مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

اختلاف الدكاترة مع العميد

ولد زكي مبارك في قرية سنتريس في المنوفية في مصر في 5 أغسطس عام 1891م، وحصل على شهادة الليسانس في الآداب من الجامعة المصرية سنة 1921م، وكان أول من حصل على الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة المصرية (القديمة) عام 1924م (عن الاختلاف عند الغزالي).

بدأ الدكتور طه حسين يلقي أولى محاضراته في قاعة المحاضرات في الجامعة المصرية يوم السبت الأول من نوفمبر سنة 1919م وقد تحدث عن عزمه على إحياء التراث اليوناني لأنه يؤمن إيماناً جازماً بأن مرجع الفكر في الشرق والغرب إلى القدماء من مفكري اليونان، وما كاد يفرغ من محاضرته حتى نهض أحد الطلبة واسمه زكي مبارك فرد على الدكتور طه رداً خطابياً أعجب الجمهور فوقف الدكتور طه ورد على الطالب مما جعل محمود عزمي يكتب في جريدة (الاستقلال) عن إعجابه بمحاضرة الدكتور طه حسين ووجه عبارة نابية إلى الطالب الذي ثار حين رأى من يقول بأن مرجع الفكر كله إلى مفكري اليونان، مما شجع الدكتور طه أن يبدأ محاضرته الثانية بكلمة التعقيب التي نشرت في الجريدة، فنهض زكي مبارك قائلاً: «لا تتعالوا علينا ففي مقدورنا أن نساجلكم بالحجج والبراهين».
لم ينته الخلاف عند هذا الحد بل تجدد بعد أن أكد طه حسين ذلك في الكتاب المقرر لمسابقة الأدب العربي للمطالعة في المدارس الثانوية والذي أكد فيه أن مرجع الفكر في الشرق والغرب إلى القدماء من مفكري اليونان.
ونص على أن الغرب وطن الفلاسفة وأن الشرق وطن الأنبياء.
 وقال زكي مبارك: لابد من نقض هذه الآراء قبل أن يفتن بها التلاميذ لأنها صادرة من رجل ممتاز من الوجهة الأدبية أو لأنها في كتاب حمل اسم وزارة المعارف العمومية... ووجه سؤاله الكبير: ما الذي يمنع من تبصير الدكتور طه بالصواب.. وهل هان الشرق على أهله حتى نسكت عما يرمونه بالعقم والإهمال في الميادين العقلية؟ على الدكتور طه أن يسمع وله أن يجيب إن كان يملك الجواب؟!
وبعد أن استرسل في تعدد نماذج من الأخطاء وفند حجة الدكتور طه التي تقول: إن قوة الغرب تأتي من كونه وطن الفلاسفة وحجته على ضعف الشرق أنه وطن الأنبياء وخلص إلى أن يكون «القائد الأول للفكر هو محمد لا سقراط ولو غضب الدكتور طه حسين».  ولكنه بعد استعراضه لما يتفرد به الشرق... وأن الإسلام قد حرر ألمانيا وإنجلترا وانتهى إلى أن الشرق هو الذي يؤثر في الغرب ولايزال يؤثر من الوجهة الروحية العقلية.. وقال إن الدكتور طه ينقل كلاماً.. وناقل الكفر ليس بكافر كما قال القدماء.
وعندما ظهر كتاب زكي مبارك (النثر الفني) باللغة العربية عام 1934م استقبل بالترحيب،  ولم يقف في وجه الكتاب غير كاتبين هما: طه حسين وأحمد أمين، وكان طه حسين قد أبعد زكي مبارك عن الجامعة المصرية فقال إثر معركة كتابه المذكور: «إن أعظم منصب في الجامعة المصرية لا ينلني من المجد مثل ما أنالني كتاب النثر الفني، والذي يحاربونني لم يطمعوا في محاربتي إلا لظنهم أني رجل أعزل انحاز إلى حزب من الأحزاب وليس لي في الحكومة عم ولا خال.
ولكن خاب ظنهم فإن الحق أعز وأقوى، وسيرون كيف أزلزل أرواحهم وكيف أملأ قلوبهم بالرعب وكيف أريهم عواقب ما يصنعون، إن النصر سيكون حليف من يصلون النهار بالليل في تثقيف عقولهم، أما الثرثرة الفارغة التي يعتصم بها أمثال طه حسين فلن يكون لها في عالم الجد بقاء.
