعية الرمضانية على المستمعين، جريدة الأهرام، 2004م). 2012م. تحدث الإذاعي فهمي عمر أن الإذاعة أنتجت في الخمسينات والستينات أكثر من 160 أغنية وأنه حضر تسجيل (رمضان جانا)، وأن هاني شاكر مثلاً له 11 أغنية رمضانية وهناك عدد لا بأس به، ولبعض مطربيها أكثر من أغنية فقد حظيت باهتمام الجميع كأغنية (باب الغفران) لليلى مراد، و(بشراك يا صايم) و(هاتو الفوانيس) لمحمد فوزي، و(فرحة رمضان) لشهر زاد، و(عمك رمضان) للمجموعة، و(أهلاً رمضان) للثلاثي المرح، و(رمضان) لشافية أحمد، و(رمضان) لعباس البليدي، و(يا ولاد حارتنا اتلموا) و(تم البدر بدري) لهدى سلطان، و(حلو يا حلو) لصباح.. إضافة إلى تحفة أواخر رمضان (والله لسة بدري، والليالي الحلوة) لوردة، و(رمضان له فرحة) و(يابركة رمضان) لمحمد رشدي، و(فرحة رمضان) لسعاد محمد، و(شهر الكرم) لأحمد سامي، و(هل هلالك) لعايدة الشاعر... وغيرها.
 يلاحظ أن كبار مطربينا أمثال محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ لم يقدموا أي أغنية رمضانية، وحده فريد الأطرش قدم رائعة بيرم التونسي (هلت ليالي حلوة وهنية / ليالي رايحة وليالي جاية / فيها التجل دايم تملي / ونورها ساطع من العلالي). ومن الأغنيات المشهورة غناء أحمد عبدالقادر، كلمات حسين حلمي المانسترلي، لحن محمود الشريف (وحوي يا وحوي اياحا / رحت ياشعبان اياحا / وحوينا الدار جيت يارمضان / هل هلالك والبدر أهو بان / شهر مبارك وبقاله زمان / محلا نهارك بالخير مليان..)، وهي تعبر عن الفرحة (طول ما نشوفك قلبنا فرحان / كتر خيرك أشكال وألوان / بكرة في عيدك نلبس فستان) (عبدالرازق فؤاد، مرجع سابق) وتترك شعوراً بقبول الخيرات والتقاء الأحبة في ليالي الشهر الكريم، وتضفي البهجة على الأطفال لارتباطها بأضواء الفوانيس المتلألئة. (سمير شحاتة، مرجع سابق) 
استلهام التاريخ
كان جوهر الصقلي باني القاهرة في استقبال المعز لدين الله الفاطمي، حيث وقف الأطفال يمسكون الفوانيس بينما الجنود يوزعون عليهم الحلوى، وكانت هذه المناسبة بداية انطلاق أغنية (اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني)، حيث تم الربط بين الصقلي وبين توزيع الحلوى، في هذا الجو أبدعت (وحوي يا وحوي) كأبرز استهلال لرمضان، فدشنت أول أغنية رمضانية شعبية طبقاً للمؤرخين، مصادر أخرى تؤكد أنها ترجع للفراعنة بدليل كلمة (ايوحة) المأخوذة من كلمة (ايوح) التي تعني (القمر) (فاطمة صقر، جريدة أخبار اليوم 1988م).
