مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الهيب هوب: غنائيات مثيرة للجدل

مع تكاثر أنماط الموسيقى صار من الصعب الاستماع والاستمتاع بنمط أوحد مما ينشر عالمياً وعربياً كـ(الجاز ‏والميتال والهيفي ميتال والراب والهيب هوب ‏Hip hop‏)، ولقد انتشرت الأخيرة خلال السنوات الماضية بشكل ‏واسع لتنافس وتتفوق على العديد من الموسيقات والغنائيات المعاصرة؛ فوصلت مبيعاتها إلى 13,8 % من ‏إجمالي مبيعات الموسيقى الأمريكية.‏
يدمج فن الهيب هوب وغنائياته بين مجموعة من الثقافات الموسيقية التي تم تفكيك أنغامها وتحديث إيقاعاتها ‏ودمج موسيقاها وإضافة بصمة خاصة أنتجت أكثر الموسيقات الصارخة إثارة للجدل بتجسيدها لقضايا الإنسان ‏المعاصر وإشكالياته المختلفة، ورغم أنها موسيقى وافدة على المنطقة العربية من أحياء وشوارع أمريكا إلا أنها ‏موسيقى عالمية وشعبية في آن واحد، تتجاوز الاختلافات الثقافية واللغوية بمفاهيمها وأهدافها المعلنة في ‏الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.‏
فن شعبي أم عنصري
الهيب هوب حركة ثقافية وفنية تجمع بين عدة عناصر. أنشأه الأمريكيون من أصول أفريقية وأمريكية جنوبية ‏خصوصاً جامايكا وبور توريكو في أوائل السبعينيات، وكثيراً ما يخلط بين الراب والهيب هوب فتطلق كلمة راب ‏Rap‏ على ما كان يسمى قائد الاحتفال ‏Master ceremony‏ وهو عادة الشخص الذي يقدم العازفين، أما ‏العنصر الثاني فهو ‏DJ‏ أو الفن الخاص بتشغيل الأسطوانات الموسيقية ودمج الأصوات والمؤثرات بالقصائد التي ‏تستخرج كلماتها من الواقع وتعبر عنه، وكانت بداية تكتب على الجدران وترسم ليقودنا بذلك للعنصر الثالث وهو ‏فن الجرافيتي ‏Graffiti‏ وهو الرسم على الجدران كنوع من التعبير البصري، وهو يرجع إلى العصر الروماني ‏لكنه اتخذ شكلاً معاصراً اختفى عن الهيب هوب طابعاً مرئياً فريداً، ويشكل الرقص أو ‏Breaking Dance‏ ‏عنصراً رابعاً. من ناحية أخرى تعتبر كلمة الراب اختصاراً لجملة ‏Rhythmic African poetry‏ وتعني الشعر ‏الأفريقي المقفى، ولقد استخدمت الكلمة في اللغة الإنجليزية بمعنى (يقول) منذ القرن الـ18م وباتت جزءاً من لغة ‏الأمريكيين الأفارقة منذ الستينات، والراب نوع غنائي صاخب الأنغام متقطع الإيقاع وأحياناً بدون إيقاع نهائي ‏مجرد سرد سريع يجري فيه التحدث وترديد الأغنية بقافية معينة دون الالتزام بلحن معين أو إيقاع فيما يعرف ‏بالنمط الحر (فري ستايل)، وعامة فإن صوت المغني ليس هو المعيار إنما نبضات الموسيقى وكلمات الأغنية، ‏وهكذا فالراب من حيث الأسلوب يقع في منطقة رمادية وسطى بين الكلام والشعر والنثر والغناء يقوم المؤدي ‏بترديد (وليس غناء) إيقاعي سريع لكلمات تتكون من عدد كبير من القوافي تعالج عدداً من الموضوعات ‏الشخصية أو الاجتماعية أو العاطفية أو السياسية التي غالباً ما تكون مثيرة للجدل ومتحررة إلى حد كبير فهناك ‏جرأة في استخدام أي لفظ بدون أي تحفظ ولعل ذلك أكبر مشكلات أغاني الراب والتي تتعارض مع خصوصيات ‏وثقافات وعادات الشعوب العربية، أما جماليات صوت وحنجرة المؤدي يعد عاملاً ثانوياً –رغم جماليات أصوات ‏البعض– لكنها عامة غير مهمة