مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

الدراماتورجيا: سؤال الخانة الفارغة في النقد المسرحي المغربي

طرح فائض الدراماتورجيا في الشعريات القديمة والحديثة أكثر من سؤال, واستدعى للتطارح أكثر من ندوة؛ للإمعان في مساراته ومساءلة تشعباته. ابتداء من مفهوم حدده بافيس بناء على اشتغال متأرجح بين فن التأليف وكتابة نصية منضبطة لاشتراطات العرض, وما بينهما دراماتورجيات لا سبيل إلى حصرها الآن.
أمام هذا الانفجار الكمي حد الالتباس؛ اشتغل السؤال, وانشغل البحث في عمومه وتباين منظوره, مهتجساً بترسيم الحدود بين دراماتورجية كلاسيكية مسنودة بشعرية أرسطو، ودراماتورجيات حديثة متداخلة ومنفتحة على إبدالات متواترة, أفضت إلى تراجع وإحداث تصدعات وثقوب في النص حدد مركزها في العرض.

لقد اكتسح العرض بالتدريج, ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر المساحة التي احتلها النص لقرون, مشرعاً الإبداع والتلقي على أسئلة ومفاهيم غير متداولة ومخصباً أخرى منها مفهوم الدراماتورجيا بطروحات رامت تجهيز النص بعرض متوقع.
على ضوء هذا المتغير راكم النقد المسرحي الغربي ما يكفي من تناول ممسرح ممعن في انزياحات النص, موصول بتنظير مبكر للقطيعة مع الأدبية بسؤال التمسرح, وهذا ما استدعى منا في مستهل هذه الورقة طرح إشكال الـتأريخ للنص النقدي الأول المؤسس للقطيعة مع التناولات الأدبية, هل هو النقد/النقود الموسومة بالدراماتورجية فقط؟ أم المهتجسة بسؤال التمسرح وإن خانها الوسم؟    
قد نتفق مع الباحث المرحوم د.محمد الكغاط حول شرعية انتساب النقد الدراماتورجي إلى شيرر, من باب تركيزه على جانب الإخراج الثانوي في الكتابة الدرامية، إلاّ أن جانباً من إنجاز مبكر قد تم قبل ذلك, من طرف حلقة براغ في الثلاثينيات من القرن الماضي, باستثمارها للحقلين اللساني والسميوطيقي في توليد أسئلة متصلة بالنص الدرامي، وطرحها الجذري لإشكالية المسرح لأول مرة فناً مستقلاً له نسق سميائي، حيث سيتغيّا موكاروفسكي تقويض الأسس النظرية التي قامت عليها بعض نظريات المسرح، ومنها نظرية فاغنر المقرة باستقلالية الفنون, عبر تأكيده على خاصية التفاعل في بنية الفن المسرحي المفضي إلى تجريدها من أية استقلالية، وهذا ما ستتبناه النظريات المحايثة بنيوية وسميائية فيما بعد, وفق إستراتجية داخلية تنتظم العمل وتوجه قراءته وتأويله.
صحيح أن اشتغال (براغ) قد تم تحت وقع الانبهار بالثورة اللسانية لسوسير, التي لم يفصلها عنه سوى سنوات, مما دفع بباحثيها إلى الانخراط في تطبيق التصور اللساني على خطابات متاخمة للغة منها المسرح, إلا أن هذا التجريب سيفضي إلى كشف غير مسبوق للتحولات والعلاقات المتبادلة المفضية إلى التمسرح على غرار الأدبية في الأجناس الأخرى.