هكذا عبر العقل الجمعي الشعبي عن رمضان بأغان تعكس التراث بكل أشكاله، فاستلهم كلمات فرعونية لتعبر بها الطفلة اللبنانية هيام يونس في الأغنية الشهيرة بالفيلم المصري (قلبي على ولدي) عام 1953م بعنوان (فوانيس رمضان) تأليف فتحي قورة، تلحين أحمد صبرة (وحوي يا وحوي اياحه / وكمان وحوي اياحه / اهو فات شعبان واهو جه رمضان ارقصوا يا بنات وقولوا لي كمان وحوي يا وحوي اياحه / يا حلاوة وحوي اياحه / بابا جاب لي فانوس احمر واخضر م السنه للسنه عمال يكبر...)، فرمضان يبهج الأطفال أكثر (محمود قاسم، أغنيات رمضانية سينمائية زفت الشمس إلى البدر المنير، جريدة القاهرة 2012م، وزارة الثقافة). مجدداً أستعيد المعنى في أغنية الكورال بالإذاعة المصرية بمشاركة وأداء الأطفال والكبار لتعكس إشباعات رمضان للجميع وختامه المسك للموعود بليلة القدر (وحوي يا وحوي مرحب رمضان / رمضان جنة جت من الرحمن) (علي فقندش وهناء البنهاوي، أغنيات لاستقباله وأخرى لوداعه، جريدة عكاظ الإلكترونية) غناء محمد منير، كلمات نبيل خلف، تلحين وليد سعد، وهي أفضل من الأغاني المستنسخة التي يرددها زملاؤه ثم يمر رمضان فلا يتذكرون شيئاً منها. الكلمات بسيطة محببة نفتقدها بعد أن هجرها المطربون خوفاً من المغامرة والتجريب ويختتمها منير بنداء المسحراتي (اصحى يا نايم ربك دايم / ده سحور بركة وخير للصايم) (حميدة أبو هميلة، أغنية محمد منير رمضان جنة)، والصورة تزخر بطقوس محببة تجمع الأطفال بالفوانيس والشباب ينشرون تعاليق رمضان التي يتوسطها فانوس كبير.. صانع الكنافة.. بائع القطايف.. الشوارع الضيقة القديمة إضافة لصوت منير العذب وملامحه المصرية الممزوجة بطعم التاريخ والمعاناة، وهي من الأغنيات القلائل التي يعتقد أنها ستعيش لسنوات (منى فوزي، مرجع سابق). 
رمضانيات عربية
تحتفل بعض شعوبنا برمضان، ففي البصرة والكويت وقطر وبعض مناطق الخليج يكون (القرقيعان) او (الوحوي) او (الماجينا) في ليلة الرابع عشر والخامس عشر من رمضان، حيث يخرج الفتية في مواكب يحملون أكياساً يرددون غنائيات أشبه بالأدعية يطرقون الأبواب وهم يرددون: (قرقيعان وقرقيعان / عادت عليكم صيام / كل سنة وكل عام)، ثم يدعون لأهل المنزل فتخرج الأم طالبة الإكثار بالدعاء قبل توزيعها الحلوى والمكسرات عليهم، فيجعلوا الليل كرنفالاً جميلاً. 
في الإمارات الكرنفال ليلة النصف من شعبان بطريقة لا تختلف كثيراً عما أسلفنا، وقد يردد الأطفال أهزوجة تختلف نظماً: (أعطونا حق الله / يرضى عليكم الله / جدام بيتكم دله / عسى الفقر ما يدله)، فيحصلوا على الحلوى بالطريقة نفسها. الطريف أن هناك من لا يرد عليهم فيعاكسونه: (جدام بيتكم طاسه / وعجوزكم محتاسه)، كما يغني الأطفال أغنية (حق الليلة) وهي من غنائيات إذاعة الإمارات (إبراهيم السالم، الأغاني الشعبية والدينية في رمضان). 
