مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

مهرجان الجنادرية : من مضمار هجن إلى منبر يعالج قضايا الأمة

تحولات واسعة على مستوى الخطاب الثقافي شهدها المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) الذي تحمل ‏عبء الإشراف عليه منذ عام 1405هـ وحتى اليوم  قطاع الحرس الوطني.‏
فالمهرجان الذي جاء امتداداً لسباقات الهجن التي كانت تشهدها منطقة الجنادرية الصحراوية شمال العاصمة ‏السعودية الرياض منذ العام 1387هـ، تمكن خلال سنوات قليلة من الخروج من محوره الرئيس في دوراته ‏الأولى عن (الموروث الشعبي وعلاقته بالإبداع الفني والفكري في الوطن العربي) ليضع نفسه كأحد أهم المنابر ‏الثقافية التي تطرح وتناقش القضايا الفكرية المعاصرة.‏
تجلت تلك التحولات الثقافية من خلال انتهاج المهرجان لعقد الندوات العامة التي أتاحت الفرصة لتقديم عناوين ‏تلامس هموم الشارع السعودي وكذلك تنفيذ جملة من المحاضرات والأمسيات الأدبية والشعرية خارج إطار ‏الموروث.‏
كان المهرجان الوطني قد اختار في دوراته الخمس الأولى محور (الموروث الشعبي وعلاقته بالإبداع الفني ‏والفكري في الوطن العربي) واستحوذ ذلك العنوان على اهتمام الأدباء والمفكرين حيث دارت ندوات المهرجان ‏ومحاضراته وحتى أمسياته الأدبية والشعرية حوله، وانبرى الأدباء يناقشون قضايا التراث وعلاقة الماضي ‏بالحاضر.‏
ومن بين فعاليات تلك المرحلة على سبيل المثال: ندوة (الأدب الشعبي والأدب الفصيح)، وندوة (نظرات في ‏الأدب السعودي)، وندوة (القصة القصيرة في الجزيرة العربية.. بداياتها وتطورها)، وكذلك ندوة (التنمية الثقافية ‏في الخطة الخمسية الرابعة)، وندوة (عهد المسرح الخليجي). ‏
واعتمد المهرجان الوطني بنسخته الثالثة وحتى التاسعة عدداً من العناوين لمواصلة ذلك المحور وهي (الندوة ‏الثقافية الكبرى) والتي كان من ندواتها على سبيل المثال: (أهمية الموروث الشعبي في الأعمال الإبداعية)، ‏‏(الموروث الشعبي في الفنون الاحتفالية.. الفكاهة والمسرح والموسيقى والرقص) إضافة للتراث التقليدي لملابس ‏النساء في نجد. ‏
قضايا الأمة ‏
منذ الدورة التاسعة عام 1414هـ وإلى دورته الخامسة والعشرين؛ انتهج المهرجان الوطني في نشاطه الثقافي ‏خططاً جديدة تبلورت في اقترابه إلى جانب اهتمامه بإحياء التراث أكثر من مناقشة الواقع العربي عموماً، وإبراز ‏القضايا الإسلامية التي تنعكس أسبابها ونتائجها بصورة أو بأخرى على واقع العرب والمسلمين، ومستقبلهم ‏الاجتماعي والحضاري. ‏
ووجد مهرجان الجنادرية نفسه -مقابل التحديات التي باتت تواجه الأمة بلبوس استعمار فكري يختلف عن سابقه ‏العسكري، تحركه الدعاية الغربية التي باتت تطرح مقولات مجحفة بحق الإسلام والمسلمين من قبيل (الخطر ‏الإسلامي القادم)- أمام مسؤولية كبرى دفعته لأن يطرح عدداً من الندوات والمحاضرات التي تعالج وتتصدى ‏لمثل تلك الإشكالات السياسية والفكرية. ‏
وأقام المهرجان حينها عدداً من الندوات بينها ندوة (الوطن العربي في خضم التحولات السياسية)، (مسؤولية ‏الإعلام في تأكيد هويتنا الثقافية)، (مفهوم الشورى في الإسلام)، (برنامج الدراسات الإسلامية والعربية في ‏الجامعات الأمريكية) وغيرها. ‏
توجه عالمي