في هذا السياق يذهب الباحث تادوز كاوزن في كتابه (سميولوجيا المسرح), إلى أن عامل الترجمة المتأخرة والمتزامنة مع نشأة سميولوجيا المسرح بفرنسا, كان أحد أسباب الغبن الذي لحق بمنجز براغ, لكن على الرغم من إقراره بالتزامن, فكاوزن ينزّه سميولوجيا المسرح بفرنسا من أي تقاطع, من باب نشأة هذه السميولوجيا في استقلالية تامة عن إنجاز براغ. وهذا ما دفعنا إلى التساؤل عن مسوغات الجزم بالاستقلالية، ألا تعزز القراءة الممسرحة التي ستقوم بها آن أوبرسفلد في كتابيها (قراءة المسرح) و(مدرسة المشاهد) من منظور متعدد: نقدي، دراماتورجي، سينوغرافي، واعتمادها على المنهج السميوطيقي لاستجلاء تشكلات النص الدرامي في ارتهانه بالعرض فرضية الامتداد لأعمال براغ بدل القطيعة؟ ألا تشكل المفاهيم والتوصيفات المتصلة بخصوصية النص الدرامي إنضاجاً وتوسيعاً للمفاهيم ذاتها المتداولة في أبحاث بوغاتريف؟ خصوصاً تلك المتعلقة بتحول العلامة في المسرح، التي رأى مبكراً أنها تعطي الانطباع بتحول الواقع, من زاوية أنها لا تلغيه بل تمسرحه ثم (ثقوب النص) التي عرفها فلتروسكي بالفجوات التي تحدثها التوجيهات المسرحية في وحدة النص لتلغى عند العرض هذا إلى جانب خاصية (الفضائية) التي تتساوق من حيث مقاربتها في كتاب (قراءة المسرح) ومقاربة فلتروسكي لها في مبحثه الموسوم بالنص الدرامي كعنصر أساسي في المسرح.
إذن فالسؤال الأساس هو لماذا يتسع مفهوم الدراماتورجيا حد الالتباس ويضيق عند التأريخ له بمنجز براغ؟
اللغة الدرامية عند لارطوما 
 يطرح كتاب (اللغة الدرامية) للارطوما جملة إبدالات متصلة أساساً بتخطيب جديد للنص الدرامي, عبر تشذيره إلى خطابات متخللة مرتهنة بالنص ملعوباً على الركح، ثم بتوسيع حدود لغاته الدرامية, لتشمل لغات قلّما التفت إليها من قبل, كدراماتورجيا (لغة الصمت)، كما تشكل الأسئلة المركزية المتصلة بإمعان الباحث في طبيعة اللغة الدرامية, أهم الإضافات الواسمة لمشروعه الدراماتورجي, بالمقارنة بما تم تداوله في التناولات الدراماتورجية للنص الدرامي، منها ما يتعلق بآليات صوغ لغة النص الدرامي, ومنها ما يتصل بآليات تلقّي هذه اللغة المكتوبة والمنذورة للقول في سياق انضباطها لجدلية المقول والمكتوب, مادام المكتوب محكوم أصلاً بقواعد نحوية وصرفية منظمة, على عكس المقول الذي لا ينتظم على شاكلة نسق الخطاب الأول، حيث في المسرح نكون من وجهة نظر لارطوما إزاء مفارقة, تتمثل في إشكالية التعامل الإجرائي مع نص درامي مكتوب, لكن خاضع لإكراهات عرضه وتداوله شفوياً، وإزاء حالة المؤلف المسرحي الذي عليه الانضباط لنسق الكتابة، أو التحرر منها بسن كتابة شفاهة تنتهك التقعيد بالارتجال، حيث يطرح في هذا السياق إشكال تعالق لغة النص الدرامي بلغة التداول اليومي، حيث الكاتب الدرامي مجبر أن يختار بين أسلوب بدون أخطاء, أو أسلوب الحوادث، أي أسلوب الكلام اليومي, مادام الحوار في اللغة العادية يتميز بالحوادث وتشويه اللغة الناتج عن عيب في الإصغاء, أو سوء تعبير عن فكرة أو انفلاتها بشكل عفوي, أو تغيير مجرى الحديث، حيث على الرغم من سعي المؤلف الدرامي إلى إنطاق شخصياته ملفوظاً منقحاً, إلا أن عوارض اللغة العادية تبدو ضرورية, مادامت الشخصيات تماثل غيرها في الواقع, ليبقى السؤال :هل من الضروري اعتماد أسلوب سهل خال من أي تصنّع, كما هو الحال عند بومارشي؟ أو إنطاق الشخصيات كما لو أنها لم تتكلم قط, كما هو الحال عند جيرودو؟.
 بين البحث والنقد   
وعى البحث الجامعي في المغرب بأهمية ما راكمته الدراماتورجيا في الغرب من مقاربة محايثة، تراعي خصوصية الخطاب المسرحي, وتقطع مع أي تعاطي براني مع النص, مما سرع من وتيرة الترجمة والإعداد التي هيأ من خلالها د.حسن المنيعي إضافة إلى الدرس الجامعي أرضية للتوطين, ثم مشروع القراءة التجريبية لسهرة مع أبي خليل القباني للراحل سعد الله ونوس, حيث سيحدد المرحوم د.محمد الكغاط إطار اشتغاله بمقاربة النص داخل تمسرحه, عبر تركيزه على العناصر التي تتيح نقل الكتابة الدرامية إلى تصور العرض بتقنياته المختلفة, تلتها قراءة إخراجية تطبيقية نموذجية اقتصر فيها على المشهد الأول والثاني من عرض مصور للمسرحية.