في البحرين كان الأطفال يرددون الأهازيج فرحين بمقدم رمضان منها: (حياك الله يا رمضان / يا بو الكرع والبيذجان)، أما الرجال فيذهبون لسماع القرآن في المساجد وكانوا يتباهون بعدد الختمات، وكان من المألوف في شعبان رؤية دقاقي الحب لصنع الهريس مرددين بعض الغنائيات ذات الإيقاع الأخاذ منها: (أجمل صبري على دار الحبيب ابراك / ومن مدامع عيوني ترسن ابراك / يا ريشة العين عيني بلدجي تبراك / والله لأعصي جميع الناس وأطيعك / وأحارب الكون كوني من أصابيعك / والناس ما هي سوى وانظر أصابيعك / وإن ردتني في لك يا حلة الأبراك)، وكان الأطفال يغنون عن الصائم الذي لا يصلي أو عن المصلي الذي لا يصوم: (من صام ولا صلى / غذاه في النار يتقلى / من صلى ولا صام / غذاه في النار زقام). أما البيوت المغلقة فتثير حنق الأطفال فينشدون: (أعطونا نخع وكنار / حتى تروحون النار / أو قريقشون / جدتكم أم القرون / أو ناصفة / جدتكم الصارفة).. وهناك أهازيج تغنى أثناء الألعاب الجماعية (لعبة الحرب أو الغزوة) وفي يوم الكرنكعوه أو القرقاعون، يحتفلون في الرابع عشر أو النصف من شعبان باستقبال رمضان، فيردد الأطفال أناشيد معينة: (عطونا الله يعطيكم / بيت مكة يوديكم / يا مكة يالمعمورة / يا أم السلاسل والذهب يا نورة).. ومن أهم الأحداث ليلة القرقاعون أو القرقشون ليلة الخامس عشر من رمضان وفيها يجمعون الزلابية وغيرها وهم يرددون الأهازيج: (قرقاعون / عادت عليكم / يا الصيام / والليل أقصير / في شهر رمضان...)، ينشدون أيضاً: (قريقشون حلاوة / على النبي صلاوة / أعطونا من مالكم / سلم الله عيالكم)، ويطوف أبو طبيلة للسحور يردد الأدعية الرمضانية ولبعض المسحرين غنائيات خاصة: (سباتوه جارك الله / عندك عجوز مكسرة / سباتوه جارك الله / تمشي وتحلب بقرة)، وفي الليالي الثلاثة الأخيرة يغني بمصاحبة الجمع الذي يرافقه (يالوداع يالوداع يا رمضان / عليك السلام يا شهر رمضان)، ومع ثبوت رؤية هلال شوال يغني الأطفال (باكر العيد بنذبح بقرة / من عندنا أبونا ولاهي مشتره / وانا دي عبدوه كبير الخنفرة)، كما يطوفون من بيت إلى آخر أول يوم العيد مغنين جماعياً: (عيدكم مبارك / عساكم من عواده)، (محمد رجب السامرائي، مرجع سابق، ص 101 – 102 بتصرف). 
ويخرج أهل الشام في الليالي الثلاث الأخيرة مرددين أشعاراً شبيهة بالموشح (الصبح بدا من طلعته / والليل دجى من وفرته / فاق الرسل فضلاً وعلا / هاذي السبل بدلالته)، وفي بغداد يطلقون على ليلة الخامس عشر من رمضان (الماجينا) وأهزوجتهم: (ماجينا يا ماجينا / حلى الكيس واعطينا / اعطونا الله يعطيكم / بيت مكة يوديكم)، كما تردد أغنية الماجينا التي لحنها الفنان سمير بغدادي كل يوم، ولقد اهتم الشعراء في العراق بصياغة ونظم قصائد تمجد رمضان، ووضعت ألحان عدة منها الشعبية ومنها الإسلامية ومنها الرمضانية، فعندما يفطر الصائم يردد دعاء محفوظاً ومعروفاً استخرجه الفنان الراحل روحي الخماش ولحنه لفرقة الإنشاد العراقية من نغم اللامي، ولايزال يردد يومياً: (يا إله الكون إنا لك صمنا / وعلى رزقك أفطرنا وإنا / لصيام الغد يا رب نوينا / فتقبل صومنا يارب منا) (إبراهيم السالم، مرجع سابق).
وتعتبر الثمانينيات العصر الذهبي للأغنية الرمضانية العراقية. في السنوات الأخيرة أنتجت بعض الغنائيات ويوضح الملحن حيدر شاكر الذي أعد مجموعة ألحان لعدة أصوات عبر عدد من الفضائيات. 
