مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

حصون الأندلس

تشكل الحصون، الهياكل الدفاعية المنيعة، جزءاً من تاريخ البشرية المشترك. وفي الواقع خلفت الحضارات ‏المتعاقبة بإسبانيا أكثر من أربعة آلاف مبنى حربي قديم متعدد الأحجام والأشكال، أكثر من ربعها يعود إلى ‏التراث الإسلامي. وهو ما يدل على أهمية الحصون في التاريخ الإنساني عموماً والإسلامي بالخصوص. وقد ‏شيدت نصف هذه الحصون بين القرنين الثامن والثاني عشر.‏
في بداية الحكم الإسلامي بشبه الجزيرة الأيبيرية وجزر الباليار انتشر بناء الحصون بمختلف أنواعها. وتتميز هذه ‏البناءات بثرائها وتنوعها وانسجامها الشديد مع الواقع الجغرافي والاجتماعي في بدايات العصر الإسلامي وحتى ‏القرن التاسع. ولكن بداية من القرن الثاني عشرة شهدت المعطيات تغيراً مع تقدم المسيحيين باتجاه الجنوب وقدوم ‏الموحدين إلى الأندلس والتركز الكبير للمسلمين المشردين في أراضي  تضيق يوماً بعد آخر.‏
وتعتبر الحصون أنظمة دفاعية مستقلة أو آليات حماية أقامتها الشعوب للتصدي للأنظمة الدينية أو الاجتماعية ‏المعادية وتأخذ في الاعتبار في أغلب الأحيان طبيعة المجتمع أو المجتمعات فيها. وفي الأندلس، وإلى جانب ‏القصور الفسيحة وأبراج الحماية ظهرت كذلك القصور صغيرة الحجم في القرن العاشر, وتتضمن تحصينات ‏صغيرة، وفي الغالب تبنى في أعلى التلال والهضاب المتوسطة مع خزان مائي، وتحيط بها تجمعات سكانية ‏مشتتة خارج السور الرئيس. وبنيت في الأساس لحماية مصادر المياه وصد الأعداء المحتملين. أما الأبراج التي ‏ساعدت على مراقبة الأراضي في الأرياف فقد أدى بعضها دور المراكز الحربية. وتتميز بسعتها الكبيرة مما ‏يسمح للجيش بتركيز حراسة دائمة فيها. وتعتمد كلها مخططاً أو رسماً رباعي الزوايا وبارتفاعها الكبير وقبتها ‏المسننة. وكانت في الغالب في شكل قبة أو قلعة أو قليعة أو برج فيما بعد حسب الفترة التاريخية.                                                     ‏
ويمكن أن تكون الأبراج مربعة الشكل أو دائرية. وقد اعتمدت الجيوش على الأبراج المربعة حتى وقت قريب من ‏تاريخ الأندلس. وفي مقاطعة فالنسيا لا تزال هناك العديد من الآثار المتبقية لهذه الأبراج, ولعل أهمها برج بوفيلا, ‏وهي تعود إلى فترة حكم الموحدين, وقد شيدت من الحجارة الطينية وتتميز بارتفاعها مقارنة بأبراج الأمويين ‏ويمكن اعتبارها النموذج الأصلي المعتمد في بناء الأبراج.‏
أما الأبراج الدائرية، ورغم بساطة شكلها فإنها تلعب دوراً معقداً, وبالخصوص التي تسمى منها أبراج المراقبة أو ‏الطليعة. وتتمثل المهمة الوقائية لأبراج المراقبة بنقل سريع للرسائل التحذيرية إلى مركز المراقبة الرئيس عبر ‏إشارات كالنيران أو الدخان. في القديم كان نقل الرسائل المشفرة بالطرق التقليدية من منطقة غورماز إلى قرطبة ‏مثلاً يتطلب نحو خمس ساعات, ولكن بفضل أبراج المراقبة وعبر إشارات بسيطة كالدخان أصبح من السهل ‏التحذير المبكر عن العدو قبل المباغتة. وقد تواصل بناء هذه الأبراج حتى فترة حكم فيليبس الثاني في القرن ‏السادس عشر, وبالخصوص على السواحل المتوسطية لإسبانيا, وساعدت في التحذير من هجمات القراصنة من ‏البحر. وتتناثر في أنحاء الأندلس بقايا أبراج المراقبة وهي في شكل شبكة اتصال متطورة.                                                  ‏