وبعد، فأنا أمامي مصاعب كثيرة وأعرف أني أقف وحدي في ميدان القتال، ولكني لن أحزن ولن أضعف، وحسبي من النصر أن أكون غصة في حلوق المبطلين والمرجفين».
ووجه رسالة لطه حسين نشرها في كتاب (البدائع) تحت عنوان (طه حسين بين البغي والعقوق) قال فيها: «يادكتور طه: كيف نسيت فضلي عليك يوم نبذك الناس نبذ النواة، ولم يكن لك نصير سواي؟ أتذكر كيف كان أصحابك يفرون منك كما يفر السليم من الأجرب؟
يا دكتور طه: ماذا تملك من السلطان حتى تهدد وتتوعد؟ حدثني ماذا تملك فقد ضقت ذرعاً بوعيدك؟ هل تملك غير الدسائس التي تسطرها ضدي في صحيفتك السوداء... إنك بعيد كل البعد عن أخلاق الأشراف، كل ما تملك هو الانتساب إلى العلم والعلماء ولست من ذلك في كثير ولا قليل.. ويجب أن تعلم أني أزاحمك برأي أرجح من رأيك.
يا دكتور طه: أنت تعجب من رجوعي إلى  الجامعة المصرية فلتعلم أن حجتك في هذا العجب ساقطة أشنع سقوط، لأني لم أجئ إلى الجامعة من عرض الطريق، فقد زكيتني أنت للتدريس في الجامعة من تسع سنين واشتغلت بالتدريس في الجامعة ثلاثة أعوام بجانبك ولم تؤاخذني بهفوة واحدة.
اسمع أيها الصديق القديم البالي: ذهبت أنت على نفقة الجامعة ومضيت أنا متوكلاً على الله فأنفقت ما ادخرت من عرق الجبين، واتصلت أنت بالمسيو كازانوفا ففرض عليك آراءه فرضاً، ولم تكن رسالتك عن ابن خلدون إلا نسخة من آراء ذلك الأستاذ، واتصلت بالمسيو مرسيه ففرضت عليه آرائي فرضاً واتصلت بيني وبينه الخصومة، ولكن قناتي ظلت صلبة وقوضت كبرياءه في عقر بيته وفوق كرسي  السربون.
وقال في مقالة نشرها على صفحات مجلة الرسالة في العدد 541 بتاريخ 15/11/1943م معلقاً على كتاب (قادة الفكر) لطه حسين الذي قدمه هدية لقراء مجلة الهلال: «... والحق أن للدكتور طه عذراً في مسايرة الباحثين الأوروبيين في القول بأن الثقافة اليونانية هي مصدر الثقافة الإنسانية، وأن الناس في الشرق والغرب وفي جميع الأجيال مدينون لثقافة اليونان، ولو أنه تريث لعرف أن هناك كتباً أجدر من تلك الكتب بالتلخيص، وهي الكتب التي ترى أن المعارف اليونانية منقولة عن المعارف المصرية، وأن فلاسفة اليونان القدماء، لم يكونوا إلا تلاميذ لفلاسفة مصر القدماء.
وقال: أستاذية مصر الفرعونية لليونان الوثنية ليست أسطورة من الأساطير وإنما هي حقيقة من الحقائق، وإن أراد الدكتور طه أن يساجلني فأنا حاضر للسجال ومعي العقل الذي ثقفه الدكتور طه يوم كان أستاذي في الجامعة المصرية».
وأنت ياطه تعلم من هو زكي مبارك، وتعلم أنه لا يخاف إلا الله.. لقد اشتغلت أنت بالصحافة واشتغلت أنا بالصحافة وإليك الفرق بين الشخصين: كنت أنا رئيساً لتحرير جريدة (الأفكار) وكانت تدافع عن مبادئ الحزب الوطني، وكنت لا أكتب غير ما أراه من آراء في التقلبات السياسية فكنا نختلف مع المسؤولين ونختصم كل صباح. وأنت اليوم رئيس تحرير جريدة وفدية فهل تدري ماذا تصنع؟ تدخل إلى مكتبك فلا تكتب سطراً قبل أن تتصل تلفونياً بهذا أو ذاك لتتلقى الوحي ثم تكتب ما يلقى عليك وكأنك الببغاء!.