إن قلة الأغنيات الرمضانية يكمن في قلة شعرائها لأنها تحتاج لمواهب خاصة لتبسيط المعاني واختيار جمل مبسطة، كما يتطلب من الملحن تقديمها عبر جمل لحنية هادئة وعميقة. 
وغابت الغنائيات القديمة الروحانية إضافة لانتشار الأغنية المعاصرة بأصوات الشباب، ورغم أنها تظهر فضائل رمضان فهي تخطف روحانية الأغنية من خلال اللغة البصرية والمشهدية والإيقاعات السريعة.. مازالت الأغنيات القديمة محفورة بالذاكرة والوجدان ويفوح عطرها بين البيوت والأزقة لوقعها الخاص عند الكثيرين وخصوصياتها الجمالية والروحانية عبر جمعها بين التراث الديني وما يشمله من موشحات وأناشيد والطربي في الطقطوقة الغنائية المعاصرة والتي تزاوج في تركيبتها اللحنية بين الجمل الموسيقية المرتكزة على الأناشيد الإسلامية كالموشحات والأدوار والجمل الطربية الطويلة التي تساعد على البوح الوجداني والعرفاني في طريقة أدائها.
في لبنان يعتبر الفنانان أحمد قعبور وعبدالكريم الشعار أبرز من اهتم بالأغنية الرمضانية. قدم الشعار الأغاني الصوفية أما قعبور فقدم الحكاية الرمضانية المغناة بأصوات الأطفال خاصة أغنية (علو البيارق)، وهي بمثابة أغنية للذاكرة الرمضانية يعرفها القاصي والداني، وللشعار مدائح وأناشيد كثيرة. 
وفي السعودية تتفرد الأغنية الرمضانية في موسيقاها وأشعارها المعبرة عن نبض المسلمين وفرحتهم، كما تعكس فرحة الأطفال بفوانيسه وكرمه للصائمين بالغفران وليلة القدر للموعودين بالإحسان، وارتبطت بعدد من الظواهر الشعبية كالأطعمة والفوانيس والمسحراتي، وارتبطت أيضاً بمجموعة من عباقرة المطربين، فخلدت أسماءهم، وكثيراً ما احتفت الإذاعة السعودية بليلة رؤية الهلال بأغنيات عدة أهمها لطلال مداح؛ لكنها فقدت هناك أيضاً أغنية الفنان عبدالله السلوم (اشتقنا لك يا رمضان) من ألحانه وللفنان الشعبي هاشم باروم (رمضان ذا الجنة)، ولمحمد عبده أغنية (شهر الصيام) والتي سجلها للإذاعة في بداياته، ولعبدالله محمد (ليالي الهنا)، ولحيدر فكري (شهر الصيام يارمضان)، وللموسيقار الراحل طارق عبدالحكيم الكثير من الأغنيات الرمضانية أبرزها (نور الهدى في رمضان) من ألحانه وأشعار الراحل سعيد الهنداوي، وللفنان حسين زقزوق (الله وليك يا صائم) كلمات إبراهيم خفاجي ألحان محمد شفيق ولعمر الطيب (يا الله بعودة)، وللفنان علي باعشن الذي عرف باسم رياض على أغنية (وداع رمضان) ألحانه وكلمات صالح جلال ولعبدالعزيز الراشد (بأمن وسلامة تعود) ألحانه وأشعار سعد الخويطر وللموسيقار سراج عمر عدد من الإبداعات منها (يا طالب الغفران) شعر أحمد سالم باعطب، وتضم المكتبة الإذاعية بجدة أغنية (من صفاء النور) بصوت الفنان البحريني إبراهيم حبيب ألحان محمد شفيق أشعار محمد السيد ندا وللموسيقار غازي علي (نصر الله) بصوته وألحانه كلمات الهنداوي، كما قدم أغنية عن واحدة من أهم مناسبات رمضان (فتح مكة) كلمات الهنداوي ألحان محمود الشريف وكانت الفنانة توحة أحدث من تعامل مع الأغنية الرمضانية بـ(أهلاً أهلاً رمضان) بصوتها وكلماتها وألحانها (علي فقندش، مرجع سابق). 