فمن الممكن أن يؤدي الراب أي شخص ولذلك لا يسمى مغنياً بل مؤدي راب أو ‏رابر ‏RAPPER‏. وتؤسس موسيقى الهيب هوب ضمن أنواع أخرى كالراب والبيرليسيون والأليكتروفيزون ‏والهارد روك والجاز والبلوز؛ تؤسس جميعها لانتماءات موسيقية مصدرها المجتمعات الهامشية والشوارع ‏بمشكلاتها، فحين تحدث العالم الاجتماعي (السوسيولوجي) إميل دور كايم عن أن الوعي الجمعي هو نظام من ‏القوالب الجاهزة السلطوية كان يمهد إلى لغة هامشية مركزها الذات وتؤسس للغيرية والاختلاف. هذه الفلسفة نهل ‏منها العديد من الاتجاهات الفنية والموسيقية وهكذا ولدت ثقافة الهيب هوب تحديداً بحي ‏BRONX‏ في نيويورك ‏وسط أجواء من الظلم وعذاب العبودية والعنصرية بين الأبيض والأسود والمشكلات الاجتماعية المستعصية التي ‏تأتت كرد فعل وتعبير عما يجول في صدور شباب دون سن الثلاثين من ضيق وحقد، وأيضاً كفن مستقل بهم بقي ‏لأكثر من ثلاثين عاماً معروف ضمن نطاق محدود جغرافياً لكنه خلال السنوات الأخيرة عبر لكل القارات بعد أن ‏وجد كثقافي صدى كبيراً فظهرت عدة فرق غنت الهيب هوب كلغة جديدة حركت سكون المجتمعات بصرخاتها ‏المثيرة للجدل فاقتسمت المجتمعات بدورها مابين مؤيد لها ومعارض.‏
وغالبا ما يتداول هذه الموسيقى والغنائيات الشعراء الشعبيون وشباب الشوارع الذين يعانون من القهر والظروف ‏المادية والاجتماعية المتعثرة، كالفقر والبطالة والإدمان، أو الذين دفعتهم قسوة الحياة إلى الانخراط في عالم ‏العصابات وتجارة المخدرات، ولا يضع ذلك الهيب هوب ضمن إطار ضيق حدوده الفقر والمخدرات والجريمة ‏والانحراف فهناك اتجاهات كثيرة وروافد اتحدت مع موسيقاه، مثل الجاز التي شهدت بدورها تطوراً حاكت من ‏خلاله موسيقى الراب والهيب هوب، وبإلغاء نظام العبودية عام 1863م على يد الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام ‏لينكولن وبنهاية الحرب الأهلية الأمريكية التي تكثر فيها علب الليل وصالات الرقص والفرق الموسيقية فأطلقوا ‏العنان للموسيقى التي توارثوها من بلادهم الأصلية عبر الأجيال لتعبر عن روحهم المخطوفة الممزوجة بعذابات ‏العبودية، وشيئاً فشيئاً عرفوا الآلات النحاسية كالساكسفون والترمبيت التي تركتها الفرق الموسيقية العسكرية بعد ‏انتهاء الحرب فابتكروا موسيقى الجاز وتطوروا بها نحو العالمية. ‏
وهناك نماذج للجاز قلدت موسيقى الهيب هوب أضيفت لها روافد جديدة كالراب روك منذ الثمانينيات من القرن ‏الماضي العصر الذهبي لموسيقى وغنائيات الهيب هوب حيث تطورت موسيقى الراب بشكل مكثف وتحولت ‏الهيب هوب تحولاً تاريخياً مع إبداعات بعض الفرق الموسيقية ولم تعد حكراً على الأحياء الفقيرة المهمة ليبدأ ‏عصر جديد من الراب يعرف بالجانجستا ‏GANGSTA، وقد قوبل هذا النجاح بجدل إعلامي واسع للأسلوب ‏العدائي المتطرف لبعض الفرق إضافة للكثير من الصفات السلبية كالعنف واللامبالاة والعدوانية والعصبية ‏والكلمات البذيئة المسفة. ‏
هيمنة النموذج الأمريكي