أما الباحث د. يونس لوليدي فقد اقترح في كتابه (الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر)، إضافة إلى المنهج المقارن، تحليلاً مناسباً لخصوصية المسرحية ذات البناء الأـسطوري, بدراسة مقومات الفرجة من خلال إرشاداتها الركحية، حيث رامت هذه القراءة الممسرحة الإقرار بتهافت الافتراض المسبق باستحالة عرض النص الميثولوجي, عبر تعيينه لشروط انتقاله إلى مستوى العرض، وقد جاء توصيف النصوص المستهدفة بـ(الدرامية) و(الدرامية الجمالية),  كذا التمييز بين الكاتب المسرحي فقط, والكاتب المخرج؛ مؤشراً مقصوداً من الباحث على أن الإشكالية ليست ميثولوجية بل دراماتورجية.
عدا هذه العينة من منجز دراماتورجي متحدر من أطاريح جامعية, يشتغل النقد المسرحي في غالبه على قضايا متعالية وإشكاليات متصلة بالميتامسرح, أكثر من اشتغاله على المسرح بشقيه النصي والفرجوي. ومن المشاريع النقدية المصرحة باشتغالها الدراماتورجي نجد كتاباً (في التحليل الدراماتورجي) لقمري البشير, وهو مشروع اعتبره الناقد مغامرة في مجال المقاربة الدراماتورجية لنص مسرحية (رحلة العطش) لعبد الحق الزروالي, اعتمد من خلالها بشكل خاص استثمار (ثقوب النص) التي ستتحول عند القراءة إلى (مناصات متفرعة عن النص المركزي لبرمجة القراءة النصية والقراءة الدراماتورجية).
تم كتاب (نحو تحليل دراماتورجي) لأحمد بلخيري, الذي سيضع القارئ منذ البداية, في سياق نقد مسرحي, مقترحاً نموذجاً قرائياً دراماتورجيا لميشال برونر معنوناً بـ(تحليل النص المسرحي) الصادر سنة 2001, حدد فيه نظرياً البنيات الدرامية للنص من إرشادات مسرحية، حوار بنية الفعل الدرامي، حوافز الفعل، إعداد الزمن الدرامي، مقاربة الشخصية، أشكال الخطاب وشروط التلفظ, وهي المفاهيم التي رأى فيها الباحث الخطاطة الدراماتورجية الأمثل لمعاينة العرض بالقوة وليس بالفعل انظر. هكذا فما طرحه كتاب بلخيري من أسئلة, كمحصلة لتشخيص وتقويم بعض (انحرافات) النقد المسرحي بالمغرب, وما أثاره من ردود على مستوى تراجع إنتاج معرفة نصية, جعل مشروع قراءته الدراماتورجية يتحرك في سياق سجالي عام, استهلك جهد الباحث وعطل الجانب الإجرائي المنتظر، يسري هذا أيضاً على كتابه (سيميائيات المسرح) الصادر سنة 2010 الذي جرب من خلاله قراءة ظلت وفية لكتابه (دراسات في المسرح) الصادر سنة 2002 أي قبل كتابه (نحو تحليل دراماتورجي), وذلك على مستوى التركيز على بناء الشخصية في نصي (الجرافات لا تعرف الحزن) و(جسدي مدن وخرائط) للمسرحي العراقي قاسم مطرود, ليعود إلى موضوع النحل والانتحال والاستنحال.
بناء على ما سلف, نعتقد أن من بين الإشكالات المطروحة على المشهد المسرحي المغربي اليوم، هو الوعي بأن أزمة هذا المسرح لا يمكن اختزالها في تعالي المخرج عن النص المغربي،  انعدام ثقافة الإنصات بين الناقد والمبدع مؤلفاً كان أو مخرجاً, بل في رهان الناقد أولاً على ملء خانته بما يكفي من مقاربات دراماتورجية للنصوص حتى لا ينظّر من فراغ. 
في هذا السياق, وعلى الرغم مما أثارته دراماتورجيا النص من جدل على مستوى إنتاج قراءة خارج العرض, بحجة أن النص مهما هيأ من افتراضات؛ يظل محكوماً بقراءة معنية بتفكيك الخطاب اللفظي، وهذا ما ذهب إليه بافيس في كتابه (تحليل الفرجات), من أن انتقال النص الدرامي إلى العرض, يطرح أمام المشاهد/القارئ جملة من الأسئلة والخاصيات التي افتقدها عند قراءته للنص مكتوباً, منها طرائق تداول النص، نطقه، توزيعه بين الممثلين، تفعيله بحركاتهم ولعبهم، مما يضفي معنى إضافياً على النص الأصل, إلا أن الحاجة إلى هذه الدراماتورجيا تبقى في نظرنا ملحة أمام إرث المبدعين الذين قضوا نحبهم أكثر من الأحياء، حيث في غياب إخراج يتفاعل مع هذه النصوص, ألا يمكن للناقد الدراماتورج أن يهيئ هذا النص الغائب للتفاعل, ويغري المخرج اللاهث وراء الاقتباس والتجريب أحياناً بمكامن التمسرح في نصوص حداثية بالقوة، فكثيراً ما نؤاخذ المخرجين على عدم الاكتراث بربيرتوار المسرح المغربي في المهرجانات, دون أن نعي أن من بين أسباب ذلك هو الناقد/الدراماتورج نفسه, الذي يمتلك آليات التحيين وتعيين النصوص, لكنها آليات موقوفة التنفيذ بإرجاء الإجراء, الذي أفضى غيابه من أجندة الناقد إلى غيابه عن أجندة المخرج, الذي يبقى ككاتب تقني لنص سينوغرافي غير ملزم بقراءة فاحصة لنص لغوي. وسيتضاعف هذا الغياب في المهرجانات حيث يتكفل النقد الصحافي بملء الفراغ, في حين ينجذب النقد المتخصص نحو موائد التنظير والتطارح المفضيين إلى السجال, كما هو حال النقود المنخرطة على امتداد عقود في مساءلة الاحتفالية. 
إن الكثير من الإبدالات في المسرح المغربي ظلت جراء الغياب آنف الذكر غير مرصودة, مادام سؤال الثابت هو المتحكم في تداولنا النقدي دون سؤال المتغير المتحكم فيه بالقراءة, من هنا ألا يمكن خارج دائرة التنظير أن نروم إعادة قراءة ربيرتوار المسرح المغربي لتقويم ماركنا إليه من مسلمات وتصنيفات خارجية متداولة: (مسرح هاوي/ احترافي/ احتفالي..؟ وهي تصنيفات مبنية على الأهواء وترسيم للحدود من الخارج، بينما المطلوب هو تقويض هذه المسلمات بقراءة مصنفة للنصوص من الداخل، وذلك بغض النظر عن توجهات أصحابها, بالوقوف على آليات اشتغال لغاتها الدراماتورجية سواء على مستوى النص في سياق عمودي, أو أفقياً بتعيين مناحي الاتصال والانفصال بين مشاريع النصوص/العروض, وفق هذا المنظور ألا تطرح اقتراحات الإخراج وسميأة الإضاءة في أعمال محمد تيمد إشكالية تصنيفه ضمن المسرح الهاوي؟ ألا يتقاطع برشيد في بعض أعماله (الحكواتي الأخير) مثلاً, مع (بشار الخير) لمحمد الكغاط على مستوى نزوح سمايري الكغاط وحكواتي برشيد خارج فضاء الفرجة المجهض, ليبقى تسنين الجسد الفرجوي للسمايري خارج الستار قبل الدقات الثلاث متماهياً مع تسنين جسد الحكواتي بإيماءات متكررة تحيل على تنطعه خارج مدار علبة الآخر. وخارج تنظير الاحتفالية أحياناً, من باب ما يطرحه من تجريب واقتراحات سينوغرافية مغايرة. 
إنها مجرد اقتراحات متواضعة تؤشر على ما يمكن أن توفره دراماتورجيا النص من إمكانات لإعادة قراءة المنجز المسرحي المغربي, ولإعادة النظر أيضاً في رصيدنا من التنظير, انسجاماً مع ما شيده الغرب من شعريات مؤسسة على النصوص.
ذو صلة
التعليقات