غنائيات سينمائية وسلوكية
لصباح وفؤاد المهندس أغنية كوميدية (الراجل ده هايجنني) نقدية اجتماعية فالزوجة تشكو تصرفات زوجها التي تتناقض مع روحانيات رمضان: (رمضان قال احمدوه والحمد مش بالشكل ده) كلمات حسين السيد، ألحان محمد الموجي (عبدالرازق فؤاد، مرجع سابق) لتستكمل الزوجة بث ملاحظاتها وعدم التبذير في الأكل، وبعد استعراض أنواع عدة تكفي العمارة يتركها ليأكل الفول، والأغنية بهذه الصورة تنتقد سلوكيات الصيام وترشد استهلاكه، كما تحدثت الأغاني عن المسبحة والسجادة التي ترافق الصائم طيلة رمضان (سبحة رمضان ثلاثة وثلاثين حباية) و(رمضان يا سبحة وسجادة / يا شمعة بالليل منقادة)، وهناك غنائيات عكست الفضائل الاجتماعية، فغنى محمد فوزي (بشراك يا صايم) لبيرم التونسي، ولسعاد محمد (فرحة رمضان)، وهناك أغنيات سينمائية أولها (أشرقت الشمس التهاني) وهي قصيدة غنتها نادية ناجي بطلة فيلم (لاشين) 1938م تأليف أحمد رامي ألحان رياض السنباطي، وهي تحتفي باستقبال رمضان الأغنية الثانية (أغنية رمضان) ألفها جليل البنداري لحنها عزت الجاهلي غنتها نورهان بفيلم (الخير والشر) إخراج حسن حلمي 1946م، أما الأغنية الأشهر (وحوي يا وحوي) غنتها الطفلة اللبنانية هيام يونس في فيلم (قلبي على ولدي) 1953م (محمود قاسم، مرجع سابق). 
روائع كثيرة يصعب تكرارها، والسؤال الآن: ما المعوقات التي تحول دون تقديم أي أغنية حديثة لها جاذبية الأغاني القديمة؟ يؤكد الإعلامي وجدي الحكيم أن السبب الرئيسي تخلي الإذاعة عن دورها الإنتاجي رفيع المستوى كدور رئيسي وأصيل بخلاف التليفزيون الذي كان يصور ويستعير الأغاني من الإذاعة، وهو الدور الذي تفوقت فيه الإذاعة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. 
أصيبت بعض القيادات الإذاعية بالتبلد الفكري وعدم الرؤية والفكر المتحجر وجلست في مواقعها بلا معنى أو هدف، بل أهملت كل الإمكانيات والأستديوهات والكوادر التي كلفت الملايين، والأعداد الكبيرة في كل التخصصات، فلم تستطع الإبداع سواء عن رمضان أو باقي المناسبات. ويرى الموسيقار حلمي بكر «من غنوا لرمضان سابقاً كانوا يملكون الضمير الحي والفكر المستنير والتدين الصحيح، لذلك فكل أعمالهم تجد فيها الإيمان والصدق والأسلوب الممتع، أما الآن فالأخلاقيات رديئة والسلوكيات ناقصة». يعتقد الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عضو لجنة نصوص الأغاني بالإذاعة «أن الإذاعة ليست وحدها المعنية بهذا، فهناك عدد من العناصر التي يجب توافرها لتقديم أغان رفيعة المستوى شعراً ولحناً وأداء إضافة لابتعاد المؤلفين والملحنين والمطربين عن الإذاعة لضعف الميزانية» (موسى حسين، أغاني رمضان ليس في الإمكان أبدع مما كان، جريدة الأهرام). 
رحم الله الموسيقار محمد حسن الشجاعي الذي لعب دوراً كبيراً في إنتاج الإبداعات القديمة الراقية التي لن تتكرر بعد أن افتقدت الأجيال الحديثة قدراتها الإبداعية
ذو صلة
التعليقات