لعل أحد أهم الأسباب التي دفعت بموسيقى الهيب هوب إلى الشوارع العربية هو هيمنة أنموذج الثقافة الأمريكية ‏من خلال السينما ووسائل الإعلام المختلفة، فهناك ميل دائم لدى الشباب العربي للتقليد خصوصاً أن أي نوع من ‏الثقافات الأمريكية يروج له بمنتهى الذكاء والمهارة والحرفية إضافة لشبكة الإنترنت العالمية الأنموذج والوسيلة ‏الأمثل للترويج الموسيقي خصوصاً أن معظم روادها من الشباب، فتوسعت قاعدة المعجبين بغنائيات الهيب هوب ‏وموسيقاه بجرأتها وخروجها عن المألوف في تعبيرها عن الغضب والإحساس بالقهر والفساد، وربما يكون ‏استخدامها لما يتعارض مع خصوصيتنا العربية والإسلامية من أخطر المشكلات التي تعترضها خصوصاً شكلها ‏الخارجي الذي يتشبه بالغرب من زي وإكسسوار ورقصات خليعة وألفاظ بذيئة ممجوجة وتحريض على العنف ‏والتوتر والصراخ والتطرف فقد نشأت كاستجابة للعبودية والتعبير عن مشكلاتها، يقول أستاذ الموسيقى ‏‏(باترسون): «ثقافة الهيب هوب رد فعل على الظلم الذي تعرض له السود من البيض، وهي أيضاً نظام ‏للاتصالات بين الزنوج في جميع أنحاء أمريكا». وكان أحد أهدافها التي خطط لها بعناية هو إشغال الشباب السود ‏في أمريكا وامتصاص طاقاتهم وتحييدها بانضمامهم لفرقها والمنافسة في الرقص والغناء بدل الانضمام لعصابات ‏الجريمة المنظمة، وبالتالي العنف والقتل والمخدرات.. فهل حدث ما تم التخطيط له من فوائد؟ للأسف ظهرت ‏العديد من المشكلات والتي تتزايد إلى الآن ففرقت الجهود وأهدرت الطاقات فيما لا طائل من ورائه واستفاد ‏الرجل الأبيض من استغلاله للأسود بعد أن أصبحت حفلات الهيب هوب الأمريكية الصناعة مكاناً لاستعراض ‏الأسلحة وتناول المخدرات وممارسة الفواحش والكبائر وسيطرت عليها ونظمتها عصابات عتيدة في الإجرام.‏
وقد أفرز ميدان التحرير أثناء الثورة 25 يناير أشكالاً جديدة للأغنية الوطنية كالهيب هوب التي جاءت كلماتها ‏وألحانها من أفواه الشباب (حسب رأي الموسيقار حلمي بكر) إلا أن غنائياتهم السطحية لم تصمد طويلاً أمام ‏أغنيات الجيل الماضي الوطنية باعتبارها أغان خالدة لن تموت بمرور الزمن.‏
ويتم استغلال موسيقى الهيب هوب في تغيير اتجاهات الشباب نحو مزيد من الانفلات اللفظي والأخلاقي بغناء ‏يثير البلبلة في الإفهام ويحمل الكثير من صفات العنف واللامبالاة، فتاريخ الراب والهيب هوب يمتلئ بالنماذج ‏السلبية التي من الممكن ممارستها في أجواء متفجرة، فتتحول بدلاً من الإصلاح -وهو الهدف المعلن- إلى إفساد ‏الأذواق والفوضى الفنية -وهو الهدف السري الإستراتيجي- وهذه هي الحرب بالموسيقى وبالغناء. ‏
ويصعب على الكثير من شباب الراب تذوق الموسيقى العربية أو الكلاسيكية وفي كثير من الأحيان تعقد صداقات ‏وتنفك أخرى خصوصاً بين المراهقين طبقاً لأنماط الموسيقى المصغى إليها، فمن المتواتر رؤية فتيان يتبادلون ‏النقد بحدة ويحطمون صداقات لأن عضواً من مجموعة أصدقاء يستمع إلى أنواع موسيقية مختلفة، ونعثر أيضا ‏على الأمر ذاته بين عدد كبير من الكهول، وفي هذا الصدد تسهل ملاحظة التطرف وقمع هؤلاء المعجبين بالهيب ‏هوب كغناء وموضة جديدة لهويتهم الشخصية ليأخذوا هوية نجوم الهيب هوب والراب بكل ما تحمله من ‏إشكاليات وسلبيات فيقلدونها تقليداً أعمى لتنزل بهم الحرب الموسيقية الغنائية هزائم نفسية ووجدانية متتالية أبلغ ‏أثراً من كل الحروب العسكرية.‏
ذو صلة
التعليقات