مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

خصوصية الإبداع الجزائري في أعمال عبد الله بن عنتر

رغم أن السمات الرئيسة للفن التشكيلي الجزائري المعاصر تشبه إلى حد بعيد سمات الفنون التشكيلية في الدول التي عرفت وجوداً استعمارياً طويلاً على أرضها، إلا أن الفنانين الجزائريين لم يُظهروا في أعمالهم حالة التخبط بين التناقضات والإشكاليات التي عاشها الفنانون في دول أخرى، والناتجة عن ذلك الوجود الاستعماري وما تركه من ميراث ثقافي في كل مناحي الحياة، فظلّت لوحاتهم ومنحوتاتهم تتمتع بخصوصية فريدة حفظتها بيئتهم البدوية والجبلية على حد سواء، حيث نشأ كبار الفنانين في ولايات جزائرية يفترش بعض سكانها الصحراء فيما يحتل البعض الآخر قمم الجبال، ومنهم الفنان الكبير عبد الله بن عنتر الذي نجح في تجسيد خصوصية الإبداع الجزائري في لوحات ومنحوتات جابت أهم صالات العرض وأكبر المتاحف في العالم.
ولد عبد الله بن عنتر عام 1931 في مدينة مستغانم الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط والمعروفة ببيئتها البدوية الساحرة، ونشأ في عائلة يتقن أفرادها كتابة المخطوطات والشعر الصوفي والموسيقى الأندلسية، فأذكى ذلك روح الإبداع عنده حتى أصبح مع الأيام فناناً يُشار إليه بالبنان. وفي عام 1953 ارتحل إلى باريس واستقر فيها باحثاً في جنبات شوارعها وصالات عرضها ومتاحفها عن كل ما من شأنه أن يقرّبه إلى الفرشاة والألوان.  
بين عامي 1961 و1994، ترّكز عمله على إدخال لمساته الفنية على مئات الكتب القديمة والمعاصرة، من الشرق والغرب، وفي شتى المجالات: كتب التراث الإسلامي والمسيحي، دواوين شعرية من بلاد فارس واليابان وأوروبا والجزائر، مؤلفات عمر الخيام والحلاج وابن الرومي وابن العربي وغيرهم من المفكرين والعلماء والشعراء الذين حملت كتبهم ودواوينهم الشعرية إبداعات ابن عنتر، الذي لم يكتف بتصميم أغلفتها أو وضع الرسوم التوضيحية لبعض مضامينها بل وضع تصميما خاصاً للنصوص في بعضها، وجعل بعضها الآخر ينشر في طبعات ثنائية اللغة كي تعم فائدتها ويزيد انتشارها، ولم يغفل إضافة بصمة خاصة لكل نسخة من الكتب التي عمل عليها، حتى غدا كل واحد منها عملاً فنياً منفرداً بذاته ولا وجود لنسخة ثانية منه متشابهة بالكامل. لقد أمضى هذا الفنان الجزائري الكبير جل وقته في تجميل الكتب وصبغ أوراقها برحيق أفكاره الفنية الخلاّقة، مفنياً أحياناً أسابيع عدة في إنتاج صفحة واحدة، ولم يكن يهدف من وراء ذلك إلى الحصول على مال زائل كان يمكن أن يجمعه بسهولة أكثر من خلال رسم اللوحات الفنية، ولا بحثاً عن شهرة وصلت إليه منذ زمن بعيد.
أما في لوحاته الكثيرة جداً، فثمة اعتماد كبير على البحث العميق والسعي لجعل كل لون فيها معبراً عن دلالة مباشرة تعيدنا على الفور إلى مسقط رأسه في مستغانم، فالألوان المضاءة، والخلفيات الداكنة، والأحاسيس الهادئة، واللعب على تقنيات الظل، كلها توحي بجو الجزائر ومدى حنينه الدائم لها رغم إقامته الطويلة خارجها. حين تتأمل تلك اللوحات التي رسمها بريشته الحُبلى بالألوان، ترى الخصوصية الفريدة فيها، ففي كل لوحة مساحات لا مترامية من الألوان الكثيفة الملتفة بالضباب والمليئة بالغموض والتي لم تنسَ أشعة الشمس أن تتسلل من خلال بعض ثناياها أحياناً كي تدب الحياة فيها! 
وعلى صعيد النقش أو الصور المطبوعة، يمتلك هذا المبدع رصيداً هائلاً منها يتجاوز الستة آلاف لوحة، دفعت رشيد بوجدرة، الكاتب والروائي والشاعر الجزائري، إلى وصف ابن عنتر بأنه (عبقرية وطنية مغمورة)، ذلك أنه قلما يوجد فنان عربي يملك ذلك العدد الكبير من الأعمال التي شغلت جميعها باليد ودون عون أو مشاركة من أحد، بل وأنجزت معظمها في فترات قصيرة نسبياً، وفي مرسمه الباريسي الذي احتضن الجزء الأكبر من حياة هذا الجزائري المغترب. 
في كل لوحة رسمها، أو منحوتة اشتغلها، أو كتاب زيّن صفحاته، دعوة من عبد الله بن عنتر إلى حفلة داخل نفوسنا توقظ فيها الإحساس بروح الفن الجميل الذي رسم خطواته الأولى أجدادنا السابقون وأكمل معالمه من سار على خطاهم فيما بعد، ومنهم فناننا الجزائري هذا، الذي جمع في أعماله بين رحابة أرض الوطن وحرية المنفى الاختيارية، فغدت إبداعاته أزهاراً في صفحات تاريخ الفن المعاصر.
ذو صلة
التعليقات