لم يتوقف المهرجان أمام محيطه العربي والإسلامي وكان بذات القدر الذي يسعى فيه لتحقيق أهدافه الرئيسة يتجه ‏لتقديم خطاب مواكب للمتغيرات والتحولات التي يشهدها العالم حوله خصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة بين ‏المعسكرين، الاشتراكي والرأسمالي، وتحول العالم إلى دولة القطب الواحد وعاد التنافس التقليدي الجديد بين ‏الدول القومية، وبات العالم يشهد بروز عدد من الأيديولوجيات الفكرية، حيث دفعت تلك العوامل المفكرين ‏وصناع القرار السياسي في العالم لمراجعة مواقفهم، وبات العالم يعيش تحت وطأة ما يسمى بـ(الصراع ‏الحضاري) وبرزت مصطلحات مثل التحدي، والصراع الحضاري الأيديولوجي وغيرها. ‏
سعى المهرجان في سبيل تحقيق مزيد من الحضور الدولي إلى استنهاض كبار الأدباء والإعلاميين والمثقفين من ‏بلدان العالم الخارجي إضافة إلى كبار الأدباء والمثقفين من الوطن والبلدان العربية والإسلامية، وتجلى ذلك في ‏استضافة عدد من الأسماء وطرح عدد من المحاور التي تناقش قضايا سياسية وفكرية وإقليمية عادة ما تكون ‏مواكبة لما تشهدها الساحلة الإقليمية والدولية. ‏
وبات المهرجان يقدم في تلك المرحلة عناوين من قبيل (الإسلام والغرب.. الجذور التاريخية)، (الخطر الإسلامي ‏على الغرب.. بين الحقيقة والوهم)، (الموقف الإسلامي من الغرب.. رؤية معاصرة)، (التجربة السعودية في ‏خدمة الإسلام)، (الإسلام والشرق)، (الأسس المعرفية والفلسفية للإسلام والفكر الديني في الشرق). ‏
واقترب المهرجان من محيطه الإقليمي حيث قدم عدداً من العناوين التي تناقش قضايا الإسلام والعروبة بينها ‏‏(الحوار العربي العربي) و(الحوار الإسلامي الإسلامي) وقد ترتب على هذه النشاطات والمحاور على الساحة ‏المحلية والإقليمية والعالمية أن يبعث الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والسيدة زوجته هيلاري كلينتون رسائل ‏يثنون فيها على المهرجان الوطني ومحاوره المتنوعة. ‏
ومن بين الشخصيات التي استضافها المهرجان: مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا، الأمير تشارلز ولي العهد ‏البريطاني، الدكتور صموئيل هنتغتون، الدكتور جون اسبزيتو، الشيخ إبراهيم جوب، الدكتور حامد نشوي يونغ ‏كيل، الدكتور خورشيد أحمد، المخرج مصطفى العقاد، محمد عابد الجابري، الشيخ محفوظ نحناح، الدكتور ‏رضوان السيد، الدكتور فيتالي نعومكين، الدكتور مراد هوفمان، يفجيني بريماكوف رئيس وزراء روسيا، هلموت ‏فيشر وزير خارجية ألمانيا، الدكتور كمال الدين إحسان أوغلو، الدكتور محمد جابر الأنصاري، الشيخ محمد علي ‏تسخيري، المستشار طارق البشري... وغيرهم كثير من أدباء ومفكرين ورجال إعلام من داخل الوطن ومن ‏البلاد العربية والإسلامية ومن بلدان العالم الخارجي. ‏
واصل النشاط الثقافي مسيرته في هذه الدورات المتتالية وقدم ندوات عالجت كثيراً من القضايا بينها (التطرف ‏والغلو.. الأسباب والعلاج)، (الجهاد والسلام في الإسلام)، (الفضائيات العربية بين النقد والتقويم)، (واقع الأمة: ‏نماذج مقارنة.. الاتحاد الأوروبي أنموذجاً)، (أزمة الخطاب العربي)، (تاريخ وتوقعات المخاطر الطبيعية في ‏المملكة)، (مناخ الاستثمار في المملكة العربية السعودية)، (العالم وثقافة الكراهية.. حول التعصب والهيمنة ‏وصراع الثقافات)، (المعرفة والتنمية). ‏
وتبنى المهرجان لعدة سنوات متواصلة محور (وسطية الإسلام) والذي حاول فيه أن يقيم حواراً بين نشاطاته ‏والجاليات الإسلامية وغيرها في المملكة العربية السعودية. ‏
استضافة دول صديقة