أما الحصون فكانت تلعب دور الحد الفاصل بين مدينة وأخرى أو مدينة وضواحيها إضافة إلى طابعها الدفاعي أو ‏العسكري. ويمكن أن تخضع المساحة المحصنة بالمدينة إلى التوسع باستمرار مع التزايد السكاني والنشاط ‏التجاري، وذلك بسبب موجات الهجرة نحو مدن الجنوب بالنظر إلى الزحف المسيحي في إطار حملات الاسترداد ‏من ناحية الشمال في نهاية القرن الثاني عشرة, مثال توسيع الموحدين لمدن قرطبة وسيفيل وغرناطة. وعلى هذا ‏الأساس يضم الحصن وسط المدينة مع ضواحي ومقاطعات صغيرة, وهي ترتبط فيما بينها, إضافة إلى وجود ‏قصبة أو مكان إقامة الحاكم مثل القصبة القديمة بغرناطة أو القصبة بمالقة.                                                       ‏
وتتميز القلاع والحصون بأنظمة تحصينية ودفاعية معقدة, ويمكن أن تشيد الحصون من مواد مختلفة, ويمكن ‏كذلك أن تقسم وبشكل عام إلى نوعين: الحجارة, والطين المقوى. وكانت الحجارة تشكل المادة الرئيسة المستعملة ‏في الحصون الكبرى في العهد الأموي، حيث كانت تبنى صفوف عريضة من الحجارة عرضها ما بين 50 و55 ‏سم, ولبناء هذه الأسوار الضخمة يستعمل في الغالب إما الحجر المربع المستمد من البناءات الرومانية القديمة مثل ‏مدينة مريدا غرب إسبانيا، أو الحجارة الطينية التي تصنع من خليط التراب وعناصر أخرى مثل الأغصان ‏والقش والعظام والكلس, وهي تسمح بسرعة بناء جدار صلب ومقاوم. وقد استعملت في بناء عدة معالم مثل قصر ‏الفاكار بقرطبة أو كاليرا بفالنسيا.                                                      ‏
ولهذه الحصون بوابة رئيسة تتصل بباب القلعة الخارجي بواسطة دهليز طويل ينحدر تدريجياً حتى الباب مؤلفاً ‏منعطفاً دفاعياً في منتصفه, ولها ثلاثة أبواب مفتوحة على الخندق, كما ترتكز الحصون على عوامل أساسية ‏أخرى متعددة مثل الماء والخنادق والخراج، هو امتداد للحصن خارج البناء عبر جدار خارجي يمتد إلى الداخل ‏ويتم استخدامه لحماية وتأمين إمدادات المياه من النقطة الخارجية كالأنهار أو العيون إلى داخل الحصن, وذلك ‏بالخصوص في حالات الحصار, ويمكن أن يمتد طوله إلى مئة متر, كما أنه يحمي الاتصالات بين الحصن ‏ونقطة معينة ليست بعيدة. أما الخنادق فقد أعدت وفق الأنظمة الشرقية المعتمدة خلال القرن التاسع. أما القلعة ‏فتتضمن سوراً داخلياً يتألف بدوره من خمسة أبراج دفاعية وحامية، إضافة إلى خندق مائي يفصل بين السورين ‏الداخلي والخارجي.‏
إن الحصون بالأندلس، إلى جانب المعالم الحضارية الأخرى،  تعتبر من الشواهد العجيبة على عظمة التراث ‏الإسلامي الثري والمتجدد، والذي ما إن مر من هناك إلا وكان خير حافظ لذاكرة شعوب أبدعت في مجالات ‏العوم والهندسة والبناء والتخطيط وشتى المعارف. فكانت مصدر إلهام لعديد الاختراعات بأوروبا في فترة لاحقة. ‏وهي تتميز بأحجامها وتصاميمها العظيمة وبخاصة في القرنين التاسع والعاشر. أما اليوم فأغلبها يشهد خراباً كلياً ‏بعد استعمالها وإهمالها أو تدميرها خلال الحروب الأهلية التي تعاقبت في ذلك الوقت، فتحولت إلى حالة يرثى لها ‏من الخراب والضياع. ولكن رغم ذلك مازالت تمثل أحد أعظم الأمثلة لفن الحصون في التاريخ الإنساني، الجديرة ‏بالدراسة والفهم العميق.
ذو صلة
التعليقات