خرجت أنا من الجامعة فاشتغلت بالتدريس والصحافة الأدبية وجمعت من المال الحلال ما أتممت به دراستي في باريس.. وخرجت أنت من الجامعة فانزويت في بيتك وأخذت تبحث عن سيد، وطالت حيرتك في تخير سيدك الجديد فكنت تراه تارة من هؤلاء وتارة من هؤلاء، ورأيت أخيراً أن مائدة الوفد أشهى من غيرها وأمتع فذهبت وقدمت لها نفسك، وهددت هيكل بكشف أسرار الدستوريين.
لقد أخرجت كتاب الشعر الجاهلي سنة 1926م وكتبت في مقدمته فقرات تتحدى فيها الرأي العام وتعلنه بالحرب الشعواء.. فقوبل بالاعتراض، وكانت العاقبة أن دعاك مدير الجامعة وأمرك بالاستغفار وأذعنت، ونشر قلم المطبوعات على الصحف المصرية هذه التوبة النصوح: «أشهد أني أؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر» طه حسين.
وأخيراً نجده يكتب في 12/2/1940م: «أن الدكتور طه من ذخائرنا الأدبية، ويجب أن يعيش ونحن نسانده في الخطأ والصواب رعاية لمركزه في الجامعة وفي وزارة المعارف، وهو خليق بمركزه في الجامعة وفي وزارة المعارف.. متى نلتقي أيها الأستاذ الجليل لتصفية الحساب؟
إن العفريت الذي يحتل رأسي حين أخلو إلى قلمي لا يحضر حين ألقاك؛ لأني لا أرى وجهك إلا تذكرت أني أحببتك إلى حد العشق. فمتى نلتقي وحولك أرصاد يؤذيهم أن يصل إلى قلبك الرفيق؟
ولهذا نجده يكتب في مجلة الرسالة في 28/7/1941م عندما توفي الشيخ حسين علي والد طه قائلاً: «ما فجع رجل بأبيه إلا تجدد جزعي لفجيعتي بأبي، فما استطعت دخول البيت الذي مات فيه إلى اليوم، ولا تمثلت وجهه الأصبح إلا غلبني البكاء. من أجل هذا رأيت الحزن يعصر قلبي حين قرأت في الجرائد أن الدكتور طه حسين فقد أباه، ورثه الله عمر أبيه ومن عليه بالصبر الجميل».
وعندما رحلت والدة الدكتور طه حسين نجد زكي مبارك يسارع ليكتب في جريدة البلاغ في 6/8/1950م: الحمد لله الذي أعزها بوقوفك على قبرها ولم يذلها بوقوفها على قبرك.
إن اليتم في معناه الحقيقي هو فَقْد الأب والأم، والمعنى المجازي هو التفرد، وقد تفرد الدكتور طه بطرائق في التفكير وفي التعبير
فهو يتيم.
ماتت أمي ولم تر من حياتي غير تباشير من المجد، أما والدة الدكتور طه حسين فقد عاشت إلى أن رأته من أكابر الوزراء، وهذا من
أجمل الحظوظ...».
وهكذا نجد زكي مبارك يعتذر من أساتذته ومن الأزهر قبل أن يعتذر من أستاذه في الجامعة المصرية الدكتور طه حسين -قبل رحيله في 23 يناير 1952م فنجده بعد أن عدد أسماء أشهر أساتذته في الأزهر وبالذات الشيخ سيد المرصفي والذي سبق أن شكره طه حسين.
ومما قال زكي مبارك: «... فإذا قضت الظروف بأن تقطع بيني وبين الأزهر جميع الصلات -لا قدّر الله ولا سمح- فإني لن أنسى ولن ينسى أحد أني مدين لأساتذتي في الأزهر وأن خروجي عليهم ضرب من العقوق ونكران الجميل.
اللهم إن كنت تعلم أني صادق فيما أقول فـأجرني بخير ما يجزى به المؤمن الصادق، وإن كنت تعلم أني أظهر غير ما أضمر فاغفر لي وتب عليّ فإنك وحدك التوّاب الغفور».


ذو صلة
التعليقات