ابتداء من دورة المهرجان الـ23 التي انطلقت بتاريخ 27/2/1429هـ جاء التوجيه باستضافة إحدى الدول الشقيقة ‏أو الصديقة للمشاركة في نشاطات المهرجان الوطني وفعالياته، وفي تلك الدورة استضاف المهرجان جمهورية ‏تركيا الشقيقة، وتواصلت الدعوات لكل من روسيا، فرنسا، اليابان، كوريا الجنوبية، وينتظر أن يستضيف في ‏دورته الـ28 هذا العام جمهورية الصين الشعبية. ‏
واتخذ المهرجان الوطني منذ الدورة الـ25 وحتى تاريخه أسلوباً مغايراً في طرح نشاطه الثقافي يدور حول ‏محاور ثقافية وفكرية متنوعة من قبيل: رؤية الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار والسلام وقبول الآخر، وقدم ‏‏(محور العرب والقوى الإقليمية.. أي مستقبل) ومحور (المثقف العربي والمتغيرات السياسية)، و(الإعلام ‏التفاعلي والشباب والمتغيرات) وقدم عدداً من الورش في هذا السياق.‏
وبدا المهرجان أكثر مواكبة في تقديم محاوره وبات يتناول قضايا من قبيل (الغرب والإسلام فوبيا)، و(مجتمع ‏المعلوماتية واقتصاد المعرفة)، وكذلك (العلاقات الدولية والسياسية الخارجية للمملكة)، و(التجديد في الخطاب ‏الديني والوطني حول المرأة)، (شهادات وتجارب نسائية)، (حركات الإسلام السياسي)، (الثابت والمتحول.. ‏الرؤية والخطاب)، (التنوير في الوطن العربي وإخفاق النهضة)، (السعودية والتوازن الدولي: الإسلام، الطاقة، ‏السلام). ‏
‏(سويس) الأمس.. جنادرية اليوم
الجنادرية كما وصفها الأديب الراحل عبدالله بن خميس -يرحمه الله- هي اسم لروضة تقع إلى الشمال من مدينة ‏الرياض، وهي مصب لعدة أودية، وهي روضة ممتدة ومنقسمة إلى عدة أقسام، منها: الروضة الشمالية والوسطى ‏والجنوبية، وكانت قديماً تسمى روضة (سويس)، وقد ذكرها مجموعة من المؤلفين الذين كتبوا عن المنازل ‏والديار في اليمامة، وهي روضة منبتة تنبت الثقل والحنوة والكرش والحرب والحوذان، وغيرها من النباتات ‏الروضية. ‏
وكانت (سويس) كذلك متنزها لسكان مدينة الرياض، وكانوا يخرجون إليها وقت الربيع، وكان الطريق الذي يبدأ ‏من العاصمة ويمر بالوديان التي تسيل فيها يمر بروضة الجنادرية ويخرج على الرقة ويعتبر هذا طريقاً إلى ‏البصرة. ‏
الجنادرية محطات
‏- 21/1/1405هـ صدر المرسوم الكريم من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز –رحمه الله- ‏في وقت مبكر بإقامة المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالرقم 904.‏
‏- انعقدت دورة المهرجان الوطني الأول في 2/7/1405هـ الموافق13/7/1985م في القرية الشعبية بأرض ‏الجنادرية. ‏
‏- في الدورة الخامسة دعا المهرجان إلى عقد لجنة المشورة الثقافية والتي تم اختيارها من أدباء ومفكرين ‏وإعلاميين على كافة خارطة الوطن، ليلتقوا في الرياض على مدى ثلاثة أيام يتباحثون في خطط النشاط الثقافي. ‏
‏- عام 1415هـ جاء التوجيه الكريم في الدورة العاشرة باختيار أحد الرموز الثقافية للتكريم من يدي خادم الحرمين ‏الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز –رحمه الله-  بوسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى. ‏
‏- ابتداء من دورة المهرجان الـ23 جاء التوجيه الكريم باستضافة إحدى الدول الشقيقة، وتواصلت الدعوات كل ‏من: روسيا، فرنسا، اليابان، كوريا الجنوبية، ويستضيف في هذه الدورة جمهورية الصين الشعبية. ‏
‏- ابتداء من الدورة الـ25 فتح المهرجان قاعاته الثقافية لمشاركة المرأة إلى جانب شقيقها الرجل، وانتهج ‏المهرجان أسلوب توزيع نشاطه الثقافي في أكثر من مكان خارج الرياض؛ فعقد عدة ندوات في كل من: الدمام، ‏الهفوف، جدة، مكة المكرمة، أبها.  ‏

pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات