مجلة شهرية - العدد (503)  | ذو القعدة 1439 هـ- سبتمبر 2018 م

ملحمة البامبا

يسمي الأرجنتينيون ملحمتهم «ملحمة البامبا» (البامبا هي السهول المترامية والوسيعة المعشبة في بلاد الأرجنتين حيث تعيش قبائل الغوشو) والأرجنتينيون وأهل الأورغواي وسكان البرازيل فيهم أبطال أشداء عاشوا على صهوات الجياد، منذ عرف العالم تلك الأصقاع النائية التي تكثر فيها الخيل، فمارسوا المغامرات والأسفار والحروب، وراضوا شوامس الأفراس التي لا تبيح أظهرها إلا لكل جبار عنيد من الفرسان والأبطال.

وشاعر الأرجنتين الأكبر «خوزي هيرنانديز» الذي أعطى أمته ملحمتها الكبرى كان بطلاً مشهوراً، اشترك في كثير من الحروب التي اصطرعت فيها القوى المتنازعة في الأرجنتين، وحارب مع الجيوش الأرجنتينية قوى الباراغويين إلى جانب القائد (أوركيزا).
ولد هذا الشاعر العظيم سنة 1834م، ومنذ نشأ اختلط في المعايش البدوية التي تحياها قبائل (الغوشو)، وقد ماتت أمه وهو دون الثانية عشرة، فذاق مرارة اليتم، وبعد أن تمرس بصلابة الحياة، وضنك الوحدة، اشتد ساعده، فغدا رجلاً مشاركاً في ثورات قومه. وقد تقاذفته حوادث طوحت به في نفي، فالتجأ إلى البرازيل. ويذكر نقاده الأدبيون أنه حين نزل البرازيل أقام في قبائل (الغوشو) هنالك، فذكرته المشاهد القبلية وفروسية أبطالها بما كان قد عرفه منذ نشأته في قبائل الغوشو الأرجنتينية، عند أرباض بونس-أيريس، فكتب ملحمته بهائج من تلك الذكرى.
ولما أتيحت له عودة إلى وطنه أتم قصيدته الكبرى، ولم يلبث أن نفي مرة «ثانية» إلى مونتفيديو، ولم يعد إلى بلاده إلا بعد أن تسلم الحكم أحد أصحابه «سارميانتو» سنة 1879م، وغدا من رجال التشريع، حتى مات سنة 1886م إثر نوبة قلبية، أسكتت ذلك الخفاق الكبير الذي احتوى المثل الفائقة في العدالة والإنسانية وحب الأرض.
ولم يحظ النقاد والمحللون لأخباره وحياته بطائل من حياته الخاصة، فراح مجهول الداخل؛حتى إن أخاه حين كتب عنه، لم يذكر من حياته البيتية إلا أموراً عابرة.
كانت حافظته أوعى ما عرف في أذهان الرجال، وكان صوته الجاهر العذب يشبه تراتيل الأرغن، وأصدقاؤه بعده كانوا إذا أخذوا بذكراه ترحموا عليه؛ لأدبه  السامي، وخلقه الطيب، وعنصره الكريم. وقد كان روحانياً غيبياً يلقي بنظراته وراء الآفاق السحيقة.
ومازال القوم في بلاد الأرجنتين من تخومها إلى ثغورها يرددون حتى اليوم ملحمة هيرنانديز التي سماها (مارتان فييرو) باسم بطلها الذي لعب حوادثها في حياة عمره الشارد الخطير.
لقد أدار هيرنانديز أناشيد ملحمته على بطل أشبه بأبطال الأساطير هو (مارتان فييرو) الذي لم يزايل عمره صهوة جواده، ولا فترت يده عن جس أوتار قيثاره؛ فما كان أشبهه في أناشيده التي كان يرتلها على مسرود أغانيه، بصاحب الملحمة البشرية الأولى هوميروس الذي غنى أناشيد الإلياذة والأوديسة ورتلها ترتيلاً على السامعين.
كان مارتان فييرو يغني بأناشيده أخبار مغامراته البطولية، ويبكي آلامه وشجونه، ويذكر ويلاته، ولست أشك في أن الشاعر هيرنانديز مؤلف هذه الملحمة قد سكبها من فيض آلامه هو وويلاته؛ حتى غدت وكأنها أسطورة للفروسية وصلابة الجلاد؛ أفما  كان هو نفسه في شبابه وقبيل الكهولة يغوص رأسه في قبعته الكبيرة،  وتصطفق على جانبي ساقيه مصافق الجلد  الموشاة التي يلبسها رعاة البقر، وتلاعبها الرياح على سراويلهم ولم تتخل عنه آلهة الموسيقى؛ فقد كان هو نفسه يغني على القيثار؛ ويدندن بصوته العذب أناشيد أحزانه طوال الليالي. وكان شأنه شأن الواضعين للملاحم الخالدة في تاريخ الأدب العالمي حين مزجوا آلامهم بأشعارهم، وحملوها تصاوير خيالهم وآثار حوادثهم الرائعة.
لقد وضع هيرنانديز ملحمته في قسمين كبيرين: الأول سماه(مارتان فييرو)، ثم بعد سبع سنين قفاه بالآخر، وسماه (رجوع فييرو)، فكان مشبها في طريقته الفنية الملحمية طريقة هوميروس الذي وضع الإلياذة، فصور فيها ذهاب الأبطال إلى حرب طروادة، ووضع الأوديسة فمثل فيها رجعة هؤلاء الأبطال، وفي مقدمتهم عولس الجبار من تلك الحرب الضروس، حين أخذته جنيات البحار، وتاه في الجزر المنقطعة وراء أصوات «السيرين» السابية وأن خوزي هيرنانديز ليختط في ملحتمه أموراً مغايرة لبعض ماعرف من الملاحم: فهو يجعل الملحمة وسيلة لإيقاظ الشعب الأرجنتيني الذي أشبع بروح الإسبان، فنهض  من غفلته ونومته الطويلة، بل هو يبث في صفوف الشعب الروح الواعي الاجتماعي، ويفل من حدة النظام الطبقي، بل يهدم الحوائل بين طبقات الشعب.
وكان يؤثر الدفاع عن قبائل «الغوشو» وقد عاش فيها وألِفها، وعرف عاداتها، ومثلها في الكرم والفروسية، فأعطاها كل مناله من نفسه وغايته، وكم تألم لمشاهد النزعات الحضارية الجارفة التي كانت تهدر بتيارها؛ لتسوق أمامها البداة الرحل الذين ضمتهم تلك القبائل، فتطيح بهم وتشتتهم. وكانت هاتيك المشاهد الحانية تتلاعب في خيال شاعرها هيرنانديز، فيرى بتصورات شعره قبائل الغوشو مرتحلين أو نازلين حول ماء في أرض ممرعة، فإذا أتى عليهم الليل تحلقوا في أسمارهم حلقات، وباتوا هازجين حول نار تشب. ترقص غوانيهم ذوات الأقراط من الحلقات الذهبية الكبيرة، وعلى قدودهن الممشوقة التنانير المطواة، تتسع دوائرها وهي لافتة صافقة في صخب من الأغاني البدوية الحماسية، حيث عرف أولئك الرجال والنساء الحب الصافي، وتمجيد الحرية.
وتفاقم الخطب على الغوشو، فطردتهم المدينة حتى تخوم البلاد، واصطلح على ظلمهم الحكام وضباط الجيش والمهاجرون الذين تركوا بلادهم النائية الفقيرة، وجاءوا إلى الأرجنتين يبتغون الثراء، فكان الشاعر هيرنانديز أول من وصف هذه القبائل الأصيلة في البلاد، وحامى عنها في شعره، وكان يقطع نياط قلبه ما يشاهده من وقع المظالم على الغوشو؛ إذ أطيح بهم في السجون، وشتتوا بغير سبب أو جريرة؛ فجلا مصائبهم وحوادثهم، ووصف أحوالهم، وسرد سيرتهم في قصيدتي (مارتان فييرو )، فصوره شاعراً شارداً مظلوماً يجول في البلاد، فينشد على قيثار آلامه ونوازعه تاريخ حبه وشقائه، مثلما كان يصنع شعراء التروبادور في إسبانيا، وجنوبى فرنسا، في القرون الوسطى.
تستهل ملحمة البامبا المسماة باسم بطلها (مارتان فييرو) بقصة حالة: يبدأ مارتان فييرو بإنشاد أناشيده المغناة على قيثاره واصفاً فيها الحياة  الرغدة الأولى، التي كان يحياها (الغوشو)، فيقول فيها:
ههنا أقف لأنشد نشيدي
وأوقعه على أنغام قيثاري
رجلاً لا يغمض له جفن
من ألم جارح يؤذيه
فهو مثل عصفور وحيد
يغني ليعزي نفسه
• • •
في الزمن الغابر وفي بقعة حياتي
كان لي أنعام وامرأة وأولاد
ثم عصفت بي عواصف التعس
فهأنذا اليوم أنبذ على تخوم بلادي
تائهاً في البراري وهائماً على وجهي
ففيم تقام دوني السدود، وتقف الحدود؟
• • •
إن أناساً يزرعون الأرض ويثمرونها
من أجل غنائم رجل مستعمر
وكان المساكين يحرثون الأرض
ولايرفعون الرؤوس بالأنظار الحسيرة
خشية أسيادهم الظالمين
ثم نزلت نازلة قاصمة بمارتان فييرو، هدمت كيانه، وقوضت نفسه؛ فلقد تسلل ليلاً، وهو طريد السلطة، إلى بيته ليرى زوجه وأولاده، فوجد الأولاد قد شردوا في البلاد، وعرف أن زوجه الحبيبة الجميلة ذهبت مع رجل آخر، فراح مع البكاء يقول:
لقد ذهبت زوجي الجميلة الحبيبة
مع رجل ليطعمها الخبز
إنها لم تعد تحصل عليه من يدي
وحين عرف أن أولاده أصبحوا أجراء من أجل اللقمة قال:
ويلي؛ أين أطفالي؟ لقد ذهبوا ليعيشوا وهم كالأفراخ ليس على أبدانهم إلا الزغب.
ويقول عن منزله:
لم يبق لداري من أثر قائم سوى الجدارن.
• • •
عند ذاك يسكن في نفس مارتان فييرو رجل غيره، فيحلف أن ينتقم من البشرية، ويتحول إلى قاطع طريق مغير وكأنه سبع مفترس؛ فيجول من قرية إلى قرية، ويتفق له أن يرى في بعض الحانات أناساً يعرفونه، فإذا أخذت الخمرة من رؤوسهم وألسنتهم، بادروه بالتعيير، فذكروا له زوجه الهاربة مع عشيقها، فيثور ويقتل منهم نفراً؛ فتلاحقه الشرطة يقودها عريف اسمه «كروز» لا يلبث حتى ينضم إلى مارتان فييرو؛ إذ تجمع بينهما وحدة الألم؛فإن كروز أيضاً كانت له زوج حبيبة إلى نفسه، فهربت مع عاشق، وقد أعان «كروز» مارتان فييرو حتى تخلص من طراد الشرطة، فسار إلى جنبه في إخاء دائم، وحمل مثله قيثارته؛ليغني أغانيه المحزنة، ويصف فيها نفسه وما أصابه من ظلم الحياة، وفساد الجماعة؛ ففرا معاً إلى مناطق الهنود؛ إذ لم تعد تحويهما أرض في الأرجنتين.
إلى ههنا ينتهي الكتاب الأول من «ملحمة البامبا» بأخبار مارتان فييرو.
وفي الكتاب الآخر من الملحمة يصف لنا الشاعر هيرنانديز بطله عائداً من رحلته السحيقة في الصحراء وقد حمل رسالة الإنسانية لنصرة الهنود، والدفاع عن قضيتهم الاجتماعية؛حتى عدّ النقاد هيرنانديز أول من حمل لواء الحرية للهنود في أمريكا، وصوّر ما يلاقونه من العسف والهوان لدى الأمريكيين وأبرز الشاعر بطله مارتان فييرو في خلائق ثلاث يتصف بها الهنود وهي:
هوى الحرب، وإعزاز الخيل، والحس بشعور المساواة.
وقد دهمت المصاعب والمتاعب في هذه المرحلة مارتان فييرو، فمات صديقه الصدوق العريف «كروز»، وعاد إلى موطنه، حيث رأى ولديه وبيكارديكا ابن صديقه كروز الذين كانوا قد جمعتهم الويلات الموروثة، فأخذوا-وهم جماعة –ينشدون على قيثاراتهم الآلام والفجائع التي لقيها الآباء وخلفوها للأبناء، يسردون في تلاحينها المحزنة ذكرى التعس والظلم والاستبداد، ويعطفون الأعناق حزناً على الحب الضائع، وهم يندبون من عذاب السجن، ومن التشريد على تخوم البلاد.
وفيما كان مارتان فييرو وابناه وابن صديقه يجولون منشدين ملحمتهم، دخل بهم مارتان فييرو مقهى، فوجد زنجياً يغني على قيثاره، فتحداه الزنجي في أن ينشد مثل إنشاده. وكان مارتان قد قتل زنجياً هاجه، فاتفق أن كان هذا الزنجي المنشد أخاً لذاك، فانسحب مارتان من المنافسة الغنائية، مؤثراً ألاّ يتطور الأمر بينه وبين الزنجي الجديد، إلى مثل ما آل إليه الأمر منه مع الزنجي الأول.
وراح مارتان وجماعته يكملون جولتهم في مآسي حياتهم التي كانت تنطلق بها الملحمة بأشعار مارتان الطبيعية البريئة، وهي تصعد من أعماق روحه، وبيانه الساذج، جامعة حب المرأة والبنين والحياة، إلى احترام الشيخوخة، وممزوجة بمسامحة الشاتمين والتجاوز عن اللوّام، وكانت الحِكَم وجوامع الكلم تأتي تترى على لسان مارتان فييرو في أشعار الملحمة التي أنطقه بها شاعرها هيرنانديز، معقودة اللواء على تمجيد قبائل الغوشو، وتسجيل مواقف بطولتهم الخارقة، وفورات دمهم النقي الدافق، فيقول:
إن قلوب الغوشو يضنيها الألم الجارح
حين يقع إليها خبر موتي
لأن «تعاساتي» المتعددة
هي «تعاسات» كل إخواني وأندادي.
وقد صدقت تكهنات مارتان فييرو؛ فإن قبائل الغوشو مازالت حتى الآن في الأرجنتين تردد أعقابها المتحضرة، وبقاياها المتبدية، أناشيد هذه الملحمة الشعبية، وتتخذ من حياة مارتان فييرو ومغامراته نصباً روحياً لتمجيد البطولة, والترنم بالشعر العذب المصفى الذي وضعه الشاعر الكبير «خوزي هيرنانديز», فكان للشعب الأرجنتيني كله حاضره وباديه, كتاب البطولة الأقدس, وقد اصطلحت على هذه الملحمة عناصر كبيرة من الفن والأدب والفكر, جمعت بين قصص البطولة في الملاحم, والشعر الغنائي والتمثيلي الفاجع, وبين الهجاء. وقد ضمخت هذه المجموعة الفنية بالأحزان الحق, وصارت جميعها جنباً إلى جنب, مع بطلها الجبار مارتان فييرو.

pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات

   رشا محمود
   rasha-899@hotmail.com
   مصر -القاهرة
   الأربعاء 17/03/2010
موضوع رائع نحتاج اليه للتعرف على الثقافات الاخرى في عالم الجنوب وشكرا للكاتب